مؤشرات الأداء في شركات المحاماة: هل تقيس ما ينجح أم ما يسهل قياسه؟

د. بشر ياقتي – مؤشرات الأداء في شركات المحاماة: هل تقيس ما ينجح أم ما يسهل قياسه؟
من الأخطاء التي تقع فيها كثير من شركات المحاماة أنها تظن أنها تُدير أعمالها، بينما هي في الواقع تُدير انطباعاتها عنها، فالشريك يشعر أن القضايا ازدادت، ومدير الإدارة يرى أن العمل يسير بصورة جيدة، والمحامون يؤكدون أنهم يعملون تحت ضغط، والموظفون يعتقدون أن الإنجاز في أعلى مستوياته، لكن عندما يُسأل الجميع عن الدليل، تكون الإجابة غالباً مبنية على الشعور لا على القياس. تالياً سيشرح الدكتور ياقتي بشكل حصري لسوريا اليوم24 بشكل موسع عن الأمر.
ولهذا لا يمكن الحديث عن إدارة حقيقية دون الحديث عن مؤشرات الأداء، لأن ما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراقب لا يمكن معرفة إن كان يتقدم أم يتراجع. غير أن الإشكالية لا تكمن في غياب المؤشرات فقط، بل في اختيار المؤشرات الخاطئة؛ فليس كل رقم يستحق أن يُراقب، وليس كل ما يمكن قياسه يعكس حقيقة الأداء.
ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن تُقاس إنتاجية المحامي بعدد القضايا التي يعمل عليها، وكأن القضية الواحدة تشبه الأخرى. فقد يُنهي أحد المحامين عشرين مطالبة مالية بسيطة خلال شهر، بينما ينشغل آخر بقضية استحواذ تستغرق أسابيع من الدراسة والتفاوض والصياغة، ولو اكتفينا بعدد الملفات لظلمنا الثاني، وربما كافأنا الأول دون أن يكون قد قدم قيمة أعلى للشركة أو للعميل.
ولهذا فإن المؤشر الجيد لا يقيس حجم الحركة، بل يقيس قيمة الأثر. فليس السؤال: كم قضية أنجزنا؟ وإنما: ماذا حقق هذا الإنجاز؟ وهل انعكس على جودة الخدمة وربحية الشركة ورضا العميل واستقرار الفريق؟
ومن المظاهر التي تتكرر أيضاً أن تحتفل بعض الشركات بزيادة عدد العملاء كل عام، بينما لا تنتبه إلى أن نسبة كبيرة منهم لا تعود مرة أخرى بعد انتهاء أعمالها، وهنا يصبح عدد العملاء مؤشراً مضللاً، لأن الأهم ليس عدد من دخل إلى الشركة، بل عدد من وثق بها بما يكفي ليعود إليها مرة أخرى أو يوصي بها غيره.
وفي المقابل قد تجد شركة لا تستقبل أعداداً كبيرة من العملاء، لكنها تحتفظ بمعظمهم لسنوات طويلة، لأن العلاقة لم تُبنَ على قضية عابرة، بل على ثقة متراكمة. وفي مثل هذه الحالة يكون مؤشر الاحتفاظ بالعملاء أكثر قيمة من مؤشر استقطابهم، لأنه يعكس جودة التجربة لا كثافة التسويق.
ولا يختلف الأمر كثيراً داخل الفريق القانوني؛ فكثير من الإدارات تربط الأداء بعدد ساعات الحضور أو البقاء في المكتب، بينما قد يقضي أحد المحامين عشر ساعات في إنجاز ما يستطيع غيره إنجازه في خمس ساعات بتركيز أعلى وجودة أفضل، ولذلك فإن ربط الكفاءة بالوقت وحده قد يدفع بعض الموظفين إلى الاهتمام بإظهار الانشغال أكثر من الاهتمام بتحقيق النتائج.
ومن المؤشرات التي تغفل عنها كثير من شركات المحاماة معدل إعادة العمل على الملفات؛ فحين تعود المذكرة القانونية أكثر من مرة بسبب ضعف الصياغة، أو يحتاج العقد إلى مراجعات متكررة بسبب أخطاء يمكن تجنبها، فإن المشكلة لا تكمن في عدد الساعات المبذولة، بل في جودة المخرج من أول مرة. وهذا المؤشر يكشف مستوى الإتقان أكثر مما تكشفه أرقام الإنجاز وحدها.
كما أن بعض الشركات تنظر إلى الإيرادات باعتبارها المؤشر الأهم، مع أن الإيراد قد يرتفع في سنة معينة نتيجة قضية استثنائية أو صفقة كبيرة، بينما تكون الربحية الحقيقية في تراجع بسبب ارتفاع المصروفات أو سوء توزيع الموارد. ولذلك فإن الإيرادات تخبرك كم دخل إلى الشركة، أما الربحية فتخبرك ماذا بقي فيها.
ومن المؤشرات التي أرى أنها تكشف نضج الشركة أكثر من غيرها سرعة اتخاذ القرار، فهناك شركات تستغرق أياماً لاعتماد عرض أتعاب أو توزيع قضية أو معالجة شكوى عميل، ليس لصعوبة القرار، بل لأن القرار يمر بسلسلة طويلة من الموافقات، ومع مرور الوقت لا يخسر الكيان الوقت فقط، بل يخسر الفرص أيضاً، لأن السوق لا ينتظر الشركات البطيئة.
وفي تقديري فإن الشركة القانونية الناضجة لا تحتاج إلى عشرات المؤشرات المعقدة، بل إلى عدد محدود من المؤشرات الصحيحة التي تُراجع بانتظام ويُبنى عليها القرار، لأن كثرة الأرقام قد تربك الإدارة أكثر مما تساعدها، بينما المؤشر الجيد هو الذي يدفعك إلى اتخاذ إجراء واضح عند تغيره، لا أن يبقى مجرد رقم في تقرير شهري.
وفي المحصلة، فإن مؤشرات الأداء ليست جداول تُعرض في الاجتماعات ولا رسوماً بيانية تُحفظ في الملفات، بل هي لغة الإدارة التي تكشف الواقع كما هو لا كما نحب أن نراه.
والشركة التي تبني قراراتها على القياس الصحيح تستطيع أن تكتشف الخلل وهو ما يزال صغيراً، أما التي تكتفي بالانطباعات فإنها غالباً لا تلاحظ المشكلة إلا بعد أن تصبح جزءاً من واقعها.
اقرأ أيضاً: إلى ما بعد روسيا.. دمشق تعيد رسم خريطة الطاقة؟!








