مقابلات

ماذا تعني إدارة شركة محاماة؟

د. بشر ياقتي – ماذا تعني إدارة شركة محاماة؟

في سلسلة مقالات خاصة “بسوريا اليوم24″، يشرح الدكتور بشر ياقتي، حامل الدكتوراه في القانون والأنظمة مفاهيم فارقة في سياق القانون ومؤسساته وتشكيلاته. في هذا المقال يتعرّض عن قرب، وفي العمق، لإدارة شركة المحاماة، ويتصدّى للمفاهيم الخاطئة فيها مع الإصلاح.

حين يطرح تعريف إدارة شركات المحاماة كمنظومة وليس وظيفة؛ فإن أول خطأ يقع فيه كثير من الممارسين هو اختزاله في «إدارة إدارية تقليدية» كمتابعة الدوام أو توزيع القضايا أو تحريرها والترافع فيها أو مراقبة الأداء اليومي..الخ، والقائد لا بد أن يكون محامياً بالدرجة الأولى.

هذا الفهم القاصر يجعل الإدارة تبدو وظيفة مساندة، بينما حقيقتها أنها «منظومة قيادة وتشغيل» لكيان معقد يجمع بين المهنة والاقتصاد والخدمة.

فإدارة شركة المحاماة ليست إدارة مكتب بل إدارة كيان متعدد الطبقات؛ ففيه عمل قانوني عالي الحساسية، وعلاقات عملاء وضغط زمني وتحديات مالية وتنافس سوقي، لذلك فهي ليست دوراً ثانوياً بل هي الإطار الذي يحدد كيف يعمل كل شيء.

وللأسف فإن هذا المفهوم لا يكون واضحاً في البدايات، فيترك العمل لينمو بشكل طبيعي، ثم مع التوسع تبدأ الفوضى، ويظهر أن ما كان يُدار «بالعادة» أصبح يحتاج إلى «إدارة حقيقية»، فكيان قانوني يعمل بخمسة محامين قد يبدو مستقراً دون إدارة واضحة، لكن عند وصوله إلى عشرة أو خمسة عشر محامياً، تبدأ الأسئلة: من يقرر؟ من يراجع؟ من يحاسب؟ وهنا تظهر الحاجة لمنظومة إدارة، لا مجرد شخص يدير.

إذاً فالحل يبدأ بإعادة تعريف الإدارة: وهي أنها ليست «تشغيلاً يومياً»، بل «تشغيل النظام الذي يعمل من خلاله الكيان»، وحتى نستوفي ملامح هذا النظام فلا بد أن نعرّج على الجوانب التالية:

الجانب الأول: نطاق الإدارة وماذا تشمل فعلياً؟

إن إدارة شركات المحاماة لا تقف عند حدود القضايا، بل تمتد لتشمل كل ما يؤثر على إنتاج القيمة داخل الكيان، وأي محاولة لحصرها في جانب واحد ستؤدي إلى خلل في بقية الجوانب.

والنطاق الحقيقي للإدارة يشمل إدارة القضايا من حيث التوزيع والمتابعة والجودة، وإدارة الفريق من حيث التوظيف والتقييم والتطوير، وإدارة العملاء من حيث التجربة والتواصل والرضا، إضافة إلى إدارة الموارد المالية والتشغيلية، وأخيراً إدارة الحضور في السوق.

والمشكلة أن كثيراً من الكيانات تدير جانباً وتهمل الآخر، فقد تجد مكتباً قوياً قانونياً لكنه ضعيف في إدارة العملاء، أو ناجحاً في جلب القضايا لكنه فاشل في إدارتها داخلياً.

وهذا التشتت ناتج عن عدم وضوح نطاق الإدارة وكأن كل جانب يعمل بمعزل عن الآخر، كمن يحرص على زيادة عدد العملاء دون تطوير آلية إدارة القضايا، بالنتيجة سيعاني من ضغط وتأخير ثم تراجع في جودة الخدمة ثم فقدان العملاء أنفسهم.

وإذا لم يتم النظر إلى الإدارة كدائرة متكاملة ومراقبة أي خلل في أجزائها، فسينعكس مباشرة على كامل الكيان، وهو بحد ذاته سبب كافٍ لدورانه في حلقة مفرغة دون تقدم أو نمو.

الجانب الثاني: الفجوة بين الممارسة القانونية والإدارة

وهو من أكثر الإشكاليات شيوعاً، ومفاده أن النجاح في العمل القانوني يُفترض أنه يقود تلقائياً إلى النجاح في إدارة الكيان، وهذا افتراض غير صحيح ولو كان المحامي الناجح يمتلك مهارات تحليل وصياغة ومرافعة، لأن إدارة شركة محاماة تتطلب مهارات مختلفة من تنظيم وتخطيط وتوزيع موارد واتخاذ قرار تحت ضغط وبناء أنظمة وهكذا.

وعادة هذه الفجوة لا تُلاحظ في البداية، بل تظهر عند التوسع، حينها يبدأ المحامي بالانشغال في التفاصيل التشغيلية، ويتراجع تركيزه القانوني، ويشعر أن العمل أصبح أثقل عليه دون زيادة حقيقية في النتائج، كما يصبح أمام خلط بين «ممارسة المهنة» و«إدارة الكيان»، وصراع ما بين التخلي أو الإبقاء على الدور القانوني.

وحتى يخرج من ذلك لا بد من الوعي أن الإدارة مهارة مستقلة تحتاج إلى بناء وتطوير، وقد تحتاج إلى تخصيص وقت أو حتى دور مستقل لها بتوظيف متخصصين.

الجانب الثالث: طبيعة القرار في شركات المحاماة

القرار داخل شركة المحاماة ليس نوعاً واحداً، بل هو مزيج معقد من قرارات قانونية ومهنية وإدارية ومالية. وهذا ما يجعل الإدارة أكثر حساسية مقارنة بقطاعات أخرى.

وغالباً ما تتخذ هذه القرارات من زاوية واحدة فقط، إما قانونية بحتة أو مالية بحتة دون تحقيق توازن، فاتخاذ القرار بجلب عدد كبير من القضايا قد يزيد الإيرادات مؤقتاً لكنه قد يرهق الفريق ويؤدي إلى تراجع الجودة، بينما اختيار القضايا بعناية قد يقلل العدد لكنه يرفع القيمة والاستدامة.

فالنقطة الفارقة هي بناء وعي إداري يوازن بين هذه الأبعاد بحيث لا يُتخذ القرار بمعزل عن أثره الكامل على الكيان.

الجانب الرابع: إدارة التعقيد داخل الكيان القانوني

شركات المحاماة بطبيعتها بيئة عالية التعقيد بسبب تعدد القضايا واختلاف العملاء وتباين الأنظمة وضغط المواعيد، وكلها عناصر تجعل العمل عرضة للفوضى إذا لم تُدر بشكل منهجي.

والمشكلة أن هذا التعقيد يُدار غالباً بردود الفعل، وليس من خلال نظام واضح. وغالباً يتم حل المشكلات عند وقوعها دون بناء آليات تمنع تكرارها، ومع الوقت يتحول العمل إلى سلسلة من الأزمات الصغيرة التي تستهلك الوقت والطاقة.

والحل هو التعامل مع التعقيد كحالة طبيعية، وبناء أنظمة تقلل أثره؛ كتقسيم العمل وتوحيد الإجراءات وتحديد الأولويات، واستخدام أدوات متابعة واضحة وهكذا.

الجانب الخامس: العلاقة بين الإدارة والنمو

أيضاً كثير من الكيانات القانونية تعمل بكثافة لكنها لا تنمو فعلياً، والجهد يزيد وعدد القضايا يزيد لكن النتائج لا تعكس ذلك، وذلك لأن مفهوم النمو في عقلية المحامي «زيادة العمل»، بينما النمو الفعلي هو «تحسين النتائج مقابل الجهد».

وغياب الإدارة عادة يجعل كل زيادة في العمل تتحول إلى ضغط إضافي وليس إلى تطور في الكيان، وهنا لا بد من ربط النمو بالإدارة، أي أن كل توسع يجب أن يقابله تطوير في الأنظمة والهيكل وآليات العمل.

ولو أرادت الشركة مضاعفة عدد القضايا دون تحسين طريقة إدارتها سيؤدي ذلك إلى نفس الإيرادات تقريباً مع ضعف وهشاشة أكبر، بينما تحسين طريقة العمل قد يضاعف النتائج دون زيادة كبيرة في الجهد والموارد.

الجانب السادس: الإدارة كنظام وليس كشخص

سبق وأن ذكرنا أنه من الأخطاء الجوهرية ربط الإدارة بشخص واحد كمدير أو شريك، إذ يجعل الكيان معتمداً على وجود هذا الشخص ويخلق نقطة ضعف خطيرة.

ويظهر هذا الضعف عند غياب هذا الشخص أو انشغاله، حيث تبدأ القرارات بالتعطل ويتراجع الأداء، ولذا لا بد من التركيز على بناء الإدارة كنظام وليس كفرد، بمعنى وضع سياسات وإجراءات وآليات واضحة «حوكمة» يمكن لأي شخص مؤهل العمل ضمنها، كوجود آلية واضحة لاعتماد القضايا أو تسعيرها تجعل العمل مستمراً حتى في غياب المدير، بدلاً من توقف كل قرار بانتظاره.

ولمن يتخوف، فإن هذا لا يلغي دور المدير بل يحوله من «مُشغّل» إلى «موجّه».

الجانب السابع: مخرجات الإدارة الناجحة

إدارة شركات المحاماة لا تُقاس بعدد الاجتماعات أو حجم المتابعة، بل بنتائجها الفعلية على الكيان.

والإدارة الناجحة تظهر في استقرار العمل ووضوح الأدوار وجودة الخدمة والقدرة على التنبؤ وقابلية التوسع وربط كل جهد إداري بمخرج واضح، والتأكد من أن الإدارة تضيف قيمة حقيقية للعمل، لا مجرد تعقيد إضافي وهكذا.

كل ما سبق تقديمه يستوفي الجانب البسيط لإدارة شركات المحاماة، وإن كان هناك جوانب تتطلب عمقاً أكثر للشركات المهنية الكبرى، إلا أنها جميعاً تشترك في أن الإدارة ليست وظيفة تنظيمية، بل هي البنية التي يقوم عليها الكيان بالكامل.

وكلما كانت هذه الإدارة أوضح وأكثر نضجاً، كلما تحول العمل من جهد يومي مرهق إلى نظام مستقر قابل للنمو، والفارق الحقيقي لا يصنعه عدد القضايا ولا حجم الفريق، بل القدرة على إدارة هذا التعقيد بكفاءة واتزان تضمن الاستمرار والاستقرار.

للملاحظات والمقترحات:
bisher.sa@gmail.com

د. بشر

دكتوراه في القانون والأنظمة… يعلن الدكتور بشر بأنّه هدفه من خلال هذه المساهمات هو تقديم قراءات تحليلية معمقة في الشأن القانوني والاستشاري، بما يخدم شريحة المحامين والمستشارين والمهتمين.

اقرأ أيضاً: مامعنى “شركة محاماة”؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى