ماذا تخبرنا عودة 23 قطعة أثرية لسوريا عن رحلتها؟

بقلم هلا يوسف
نجت 23 قطعة أثرية سورية من النهب بعدما كتب لها عمر جديد عقب استعارة فرنسا لعرضها في معرض ثقافي في باريس قبل اندلاع الثورة السورية. لتعود لأصحابها برفقة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. فالآثار لا يمكن اعتبارها مجرد تماثيل صامتة، بل قصص وحكايات خلفها الإنسان وراءه لتروي لنا تفاصيل حقبته الزمنية التي عاشها، ولنتعرف عبرها على حضارات سكنت أرضنا، ورسمت تاريخ بلادنا.
رحلة طويلة من سوريا إلى باريس ثم العودة إلى الوطن
استعادت المديرية العامة للآثار والمتاحف 23 قطعة أثرية كانت محفوظة في معهد العالم العربي في باريس، بعد أن تم استعارتها قبل نحو 15 عاماً للمشاركة في العرض الدائم الذي يروي تاريخ الحضارة العربية، إلى جانب قطع أثرية أخرى من مختلف الدول العربية.
وكان من المفترض أن تعود هذه القطع إلى سوريا عام 2014، لكن الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد لم تسمح بذلك. فقد أدت الحرب وتراجع مستوى الأمان في عدد من المناطق إلى تأجيل عملية الإعادة، كما رأت السلطات الفرنسية في ذلك الوقت أن ظروف الحفظ داخل سوريا لم تكن مناسبة لاستقبال هذه المقتنيات.
وبقيت القطع محفوظة في معهد العالم العربي طوال هذه السنوات، إلى أن توفرت الظروف المناسبة لإعادتها. وجاءت هذه الخطوة بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، حيث وصلت القطع على متن الطائرة الرئاسية الفرنسية التي كانت تنقل الرئيس الفرنسي والوفد المرافق له.
وقد عبرت الحكومة السورية عن امتنانها للتعاون الفرنسي في إنجاز عملية الإعادة، معتبرة أن هذه الخطوة تمثل بداية لمسار أوسع يهدف إلى استعادة المزيد من الآثار السورية الموجودة خارج البلاد، والحفاظ على الإرث الثقافي الذي يمثل جزءاً أساسياً من هوية سوريا وتاريخها.
قطع تحكي قصة حضارات متعاقبة على أرض سوريا
إذا نظرنا للمجموعة المستعادة، نلاحظ وكأنها كتاب مفتوح يحكي لنا تاريخ سوريا منذ آلاف السنين. فالقطع لا تنتمي إلى فترة واحدة، بل تمتد من العصر الحجري الحديث حتى العصور الإسلامية المتأخرة، مروراً بالحضارات السورية القديمة والعصور الرومانية والبيزنطية.
ومن بين أقدم القطع التي عادت إلى سوريا تمثال “الأم الكبرى” من تل أسود، الذي يعود إلى ما يقارب 7500–7000 قبل الميلاد، وهو شاهد على وجود مجتمعات بشرية مبكرة عرفت الاستقرار وصناعة الرموز الفنية في المنطقة.
كما تضم المجموعة تمثالاً صغيراً للإله “إيل” من حضارة أوغاريت يعود إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وتمثال الملك “إيشجي-ماري” من مدينة ماري، الذي يعود إلى نحو 2500 قبل الميلاد، ويعد من القطع المهمة التي تعكس تطور فن النحت في سوريا القديمة.
وتشمل القطع أيضاً منحوتة بارزة تمثل الآلهة السورية من مدينة دورا أوروبوس، بالإضافة إلى آثار تحمل كتابات قديمة، منها قطعة صفائية من منطقة الصفا تعود إلى القرنين الثاني والثالث الميلاديين، وهي تقدم لمحة عن إحدى الحضارات التي ازدهرت في جنوب سوريا.
ولا تقتصر المجموعة على الحضارات القديمة فقط، بل تضم أيضاً آثاراً من التراث المسيحي البيزنطي، مثل تاج عمود مزين بصليب من مدينة حمص يعود إلى القرنين الخامس والسادس الميلاديين، وتميمة فخارية مرتبطة بذكرى مار سمعان العمودي.
تدمر والرقة ودمشق حاضرة في المجموعة المستعادة
تأتي آثار مدينة تدمر في المرتبة الأولى للآثار المستعادة، حيث تضم المجموعة عدداً كبيراً من الآثار التدمرية التي تعكس أهمية هذه المدينة التي كانت يوماً واحدة من أبرز مراكز الحضارة والتجارة في المنطقة.
ومن بين هذه القطع لوحة للإله يرحيبول وهو يحمل سيفاً ورمحاً، وصور جنائزية تصور سكان تدمر، وتمثال نصفي لامرأة مع طفل، ولوحات تصور مشاهد من الحياة اليومية مثل رحلات الصيد واستخدام الجمال في التنقل.
كما تضم المجموعة لوحة تظهر كاهناً يحمل مبخرة أمام الإله أرسو الراكب على ظهر جمل، وتمثالاً للإلهة اللات راكبة على جمل، إلى جانب نقوش وكتابات باللغة التدمرية تعود إلى القرون الأولى الميلادية.
أما من العصر الإسلامي، فتحمل القطع العائدة قصصاً أخرى عن مراحل ازدهار المدن السورية. فهناك جزء من فسيفساء الجامع الأموي الكبير في دمشق يعود إلى عام 710 ميلادية، وأجزاء من جداريات قصر الحير الغربي في بادية الشام، ولوحة عباسية مزينة بعناقيد العنب من الرقة.
كما تضم المجموعة لوحة خشبية منحوتة من قلعة جعبر تعود إلى القرنين التاسع والعاشر الميلاديين، وعنصراً زخرفياً رخامياً يحمل شعاراً مملوكياً يعود إلى القرن الخامس عشر، بالإضافة إلى حشوة باب مزينة بنقوش نباتية من القلعة نفسها.
عودة الآثار ليست نهاية الطريق بل بداية جديدة
تحمل عودة هذه القطع الأثرية معنى أكبر من كونها نُقلت من مكان لآخر، لأنها تعد خطوة لإعادة جمع شتات التراث السوري المنتشر في أنحاء العالم بعد تعرضها للنهب والتهريب والدمار خلال سنوات الحرب. لذلك تؤكد الجهات المعنية على استمرار العمل حتى استعادة كل القطع الأثرية المفقودة.
بينما تستمر أعمال ترميم المواقع والقطع الأثرية المتضررة في المواقع الأثرية داخل سوريا، ومن بينها مشاريع تخص مدينة تدمر وكنيس دورا أوروبوس، بهدف حماية ما تبقى من هذا الإرث الحضاري وإعادته إلى الحياة.
وفي النهاية، إن عودة القطع الأثرية تخبرنا أن التاريخ لا يمكن دثره مهما طال الزمن، وسوريا باقية بحضارتها وتاريخها مهما تعرضت للنهب والدمار، لتكون رسالة أجدادنا مستمرة التي عنوانها “الحفاظ على ذاكرة المكان واجبة”.
اقرأ أيضاً: الآثار في إدلب… تاريخ يواجه خطر الضياع









