ماذا تعني أول زيارة مرتقبة لـ أردوغان إلى سوريا بعد التحرير؟

الكاتب: أحمد علي
لم تُحدَّد زيارة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان Recep Tayyip Erdoğan إلى دمشق حتى الآن، لكن احتمالها عاد إلى الواجهة بقوة. السفير التركي في سوريا نوح يلماز Nuh Yılmaz قال في 15 آب إن الزيارة ما تزال «تطلعاً»، وإن اتصالات كانت مخططة سابقاً أُرجئت بسبب تطورات المنطقة، معرباً عن أمله في أن يصل أردوغان إلى دمشق قبل نهاية 2026. هذا التفصيل يضبط معنى «الزيارة المرتقبة» قبل الدخول في دلالاتها، فالموجود حالياً رغبة سياسية معلنة لا موعد رئاسي رسمي.
إذا تحولت الرغبة إلى زيارة، ستكون الأولى لأردوغان إلى سوريا بعد سقوط سلطة بشار الأسد في كانون الأول 2024، وستأتي بعد مسار سريع نقل العلاقة من خصومة مفتوحة امتدت أكثر من عقد إلى شراكة أمنية واقتصادية وثيقة مع السلطة الجديدة. الرئيس أحمد الشرع دعا أردوغان إلى زيارة سوريا خلال لقائهما في أنقرة في شباط 2025. ومنذ ذلك الوقت توسعت العلاقة إلى تدريب عسكري وتعاون حدودي ومصرفي وتجاري، حتى أصبح السؤال المتعلق بالزيارة يدور حول ما الذي ستثبته سياسياً بعد أن أصبحت قنوات التعاون قائمة قبلها.
زيارة أردوغان إلى سوريا وحدود الرمز
تحمل دمشق رمزية خاصة في تاريخ علاقة أردوغان بسوريا. قبل 2011 كان البلدان قد انتقلا إلى مستوى «مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى»، وترأس أردوغان، حين كان رئيساً للوزراء، اجتماعات مشتركة في دمشق، كما التقى الأسد هناك في 2010. ثم انقلب المسار مع الانتفاضة السورية، وقطعت أنقرة علاقاتها مع حكومة الأسد ودعمت قوى معارضة وأبقت قوات داخل شمال سوريا. طوال السنوات الأخيرة من حكم الأسد حاول الطرفان فتح باب تطبيع، لكن دمشق اشترطت معالجة الوجود العسكري التركي ولم تصل المحاولات إلى لقاء بين الرئيسين.
لهذا تختلف زيارة ما بعد الأسد عن استئناف علاقة قديمة. أنقرة لا تعود إلى الحكومة التي خاصمتها، بل تتعامل مع قيادة كانت أقرب سياسياً وعسكرياً إلى البيئة التي دعمتها تركيا خلال الحرب. الصورة التي تحدث عنها السفير التركي، أردوغان والشرع معاً في الجامع الأموي، ستكون رسالة رمزية إلى الداخل السوري والتركي وإلى دول المنطقة بأن مرحلة القطيعة انتهت. لكنها لا تحدد وحدها طبيعة العلاقة بين دولتين يختلف وزنهما الاقتصادي والعسكري بشدة.
تحتاج دمشق إلى الاعتراف والاستثمار وإعادة تشغيل الاقتصاد، فيما تملك تركيا أطول حدود برية معها وشبكة شركات ومصارف وممرات تجارة وقوة عسكرية موجودة في الشمال. هذا يمنح أنقرة نفوذاً عملياً لا يحتاج إلى زيارة رئاسية كي يظهر. لذلك ستكون قيمة الزيارة بالنسبة إلى سوريا مرتبطة بقدرتها على تحويل النفوذ التركي إلى اتفاقات مؤسسية واضحة بين دولتين، بدلاً من إبقائه خليطاً من ترتيبات عسكرية وتجارية نشأت في ظروف الحرب.
الرمز يكتسب معنى إضافياً لأن أردوغان كان قد لوح في 2024 بإمكان لقاء الأسد لاستعادة العلاقات، فيما رد الأسد بأن اللقاء يحتاج إلى معالجة أسباب الخلاف وعلى رأسها الوجود التركي. سقوط السلطة السابقة جعل تلك المعادلة بلا نتيجة نهائية. زيارة أردوغان للقيادة الجديدة ستغلق عملياً صفحة المسار الذي كان يبحث عن مصالحة مع الأسد، وتعلن أن مركز العلاقة التركية السورية أصبح في دمشق الجديدة لا في تفاهم مع النظام الذي سقط.
الأمن قبل البروتوكول
أكثر ملفات الزيارة حساسية سيبقى الأمن. تركيا قدمت تدريباً ومشورة للجيش السوري الجديد، ووسعت الاتصالات العسكرية، وأعلن مسؤولون أتراك استعدادهم لتلبية احتياجات التدريب والتجهيز واللوجستيات. كما دخل طلاب عسكريون سوريون إلى أكاديميات تركية، واستخدمت ترتيبات تدريبية داخل منشآت تركية. هذه العلاقة تستطيع مساعدة دمشق على إعادة بناء مؤسسة عسكرية بعد سنوات الانقسام، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤال القرار الوطني وحجم الاعتماد على جار واحد.
ملف «قسد» يقع في قلب الحساب التركي. أنقرة ترى وحدات حماية الشعب امتداداً لحزب العمال الكردستاني، وتصر على إنهاء بنيتها العسكرية المستقلة. السفير يلماز قال إن بلاده تتابع مسار دمج «قسد» في الدولة السورية وإن إنهاء وجود التنظيمات التي تصنفها تركيا إرهابية ضروري لوحدة سوريا. دمشق بدورها تريد توحيد السلاح والمؤسسات، لكن طريقة الدمج وتوزيع السلطات والحقوق في الشمال الشرقي تبقى شأناً سورياً له أبعاد محلية ودولية تتجاوز الموقف التركي.
إذا جاءت الزيارة بعد تقدم ملموس في اتفاق الدمج، تستطيع أن تظهر كتتويج لتقارب أمني. أما إذا بقي الملف متعثراً، فقد تتحول إلى مناسبة لزيادة الضغط التركي، وهو ما يغير قراءتها داخل سوريا. الفرق بين دعم الدولة السورية وبين توجيه خياراتها سيظهر في التفاصيل، وخصوصاً في شكل الوجود العسكري التركي ومستقبله، وترتيبات الحدود، ومدى انتقال الملفات التي كانت تدار أمنياً خلال الحرب إلى اتفاقات معلنة بين المؤسسات الرسمية.
تركيا تقول إن أربع مشكلات حدودية رئيسية تراجعت بعد تغيير السلطة، وهي تهريب البشر والمخدرات والهجرة غير المنضبطة والإرهاب. هذه قراءة تركية ينبغي نسبها إلى صاحبها، لأن نشاط التهريب ومخاطر الجماعات المسلحة لم يختفيا بالكامل من الإقليم. لكن تحسن التنسيق الحدودي وفتح المعابر تدريجياً يمنح الزيارة ملفاً عملياً يمكن أن يتقدم من خلاله الطرفان، وهو تحويل الحدود من خط عسكري وأمني إلى ممر تجارة وتنقل يخضع لإدارة مشتركة واضحة.
اقتصاد غير متكافئ
الاقتصاد هو المجال الذي أصبحت فيه العلاقة أسرع من البروتوكول. حجم التجارة الثنائية بلغ نحو 3.75 مليارات دولار، وتقول أنقرة إن الهدف المتوسط هو الوصول إلى 10 مليارات. يجري بحث اتفاق تجارة حرة ومناطق صناعية مشتركة، وتعمل الجهات المعنية على فتح المعابر على طول الحدود التي تتجاوز 900 كيلومتر. كما بدأت المصارف المركزية والبنوك التجارية بناء قنوات كانت مقطوعة طوال سنوات العقوبات والعزلة.
هذه السرعة تقدم فوائد مباشرة لسوريا. السوق تحتاج إلى مواد بناء وآلات ومدخلات إنتاج، وتركيا تملك قرباً جغرافياً وقاعدة صناعية قادرة على التوريد بسرعة. الشركات التركية تنظر أيضاً إلى إعادة الإعمار والتصنيع والخدمات اللوجستية باعتبارها سوقاً جديدة. لكن ارتفاع التجارة لا يبين بمفرده ما إذا كانت العلاقة ترفع الإنتاج السوري أم تزيد الواردات التركية فقط. المعيار الأهم هو قدرة الشركات السورية على التصدير والتمويل والدخول في سلاسل القيمة لا الاكتفاء بشراء المنتج النهائي.
الزيارة الرئاسية، إذا تمت، قد تعطي دفعاً لاتفاقات مؤجلة مثل التجارة الحرة والمناطق الصناعية والبنية الحدودية. هنا تحتاج دمشق إلى التفاوض على فترات انتقال وقواعد منشأ وحماية من الإغراق ومشتريات محلية، لأن الصناعة السورية تعمل بطاقة أضعف وتمويل أصعب من نظيرتها التركية. فتح السوق بسرعة بين اقتصادين غير متكافئين يمكن أن يخفض الأسعار للمستهلك في بعض القطاعات ويضغط على المنتج المحلي في قطاعات أخرى.
هناك أيضاً ملف اللاجئين. تركيا استضافت ملايين السوريين طوال الحرب وتدفع باتجاه عودة من تصفها بالطوعية والآمنة. استقرار دمشق والخدمات وفرص العمل يحدد قدرة العائد على البقاء أكثر من أي إعلان سياسي. لذلك سيكون الربط بين زيارة أردوغان والعودة ذا معنى فقط إذا ترافق مع استثمار في الإسكان والعمل والخدمات، لا إذا اقتصر على ترتيبات حدودية تسهل الحركة إلى سوريا.
الزيارة المحتملة تعني قبل كل شيء أن العلاقة السورية التركية وصلت إلى مرحلة تحتاج إلى تعريف سياسي أعلى. التعاون العسكري قائم، التجارة تتوسع، المصارف والمعابر تعود، وأنقرة أصبحت أحد أكثر الفاعلين الخارجيين حضوراً في سوريا الجديدة. لقاء أردوغان والشرع في دمشق سيمنح هذا الواقع صورة رسمية، لكنه لن يحسم أسئلته. نجاح الشراكة سيقاس بقدرة سوريا على استخدام القرب التركي لإعادة بناء اقتصادها ومؤسساتها مع الحفاظ على تعدد شركائها وقرارها، وبقدرة تركيا على الانتقال من نفوذ الحرب إلى علاقة دولة بدولة. لهذا ستكون الزيارة مهمة، لكن ما يوقع بعدها أكثر أهمية من الصورة التي ستنتجها.
اقرأ أيضاً: أردوغان يضغط و«عبدي» يتحفظ.. ما عقبات «قسد» مع دمشق ومتى نشهد الدمج؟









