مؤتمر دولي لإعمار سوريا… الأمم المتحدة تبحث حشد التمويل

أحمد علي
يحتاج البيت إلى أكثر من جدار كي يعود بيتاً، يحتاج ماءً يصل إلى الحنفية، ومدرسةً يذهب إليها الأطفال، وعملاً يدفع كلفة البقاء. وبين صورة الأبنية المهدمة وحياة أصحابها، تتسع المسافة التي ينبغي لأي حديث عن إعمار سوريا أن يقطعها، قبل أن يتحول المال الموعود إلى استقرار يمكن للناس لمسه.
أعادت الأمم المتحدة هذا السؤال إلى الواجهة. ففي مقابلة مع أخبار الأمم المتحدة نقلتها سانا في 2 تشرين الأول 2026، قال نائب المبعوث الخاص إلى سوريا، كلاوديو كوردوني، إن المنظمة ستبحث مع الحكومة إمكانية عقد مؤتمر دولي للتعافي وإعادة الإعمار. هذا هو الخبر المثبت، بحث إمكانية المؤتمر. وحتى 3 تشرين الأول، لم أعثر على إعلان يحدد موعداً ومكاناً أو تعهدات مالية مرتبطة به.
قبل جمع الأموال، تحديد ما سيُبنى
دعا كوردوني إلى ترجمة الدعم السياسي لسوريا إلى مساعدة عملية. لكن الانتقال من التأييد إلى التمويل يفتح أسئلة لا تحسمها الدعوة وحدها. ما المشاريع التي ستتقدم؟ ومن يحدد حاجات المناطق؟ وهل يأتي المال منحاً، أم قروضاً تستحق لاحقاً، أم استثمارات تنتظر عائداً؟ لكل صيغة كلفتها وشروطها.
توضح أرقام البنك الدولي حجم المسألة، وحدود الأرقام نفسها. فقد قدّر في تشرين الأول 2025 الأضرار المادية المباشرة بين عامي 2011 و2024 بنحو 108 مليارات دولار، بينما وضع تقديراً مركزياً محافظاً لإعادة بناء الأصول المتضررة عند 216 ملياراً، ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 ملياراً. الرقم الأول يقيس الضرر، والثاني كلفة إعادة البناء المقدرة؛ لذلك لا يتناقضان، ولا يمثل أي منهما تمويلاً متاحاً.
ثم إن تقييم الأصول المادية لا يختصر الخسارة السورية. استعادة قدرة مدرسة على التعليم أو أسرة على العيش تحتاج موظفين ودخلاً وخدمات مستمرة، بعد انتهاء أعمال البناء.
العودة تحتاج أسباباً للبقاء
تنبّه دراسة للجنة الإنقاذ الدولية، منشورة في 6 تموز 2026 عبر منصة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، إلى هشاشة العودة حين تسبق استعادة السكن والخدمات وفرص الرزق. واستندت إلى مسح شمل 425 عائداً، ومقابلات ونقاشات في سبع محافظات. إنها شهادة بحثية على عوائق محددة، وليست تعداداً وطنياً لكل العائدين.
لهذا يصعب فصل الإعمار عن العمل. ويرى تحليل لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، نُشر في شباط 2026، أن المستثمرين المحليين والمشروعات الصغيرة والمتوسطة يستطيعون أداء دور مبكر في التعافي، إذا تحسنت قواعد الترخيص والوصول إلى التمويل ووضوح الإجراءات. وهذه قراءة لمسار ممكن، لا ضمانة لتدفق الاستثمارات.
قد يكون ترميم ورشة وإعادة الكهرباء إليها أقل حضوراً في الصور من افتتاح مشروع ضخم، لكنه يضع دخلاً في يد أسرة. هنا ينبغي أن تدخل كلفة خلق الوظائف واستمرارها في ترتيب الأولويات، إلى جانب كلفة الإنشاء.
تمويل له عنوان، وأثر يحتاج متابعة
توجد أمثلة على تمويل محدد يمكن البناء عليه. ففي حزيران 2025 أعلن البنك الدولي منحة بقيمة 146 مليون دولار لتحسين إمدادات الكهرباء، تشمل إصلاح خطوط نقل ومحطات تحويل ودعم قدرات القطاع. إقرار المنحة واقعة، أما مقدار ما صُرف وأُنجز فيحتاج متابعة التنفيذ؛ فلا يصح تحويل موافقة التمويل إلى إعلان اكتمال الخدمة.
وفي 7 أيلول 2026 أُطلق مشروع للتمكين الاقتصادي للنساء الريفيات، بتمويل سعودي عبر مركز الملك سلمان وبمشاركة جهات سورية والبرنامج الإنمائي، ضمن مبادرة بذرة. يجمع النهج المعلن بين أدوات الإنتاج والمهارات والوصول إلى الأسواق. المثال يوسّع معنى الإعمار ليشمل قدرة الناس على الكسب، مع بقاء النتائج الفعلية رهناً بالتنفيذ.
غير أن كثرة الجهات والمبادرات تجعل نشر الحسابات ضرورة. يحتاج الناس إلى معرفة الفرق بين التعهد والتعاقد والصرف والإنجاز، وإلى خريطة تبين نصيب المناطق والخدمات. ومن دون ذلك، قد تتراكم الأرقام في البيانات فيما يظل أثرها غائباً عن الحي.
ما يصل إلى البيوت
يمكن لمؤتمر دولي أن يوسّع التمويل وينسق الجهود، لكنه لا يعوّض برنامجاً واضحاً للأولويات والمحاسبة. المعيار الأجدى هو كلفة استعادة الخدمة، واستمرار تشغيلها، وفرص العمل التي تتيحها، والعبء الذي يبقى على الأسر. وحين يُقاس النجاح بهذه النتائج، يصبح السوريون أصحاب حق في الإعمار، لا مجرد أعداد تُستدعى لتبرير طلب المال.
اقرأ أيضاً: بعد الخطوة اليابانية.. هل تتسع دائرة إعادة دمج المؤسسات السورية في النظام المالي الدولي؟









