ماذا تبقّى من الصناعة في حلب اليوم؟

الكاتب: أحمد علي
يستيقظ اسم حلب كلما ذُكرت الحِرَف، كأن المدينة ما زالت تُمسك بخيط يربط الأسواق بالمعامل، غير أن هذا الخيط لم يعد مشدوداً كما كان، فسنوات العنف والتهجير والانقطاع تركت فراغات واسعة في الجسد الاقتصادي. وبين ورشة تعود إلى العمل بحذر، ومصنع يختبر جدوى الاستمرار، وأسواق تتبدّل فيها الأسعار بسرعة، يبرز سؤال يخص الناس أكثر مما يخص الأرقام، ما الذي بقي فعلاً من قلب صناعي كان يوصف يوماً بأنه محرّك سوريا.
الصناعة في حلب الآن
الصورة الراهنة ليست انطفاءً كاملاً ولا تعافياً مكتملاً، بل مزيج من عودة جزئية وتراجع في قطاعات، وتحوّل في أنماط التشغيل. في المدينة الصناعية بالشيخ نجّار، تتحدث تقارير محلية عن عودة أكثر من 960 منشأة إلى العمل ضمن أرقام نُسبت إلى محافظة حلب، وتربط ذلك بزيادة فرص العمل وتحريك الإنتاج، مع بقاء الحاجة قائمة إلى ترميم البنية التحتية وتحسين الخدمات.
يقدّم هذا الرقم دليلاً على وجود نبض اقتصادي، لكنه لا يختزل المشهد، فحلب الصناعية تاريخياً شبكة واسعة من مناطق وورش صغيرة ومتوسطة، وقدرة كل جزء منها على العودة ترتبط برأس المال المتاح، وبالعلاقة مع الأسواق، وبإمكانية الحصول على مواد أولية وممرات نقل. لذلك تبدو الصناعة في حلب أمام اختبار مزدوج، كيف تستعيد إنتاجاً قادراً على المنافسة، وكيف تحافظ على الخبرة واليد العاملة وسط هجرة طويلة وتقلّب في فرص العمل. وتقديرات أوردها تقرير بحثي تحدثت عن تراجع الإنتاج الصناعي في سوريا إلى ربع مستوى 2010، وهو ما يضيّق خيارات التمويل ويجعل استعادة سلاسل التوريد أبطأ.
طاقة مكلفة وإنتاج متقطع
أكثر ما يتكرر على ألسنة الصناعيين هو أن الطاقة ليست بنداً في فاتورة الإنتاج، بل هي ما يحدد إن كان المصنع سيعمل أصلاً. والمعطيات عن أزمة الكهرباء في سوريا هي بشكل واضح تراجع كبير في الإمداد منذ 2011 بفعل تضرر البنية التحتية وصعوبات تأمين الوقود، وساعات التغذية هبطت في فترات إلى نطاق ضيق وصل إلى بضع ساعات يومياً.
وتعكس مطالب غرف الصناعة ما تعتبره أولوية إسعافية، إذ نُقل عن اجتماع لصناعيي حلب تأكيدهم ضرورة التخفيض العاجل لسعر الكهرباء وحوامل الطاقة لتمكين المعامل من مواصلة العمل، مع الحديث عن رسوم إضافية على فاتورة الكهرباء الصناعية قُدّرت بنحو 22% من قيمة الفاتورة.
في المقابل تُسجَّل محاولات لتحسين الإمداد، منها تجربة تزويد دمشق بالكهرباء المتواصلة لمدة 48 ساعة وارتفاع الإنتاج إلى نحو 2400 ميغاواط وفق التصريحات الرسمية، مع تأكيد أن التقنين لن ينتهي سريعاً وأن استمرار التغذية مرتبط بتأمين الغاز والفيول بالكميات المطلوبة.
بالنسبة لورش حلب، يتحول ذلك إلى قرارات يومية، تشغيل في ساعات محددة، تقليص خطوط إنتاج، أو الاعتماد على مولدات مكلفة، وفي النهاية ترتفع كلفة الوحدة المنتَجة فتضيق الهوامش ويزداد الضغط على العمالة الماهرة.
شمس على أسطح المعامل
أمام هذا الاختناق، اتجه كثيرون إلى حلول لامركزية، خصوصاً الطاقة الشمسية، وترى قراءة تحليلية أن ارتفاع الأسعار وعدم موثوقية الإمداد دفعا الأسر والقطاع الخاص إلى البحث عن استقلال طاقي، وتلفت إلى أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة في الطاقة المتجددة تبدو أكثر قابلية للتحقق من المشروعات الضخمة في ظل الظروف الراهنة.
وتورد القراءة نفسها مثال محطة كهروضوئية في مدينة الشيخ نجّار الصناعية بقدرة 33 ميغاواط، بوصفها محاولة لدمج الطاقة المتجددة في بيئة إنتاجية.
لكن هذا المسار لا يلغي العقبات، فتركيب المنظومات يحتاج إلى تمويل أولي وسوق صيانة مستقرة، وقد تكتفي ورش صغيرة بحلول جزئية لا تكفي لتشغيل آلات ثقيلة، ومع ذلك فإن تقليل ساعات التوقف يمنح المصانع هامشاً للتخطيط ويخفف الاعتماد على الوقود.
الاستيراد يضغط على السوق
إذا كانت الطاقة تعيد تشكيل كلفة الإنتاج، فإن الاستيراد يعيد تشكيل السوق الذي تُباع فيه السلع. وتتحدث الوقائع عن ضغط على الصناعة المحلية بسبب تدفق بضائع مستوردة أكثر تنوعاً وأقل سعراً، وتربط ذلك بارتفاع كلفة الإنتاج محلياً وضعف الدعم المؤسسي، مع الإشارة إلى أن تخفيف بعض القيود والإجراءات منح الصناعات التي تعتمد على مدخلات مستوردة منفذاً مهماً، لكنه في الوقت نفسه وسّع المنافسة أمام المنتج المحلي.
في حلب، يبرز هذا التوتر في قطاعات حساسة مثل الألبسة، حيث تُنقل عن صناعيين مخاوف من موجات بضائع رخيصة أو فائض مخزون مستورد يقوّض القدرة على المنافسة ويهدد فرص العمل، وهي قراءة يقدّمها بعض ممثلي القطاع بوصفها نتيجة مباشرة لفارق الكلفة بين المنتج المحلي والمستورد.
وعلى مستوى السياسات، صدرت تعرفة جمركية جديدة في 11 كانون الثاني 2025 شملت نحو 6000 سلعة، وأشارت تقديرات رسمية إلى خفض الرسوم بنحو 50 إلى 60% مقارنة بالسابق، مع تحذيرات مقابلة من أن أثر ذلك على المنافسة والإيرادات والأسعار سيحتاج وقتاً ليتضح، وأن تقلبات سعر الصرف قد تنعكس مباشرة على كلفة الإنتاج.
وبين من يرى في خفض الرسوم فرصة لخفض تكلفة المواد الأولية، ومن يراه بوابة لزيادة السلع الجاهزة، يبقى معيار الحكم في الصناعة في حلب مرتبطاً بالنتيجة على الأرض، هل ستنخفض الكلفة بما يسمح بالاستمرار، أم ستتآكل القدرة على البيع داخل سوق شديد الحساسية للسعر.
بين التعافي ومفترق الخيارات
لا يكتمل الحديث عن حلب الصناعية دون الاعتراف بأن الحلول لا تأتي من مسار واحد، فالطاقة تحتاج إلى استثمارات وإدارة تشغيلية، والتجارة تحتاج إلى قواعد تضبط الإغراق والتهريب دون أن تغلق السوق كلياً، والعمل يحتاج إلى تدريب وحماية اجتماعية. وعلى الصعيد الخارجي، عُلقّت بعض القيود في قطاعات الطاقة والنقل وخففت قيود مصرفية مرتبطة بهما لتسهيل التعاملات اللازمة للتعافي وإعادة الإعمار.
أما في الداخل فتبدو مطالب الصناعيين في حلب متقاربة، كهرباء أقل كلفة وأكثر استقراراً، ضبط للمعابر ومكافحة للتهريب، ومراجعة للتعرفة بما يوازن بين حماية المنتج المحلي وحق المستهلك في سعر معقول.
وعلى مستوى الورش، يظهر أن البقاء يرتبط بالقدرة على الابتكار في التفاصيل، تحسين الجودة لتبرير السعر، ترشيد الطاقة، والتعاون بين منشآت متجاورة لتقاسم النقل والصيانة، بحيث تبقى الصناعة في حلب فعلاً يومياً لا حنيناً إلى الماضي.
اقرأ أيضاً: تركيا في أحداث حلب: هدفاً أم فاعلاً في الاستهداف؟









