ليالي حلب.. حين يتحول التراث من ذاكرة إلى مساحة تجمع الناس

بقلم: ريم ريّا
حلب التي اعتادت خلال سنوات طويلة أن تحمل آثار الحرب في شوارعها وأحيائها، تبدو اليوم مع عودة الفعاليات الثقافية والتراثية إليها تنبض بالحياة من جديد. فمهرجان “ليالي حلب الثقافية”، الذي تتواصل فعالياته في قلعة حلب، يقدم للمجتمع الحلبي مساحة للقاء واستعادة جانب من الحياة التي غابت لمدة طويلة من الزمان، من خلال عروض تجمع بين الفلكلور والأزياء والعادات والفنون التي تميز مناطق المحافظة.
ما الذي يضيفه المهرجان إلى مجتمع حلب؟
يشارك في المهرجان 12 ركن ثقافي يمثل كل منها منطقة من مناطق حلب، بينها إعزاز والأتارب وعفرين وعين العرب وجرابلس والسفيرة ودير حافر وجبل سمعان، في صورة تعكس التنوع الاجتماعي والثقافي الذي يميز المحافظة. تتجاوز أهمية هذه الفعاليات مجرد تقديم عروض فنية أو عرض قطع أثرية قديمة، فهي تساهم في إعادة ربط سكان المدينة وأحيائها المختلفة بتراثهم الثقافي.
كما يتيح وجود أجنحة تمثل مناطق متنوعة ضمن الفعالية نفسها لسكان حلب فرصة اكتشاف عادات وأزياء وفنون شعبية ربما لم تتح لهم فرصة رؤيتها من قبل، وخاصةً للأجيال الشابة أو للأجيال التي كبرت خارج البلاد في الغربة وعادت إليها بعد التحرير. كذلك يوفر المهرجان منصةً للحرفيين والفنانين وأصحاب المواهب التقليدية لعرض أعمالهم أمام الجمهور، ويعيد إحياء الاهتمام بالعناصر الثقافية التي قد تتلاشى مع مرور الوقت في حال بقيت مقتصرة على ذكريات عائلية أو مناسبات محلية.
اقرأ أيضاً: موسم طرطوس السياحي 2026.. عودة الفعاليات وتنشيط الساحل

مساحة للتجمع لا للعرض.. فقط في ليالي حلب
من أهم جوانب المهرجان بالنسبة للمجتمع الحلبي أنه يقدم القلعة كمكان للقاء، لا كمجرد معلم تاريخي أو معلم ارتبط بذاكرة الحرب الأخيرة ودمارها. إن وجود السكان في موقع أثري للاستمتاع بالعروض الفنية والتعرف على تراث مناطق المحافظة ينشئ نوعاً من التواصل مع المكان بشكل مختلف، ويعيد دمج الثقافة في نسيج الحياة اليومية.
كما يضفي إدراج الثقافتين العربية والكردية في هذا الحدث لمسة اجتماعية على المهرجان، مظهراً التنوع الثقافي كجزء مألوف من المشهد العام، لا كجزء غريب أو منعزل من جوانب الحياة اليومية.
يبدو أن انطباعات السكان عن المهرجان كانت إيجابية… إذ أعربت آلاء جبارة، وهي من سكان حلب، عن إعجابها بتنوع الأجنحة والآثار التي تضمها، معتبرةً أن الأجواء الثقافية والتفاعلية بمثابة عرض للتراث الأصيل لمختلف مناطق المحافظة.
فقيمة المهرجان عند المواطن الحلبي بسيطة وواضحة، وتتجلى في كونه مكان تخرج فيه العائلات، ويرى فيه الأطفال الاختلاف، ويستعيد فيه الكبار تفاصيل الماضي، ويكتشف فيه الشباب أن التراث لا يقتصر على الصور القديمة في الكتب. هنا تكمن أهمية هذا الحدث. فالمجتمع لا يحتاج فقط إلى مشاريع بناء تعيد ترميم الحجارة، بل هو بأمس الحاجة إلى مساحات تعيد بناء العلاقة بين الناس أولاً ومدينتهم ثانياً.

من مهرجان مؤقت إلى حركة مستمرة
رغم الأجواء المرحة والمفعمة بالتراث والتنوع، يبقى التحدي في ضمان ألا تتحول هذه الفعاليات إلى مناسبات موسمية تنتهي مع آخر عرض وتنسى مع رسالتها.فالأثر الأكبر لهكذا فعاليات يتحقق عندما تتحول الفكرة إلى برنامج ثقافي دائم، يفتح أبوابه لمشاركة المدارس والجامعات والحرفيين والفرق الفنية والمراكز الثقافية، ويصل إلى أحياء حلب ومناطقها الريفية بدل من أن يقتصر على الفعاليات الضخمة.
ختاماً، حلب غنية عن التعريف فكل حجر فيها ينطق بالتراث، إنما ينقصها فضاء يتيح لهذا التراث أن يتجلى. قد تكون “ليالي حلب” أحد هذه الفضاءات، إذا ما استمرت كمشروع ثقافي واجتماعي، لا مجرد فعالية تنتهي بإطفاء أنوار القلعة.










