مؤسسات

ماذا تعرف عن هيئة الطاقة الذرية السورية وعملها؟

بقلم هلا يوسف

عندما يتم ذكر اسم الطاقة الذرية يذهب تفكير غالبية الناس مباشرة إلى المفاعلات النووية أو الأسلحة، لكن في الحقيقة للطاقة الذرية جانب خدمي طبي وحتى زراعي وبيئي لا يمكن نكرانه، ولا يمكن تجاهل دوره الأساسي. فعلاج مرضى السرطان، وتعقيم المستلزمات الطبية، وحفظ الأغذية، وتحسين المحاصيل الزراعية، وحتى حماية البيئة، كلها تدخل في تصنيعها الطاقة الذرية. لذلك في هذا المقال سنتعرف على “هيئة الطاقة الذرية” في سوريا، ونستكشف دورها الحيوي في العديد من المجالات، وواقعها الحالي.

تعيش “هيئة الطاقة الذرية” اليوم عهد جديد بعد التحرير، حيث تعيد طرح نفسها كمؤسسة علمية وبحثية تعمل في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، بعد سنوات طويلة من التكهنات والاتهامات بمحاولة استخدامها في جوانب غير سلمية. لذلك تعمل في هذه المرحلة في عدة اتجاهات، أولها التوجه نحو إعادة تأهيل مراكزها، ورفع كفاءة كوادرها، وثانيها الانفتاح الكامل على الهيئة الدولة للطاقة الذرية، مما يبعد البلد عن أي شبهات أو اتهامات.

من مؤسسة بحثية إلى جهة رقابية تخدم المجتمع

يعود تأسيس هيئة الطاقة الذرية السورية إلى عام 1976، لكن لم تباشر عملها بشكل نظامي إلا عام 1981 لتكون بذلك الجهة الحكومية المسؤولة عن كل ما يتعلق بالطاقة الذرية واستخداماتها السلمية في البلاد.

تتنوع أدوار الهيئة ومهامها، إذ لم يقتصر عملها على إجراء الأبحاث العلمية فقط، بل شمل أيضاً إعداد الكوادر المتخصصة في مختلف العلوم النووية، وإنشاء المخابر والمراكز البحثية، وتنفيذ الدراسات الأساسية والتطبيقية، بالإضافة إلى دعم الباحثين وتوفير الإمكانات اللازمة للأبحاث العلمية.

ومسؤولية التنقيب عن الخامات التي تدخل في مجالات الطاقة الذرية، والإشراف على معالجتها واستخدامها، وتنظيم استيراد وتصدير المواد المشعة، إلى جانب توفير وسائل الوقاية من الإشعاعات ومراقبة استخدامها بما يضمن سلامة العاملين والمواطنين، كلها تقع على عاتق “الهيئة الدولية للطاقة الذرية”.

أما على المستوى الدولي، فيقوم عملها على تمثيل سوريا في المنظمات والهيئات الدولية المختصة بالطاقة الذرية، ومتابعة كل ما يستجد في هذا المجال من تطورات علمية وتقنية، للمساعدة في نقل الخبرات والاستفادة من التجارب الدولية.

وكان من غير الممكن ترك كل هذه الأدوار بلا تخصص وتقسيم، فلذلك ضمت الهيئة مجموعة واسعة من الأقسام العلمية، من بينها الفيزياء، والكيمياء، والهندسة النووية، والطب الإشعاعي، والبيولوجيا الجزيئية، والجيولوجيا، والزراعة، وتكنولوجيا الإشعاع، والوقاية والأمان، والخدمات العلمية والفنية. ويعمل كل قسم في مجال محدد، لكن جميعها في النهاية تتكامل أدوارها لتشكل “هيئة الطاقة الذرية”، ولتصل إلى هدف واحد عنوانه “خدمة الإنسان والتنمية” عبر توظيف قدرات العلوم النووية.

أين نلمس استخدامات الطاقة الذرية في حياتنا؟

قد يعتقد البعض أن الطاقة الذرية ليس لها وجود في الحياة اليومية للناس، لكن الواقع يكشف عن تغلغلها في خدمات كثيرة، وبشكل مباشر، مثل الصحة والغذاء والزراعة والصناعة.

فمن أهم منشآت الهيئة محطة التشعيع التابعة لقسم تكنولوجيا الإشعاع، والتي تعتمد على مصدر الكوبالت-60 لإنتاج أشعة غاما المستخدمة في عمليات التشعيع والتعقيم وفق المعايير الدولية.

وفي المجال الغذائي، تساعد المحطة على خفض نسبة الجراثيم والكائنات الدقيقة الموجودة في الأغذية، وإطالة مدة صلاحيتها، ومكافحة الحشرات والآفات، مع الحفاظ على القيمة الغذائية للمنتجات، وهو ما يسهم في تقليل الفاقد الغذائي ورفع مستوى سلامة الأغذية.

أما في القطاع الصحي، فتستخدم المحطة لتعقيم المستلزمات الطبية والضمادات والحقائب الجراحية والأدوات الحساسة للحرارة، وهي عملية تتم دون استخدام أي مواد كيميائية، مع مراقبة دقيقة للجرعات الإشعاعية لضمان أعلى مستويات السلامة.

ولا تتوقف مساهمة الهيئة عند هذا الحد، إذ تؤدي دوراً مهماً في علاج وتشخيص مرضى السرطان من خلال تطبيقات الطب النووي، والعمل على إنتاج النظائر الطبية المشعة المستخدمة في التشخيص والعلاج.

وفي الزراعة، تستخدم التقنيات النووية لتحسين بعض المحاصيل الزراعية، ومكافحة الآفات، ودراسة التربة والموارد المائية، بما يساعد على رفع الإنتاج الزراعي وحماية البيئة.

أما في الصناعة، فتوفر الهيئة خدمات الاختبارات اللاإتلافية التي تسمح بفحص المنشآت والأنابيب والمعدات من دون إتلافها، الأمر الذي يساعد على اكتشاف العيوب مبكراً ورفع مستوى السلامة في المنشآت الصناعية. كما تشرف على ترخيص الأنشطة الإشعاعية، ومراقبة استخدام المواد المشعة، وإدارة النفايات المشعة الطبيعية، وتصنيع الدروع الرصاصية المستخدمة في الوقاية من الإشعاع.

بالإضافة إلى ذلك، تقوم الهيئة بمراقبة مستويات الإشعاع في مختلف القطاعات، والاستجابة لأي طارئ إشعاعي أو نووي، باعتبارها الجهة الرقابية الوحيدة المخولة بذلك في سوريا.

مرحلة جديدة… تحديات كبيرة وخطط للمستقبل

بعد التغيرات السياسية التي شهدتها سوريا، تعنل الهيئة على إعادة بناء صورتها بطريقة مؤسساتية قائمة على العلم، والأنشطة المقتصرة على التطبيقات السلمية للطاقة الذرية والرقابة النووية والإشعاعية.

ويقول رئيس الهيئة مضر العكلة إن المؤسسة ملتزمة بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية، وتعمل على توسيع التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والهيئة العربية للطاقة الذرية وبرامج التعاون الإقليمية، بهدف تطوير البحث العلمي والاستفادة من الخبرات العالمية.

وقد يخلط الناس بين الهيئة ومركز البحوث العلمية، وفي الحقيقة أن هناك اختلافاً كبيراً بينهما، إذ يوضح العكلة أن الهيئة عملها يتجاوز عمل مركز البحوث العلمية إلى الرقابة على جميع الأنشطة الإشعاعية في سوريا، ومنح التراخيص، ومراقبة حركة المواد المشعة، وإدارة مفاعل البحوث السوري “منسر”، والإشراف على منظومة الوقاية الإشعاعية على مستوى البلاد.

لكن الطريق أمام الهيئة ليس سهلاً، إذ تواجه عدداً من التحديات، أبرزها صعوبة استيراد الأجهزة المخبرية الحديثة والقطع التبديلية، بالإضافة إلى المشكلات اللوجستية المتعلقة بتأمين النظائر الطبية المشعة التي تمتلك أعماراً زمنية قصيرة، عدا عن القِدَم الذي أصاب الكثير من الأجهزة الموجودة في مرافق الهيئة.

وعلى الرغم من هذه التحديات، الهيئة وضعت مجموعة من الخطط لتفاديها وإصلاح وتطوير ما يمكن إصلاحه، ومن بين هذه الخطط إنشاء مركز لإنتاج النظائر الصيدلانية المشعة في شمال سوريا، للمساهمة في دعم القطاع الصحي، وتوفير المواد المستخدمة في علاج وتشخيص مرضى السرطان محلياً.

كما تعمل على إعادة تأهيل المخابر، وتحديث البنية التحتية، ورفع كفاءة الكوادر العلمية، وفتح مختبراتها أمام طلاب الجامعات والباحثين، وإطلاق برامج لزمالة ما بعد الدكتوراه، والإشراف على برامج دراسات عليا متخصصة، بالتزامن مع تطوير مركز التدريب، وإطلاق منصات للتعليم الإلكتروني، وتنظيم أيام علمية وبرامج صيفية لتعريف الطلاب بالتطبيقات السلمية للطاقة النووية.

وبسبب الجدل الذي رافق عمل هذه الهيئة خلال السنوات السابقة، والأدوار المختبئة داخل أقسامه، تخرج إشاعات مستمرة حوله، ومنها شائعات تسليم مفاعل البحوث السوري “منسر” أو التخلي عنه، إلا أن الهيئة نفت هذه المعلومات بشكل قاطع، مؤكدة أن المفاعل مخصص للأبحاث والتدريب والاستخدامات السلمية فقط، ويخضع منذ إنشائه لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وأوضحت أن ما يجري هو إجراء فني اعتيادي يتمثل في استبدال الوقود عالي التخصيب بوقود منخفض التخصيب بعد انتهاء عمره التشغيلي، وهو برنامج تنفذه دول عديدة حول العالم بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولا يعني بأي شكل نقل ملكية المفاعل أو التخلي عنه، بل يهدف إلى رفع مستويات الأمان وفتح آفاق أوسع للتعاون العلمي والتدريب.

باختصار، “هيئة الطاقة الذرية” تنفتح بشكل كبير على كل من يريد تطويرها، سواء من أيدي السوريين الطموحين، أو من أي جهة دولية قادرة على إمدادها بالمعدات والأدوات اللازمة لتطويرها. وعلى الرغم من جميع العقبات التي تواجهها، إلا أنها بدورها واعتمادها على قدراتها الموجودة تبعث برسالة أنها قادرة على المشاركة في إعادة الإعمار، لكن ضمن تخصصها وإمكانياتها المتوفرة، على أمل أن تلقى الدعم المناسب.

اقرأ أيضاً: اليورانيوم والمفاعل النووي السوري..حقيقة نفتها دمشق على مدار عقود

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى