ماذا يجري في شمال شرق سوريا.. هل تبدأ مرحلة جديدة من السيطرة الروسية؟

بقلم: علي مصلح
شهدت الفترة الأخيرة تحولاً استراتيجياً ملحوظاً في السياسة الروسية في منطقة شمال شرق سوريا، حيث لم تعد التحركات العسكرية الأخيرة مجرد تعزيزات روتينية، بل مؤشرات واضحة على استراتيجية جديدة تهدف موسكو من خلالها إلى إعادة تثبيت نفوذها كقوة فاعلة ومحورية في المنطقة.
يستعرض المقال مظاهر هذا التموضع الجديد، ويوضح كيف أن هذه الخطوات تتجاوز الأهداف الميدانية لتصبح رسائل متعددة الأطراف موجهة إلى الولايات المتحدة وتركيا، ومحاولة لإحياء تفاهمات سابقة كـ “اتفاق سوتشي”.
موسكو تعيد تموضعها في سوريا: مؤشرات على استراتيجية جديدة
تُشير التحركات العسكرية الروسية الأخيرة في شمال شرق سوريا إلى تحوّل استراتيجي في نهج موسكو بالمنطقة. فبعد فترة من تقليص وجودها العسكري إثر سقوط النظام البائد، يبدو أن روسيا تسعى الآن لإعادة تثبيت نفوذها كفاعل رئيسي.
حيث إن التغييرات واسعة النطاق في قاعدة مطار القامشلي، بما في ذلك زيادة عدد الجنود، ونشر منظومات دفاع جوي، وتكثيف رحلات طائرات الشحن، بحسب ما أكدته مصادر ميدانية وسياسية لوسائل الإعلام، لا تُعد مجرد تعزيزات روتينية، بل هي إشارة واضحة إلى عملية إعادة تموضع عسكري كامل. وهذه الخطوات، التي ترافقت مع عودة الدوريات البرية والجوية والتدريبات العسكرية المكثفة، تعكس رغبة موسكو في استعادة زخمها ونفوذها، وخاصة بعد الزيارة الأخيرة لنائب رئيس الوزراء الروسي إلى دمشق.
يمكن قراءة هذه التحركات كجهد روسي لمنع أي تصعيد محتمل في مناطق سيطرة “قسد” ولعب دور الوسيط بينها وبين حكومة دمشق، بالإضافة إلى إمكانية إحياء اتفاقية “سوتشي” مع تركيا التي تم توقيعها في عام 2019، ونصت على تسيير دوريات روسية منفردة ومشتركة مع الجانب التركي على طول الشريط الحدودي، ما يؤكد أن موسكو لن تتخلى بسهولة عن مصالحها في سوريا وتسعى لإعادة تشكيل ميزان القوى بما يخدم أهدافها.
قاعدة روسية جديدة بالقرب من الحدود التركية
تعتزم روسيا بناء قاعدة عسكرية جديدة في قرية قصر دب، بالقرب من الحدود التركية، بحسب ما أفاد به مركز رصد حقوقي مقره في بريطانيا. إن صحّت هذه الأنباء، فهذا يشير إلى مرحلة جديدة من التمدد الروسي في شمال شرق سوريا. كما إن نقل الآليات المدرعة وتثبيت أجهزة الرادار في هذه المنطقة الحيوية يؤكد على رغبة موسكو في تعزيز وجودها العسكري ونفوذها في منطقة تهيمن عليها القوات الكردية.
وتعتبر هذه الخطوة بمثابة رسالة واضحة لكل من تركيا والولايات المتحدة بأن روسيا لا تكتفي بدور الوسيط أو الداعم، بل تسعى لتثبيت نفسها كلاعب رئيسي على الأرض، مما قد يؤدي إلى تغيير ديناميكيات القوة في المنطقة ويفتح الباب أمام تفاهمات أو صراعات جديدة.
التحركات الروسية في شمال شرق سوريا: رسائل سياسية ودبلوماسية
تتجاوز التحركات العسكرية الروسية الأخيرة في شمال شرق سوريا مستوى الأهداف الميدانية، لتُصبح أداة دبلوماسية تحمل رسائل متعددة إلى الأطراف الإقليمية والدولية. ففي منطقة تتسم بتوازن هش للقوى بين الولايات المتحدة الداعمة لقوات سوريا الديمقراطية من جهة، وتركيا وحلفاء روسيا من جهة أخرى، تسعى موسكو إلى تثبيت نفسها كضامن للاستقرار وفاعل لا يمكن تجاهله، وذلك وفق ما صرح به الباحث والمستشار السياسي الدكتور باسل الحاج جاسم، خلال حديث إعلامي.
وتُشير عودة الدوريات الروسية، بالتنسيق المحتمل مع أنقرة، إلى محاولة لإحياء اتفاق “سوتشي” الذي يهدف إلى تنظيم الوضع على الحدود بين سوريا وتركيا ومنع التصعيد. وهذه الخطوات لا تهدف إلى شن عمليات عسكرية واسعة، بل إلى ممارسة الضغط الدبلوماسي وتوفير أوراق تفاوضية في مواجهة واشنطن وأنقرة.
وعلى الرغم من أن “قسد” قد ترى في الوجود الروسي فرصة لتوسيع خياراتها بين الدعم الروسي والأمريكي، إلا أن موسكو لا تهتم بمصالح قسد بقدر اهتمامها بتعزيز أجندتها الجيوسياسية في المنطقة، ما يؤكد أن هذه التحركات هي جزء من استراتيجية أوسع لملء الفراغات المحتملة التي قد تنتج عن تقليص الوجود الأمريكي أو إعادة التموضع من قبل الجانب التركي، وهذا ما قد تستغله روسيا لتأكيد نفوذها في سوريا، وزيادة قوتها التفاوضية مع واشنطن وأنقرة.
العودة الروسية إلى الشمال الشرقي: تفاهمات جديدة أم مجرد تكتيك مؤقت؟
تُعد التحركات الروسية في القامشلي أكثر من مجرد وجود عسكري، فهي جزء من استراتيجية روسية أوسع تهدف إلى تأكيد نفوذها في منطقة حيوية. إن وجود الجنود الروس علناً، بعد فترة من التراجع، يشير إلى نية موسكو البقاء لفترة أطول. حيث أن هذه الخطوات لا يمكن فصلها عن التوترات الدولية، خاصة مع واشنطن، وتُستخدم كأداة لاستعراض القوة وإثبات قدرة روسيا على إدارة ملفات معقدة في مناطق متعددة.
وعلى الصعيد الإقليمي، تُشير هذه التحركات إلى إعادة تفعيل التفاهمات مع تركيا، خاصة فيما يتعلق بالدوريات العسكرية المشتركة، ما يمهد الطريق لتهدئة محتملة في شمال وشرق سوريا. وقد تُسهم هذه التفاهمات أيضاً في تقييد النفوذ الإسرائيلي وتقليص دور “قسد”، مما يفتح الباب لمرحلة جديدة من الاستقرار، وذلك بحسب حديث إعلامي للباحث محمّد سليمان.
وعلى الرغم من أن عودة روسيا تبدو قوية، تبقى إجابة السؤال حول ما إذا كانت هذه التحركات جزءاً من خطة طويلة الأمد أم مجرد تكتيكات مؤقتة، مرهونة بالتفاهمات الدولية بين واشنطن وأنقرة وموسكو خلال الفترة القادمة.
هل تعود روسيا بقوة إلى شمال شرق سوريا؟
بناءً على التحليلات السابقة، يتضح أن التحركات الروسية في شمال شرق سوريا ليست عشوائية، بل هي جزء من استراتيجية مدروسة تهدف إلى إعادة تموضع موسكو كقوة مؤثرة في المنطقة. فمن خلال تعزيز وجودها العسكري في مطار القامشلي وتكثيف دورياتها، تبعث روسيا برسائل واضحة لكل من الولايات المتحدة وتركيا، مؤكدةً أنها لن تتخلى عن مصالحها وأنها قادرة على ملء أي فراغ قد يحدث.
اقرأ أيضاً: التوازنات في سوريا.. هل توحد روسيا وتركيا صفوفهما لكبح جماح إسرائيل؟
وبينما قد ترى بعض الأطراف المحلية، مثل “قسد”، في هذا الوجود فرصة، إلا أن الهدف الروسي الرئيسي هو تعزيز موقفها التفاوضي على الساحة الدولية. وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الأهم: هل هذه العودة هي مقدمة لمرحلة جديدة من النفوذ الروسي المستقر في سوريا، أم أنها مجرد تكتيك مؤقت لاستغلال الظروف الراهنة؟ الإجابة على هذا السؤال ستكون مرهونة بما تسفر عنه التفاهمات بين القوى الكبرى في المستقبل القريب.









