أعمال واستثمار

لماذا يتكرر العطش كل صيف في درعا؟.. أزمة مياه تتجاوز نقص الأمطار

بقلم: ريم ريّا

في كل صيف، تعود أزمة المياه في درعا، وهي أزمة متكررة لا تتغير. قد تتغير أسماء القرى المتضررة من عام لآخر، لكن المشهد يبقى على حاله، خزانات فارغة، وشاحنات صهريجية تجوب الطرق، وسكان ينتظرون لساعات، بل لأيام أحياناً، للحصول على ما يكفي من مياه الشرب لعائلاتهم.

في قرية معرية غرب درعا، لم تعد الأزمة مجرد انقطاع مؤقت للمياه، بل أصبحت واقعاً يومياً، مما يجبر السكان على البحث عن حلول مكلفة مع انخفاض قدرة شبكة المياه العامة على تلبية حتى أبسط الاحتياجات. والتساؤل المطروح اليوم بين السكان، ليس لماذا تحدث انقطاعات المياه، بل لماذا تتكرر هذه الأزمة كل صيف دون حل جذري!

أزمه المياه في درعا.. ليست معاناة صيفيه فقط

ما تعانيه معرية اليوم هو نتيجة سنوات من المشاكل المتراكمة. تعتمد القرية بشكل أساسي على ينابيع عين زكير، التي انخفضت مستويات مياهها بسبب الحفر المفرط واستنزاف المياه الجوفية. بالإضافة إلى ذلك، تضرر خط إمداد المياه الرئيسي مراراً وتكراراً، مما حال دون وصول المياه حتى إلى أبعد القرى المتصلة بالشبكة، بما فيها قرية المعارية.

ورغم تمكن السكان من حفر بئر وربطها بالشبكة باستخدام الطاقة الشمسية، إلا أن إنتاجها لا يتجاوز 10 أمتار مكعبة في الساعة، وهي كمية لا تكفي لتلبية احتياجات حوالي 3500 نسمة. ونتيجة لذلك، لا تصل المياه إلى المنازل إلا مرة واحدة كل 15 يوماً ولمدة ساعة واحدة فقط، وهي مدة لا تكفي حتى لملء خزانات المياه المنزلية. وتتفاقم هذه الأزمة بسبب حالة الشبكة الداخلية المتهالكة والتأخير في تنفيذ مشاريع التوسعة أو حفر آبار إضافية، على الرغم من المطالبات المتكررة من السكان والبلدية.

لماذا تتكرر أزمة المياه في درعا كل صيف؟

قد يعزو البعض هذه الأزمة ببساطة إلى قلة الأمطار، لكن الحقيقة أكثر تعقيداً من ذلك. فالصيف يكشف مواطن الضعف المتراكمة في قطاع المياه. مع ارتفاع درجات الحرارة، يزداد الاستهلاك المنزلي والزراعي بينما يتناقص تدفق الينابيع والآبار، في حين تبقى البنية التحتية على حالها. كما يؤدي التعدي على خطوط المياه، والآبار غير المرخصة، وعدم كفاية الصيانة إلى فقدان كميات كبيرة من المياه قبل وصولها إلى السكان.

في بعض المناطق، ازداد الوضع الأمني ​​تعقيداً. فبسبب قربها من المناطق الحدودية والتوترات الأمنية المستمرة، تعاني القرى الواقعة في الضواحي الغربية لدرعا من ظروف استثنائية تُعيق تنفيذ مشاريع الخدمات وتؤخر الصيانة والاستثمار. لذا، فإن ما يحدث في معرية ليس حالة معزولة، بل هو مثال مصغر لأزمة إدارة المياه التي تؤثر على أجزاء واسعة من المحافظة.

اقرأ أيضاً: وباء الكبد يعود إلى حمص من بوابة نبع الزارة.. تلوث المياه يعيد المخاوف الصحية

صهاريج المياه… حل مؤقت بتكلفة لا يستطيع الجميع تحملها

عندما لا تتوفر المياه من الشبكة، لا يجد السكان خياراً سوى شراء المياه من صهاريج خاصة. إلا أن هذا البديل أصبح عبئاً مالياً ثقيلاً. قد تحتاج عائلة إلى صهريج مياه بسعة 25 برميلاً كل عشرة أيام بتكلفة تصل إلى 175000 ألف ليرة سورية، وإذا كان مصدر المياه بعيداً، فقد ترتفع التكلفة إلى 200 ألف ليرة. ولا تقتصر معاناة السكان على التكلفة فحسب، بل تمتد أيضاً إلى فترات الانتظار الطويلة الناتجة عن الضغط على موارد المياه المحدودة التي تخدم عدة قرى في آن واحد. مع انخفاض الدخول وارتفاع أسعار الوقود، أصبحت فواتير المياه بنداً ثابتاً في ميزانيات العديد من العائلات، في وقتٍ يفترض أن تكون فيه مياه الشرب من الخدمات الأساسية التي توفرها الشبكات العامة.

ما الحل؟ هل حفر بئر جديد كافٍ؟

يرى السكان أن حفر آبار إضافية ضرورة ملحة، ولكنه ليس الحل الوحيد. بينما يؤكد الخبراء أن معالجة الأزمة تتطلب خطة شاملة تبدأ بتأهيل شبكات المياه القديمة والحد من الهدر، ومعالجة التعديات على خطوط إمداد المياه، وتنظيم الحفر العشوائي للآبار الذي يستنزف احتياطيات المياه الجوفية.

يتطلب التشغيل الفعال للآبار توفير مصادر طاقة مستدامة، سواءً عبر الكهرباء أو أنظمة الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى إنشاء خزانات استراتيجية لضمان استمرار الضخ خلال فترات ذروة الاستهلاك. ومن الأهمية بمكان وضع خطة لإدارة المياه على مستوى المحافظة، توزّع الموارد بشكل عادل بين القرى، وتراقب الاستهلاك، وتستثمر في مشاريع تجميع مياه الأمطار وإعادة تغذية المياه الجوفية.

تظهر أزمة المياه في درعا أن المشكلة لم تعد تقتصر على نقص الموارد فحسب، بل تتعداها إلى كيفية إدارة المياه. لا يطالب السكان بخدمات استثنائية، بل بحقهم في الحصول على مصدر مستدام لمياه الشرب دون الحاجة إلى انتظار صهاريج المياه أو انخفاض دخلهم أسبوعياً. مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الضغط على موارد المياه.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى