المجتمع السوري

لماذا نخاف من رأي الآخر؟ كيف يؤثر انقسام السوريين السياسي على الدماغ؟

بقلم هلا يوسف

لا يخفى على أحد حجم التوتر في النقاشات السياسية اليوم، خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتحول الاختلاف في الآراء السياسية بسرعة إلى شتائم وتخوين، وأحياناً إلى شماتة بالموت والعنف. هذا المشهد لا يعكس مجرد اختلاف سياسي، بل يكشف عن آراء مشحونة بالخوف والشعور بالتهديد، إذ ترى كل فئة أن وجود الأخرى في السلطة يشكل خطراً عليها، وأن خسارتها تعني نهايتها.

هذا الواقع يدفعنا إلى طرح سؤال بسيط لكنه مهم: هل يمكن أن نختلف سياسياً دون أن نتحول إلى خصوم أو أعداء؟ وكيف تتكون آراؤنا السياسية أساساً؟ هل نختارها بعقولنا فقط، أم أن أدمغتنا وتجاربنا وخلفياتنا تلعب دوراً أكبر مما نتصور؟

في هذا المقال نحاول فهم كيفية تشكل الرأي السياسي من منظور علمي عصبي، بشكل مبسط، ونتتبع الحالة السورية في كيفية تشكل الوعي السياسي للسوريين، ولماذا ما زال الاختلاف السياسي فيها شديد الحساسية حتى اليوم.

علمياً.. كيف تتشكل الآراء السياسية

مع احتدام التجاذبات السياسية في سوريا، خصوصاً بعد سقوط نظام الأسد، قد يبدو للوهلة الأولى أن الخلافات ناتجة فقط عن صراعات أيديولوجية أو مصالح متناقضة. إلا أن الأبحاث العلمية الحديثة تشير إلى أن جزءاً مهماً من هذا الانقسام يرتبط بطريقة أعمق، أي بكيفية عمل الدماغ البشري نفسه، وكيف يستجيب للخوف والتهديد والتغيير.

خلال العقدين الماضيين، تعاون علماء أعصاب مع باحثين في العلوم السياسية لتأسيس مجال بحثي جديد يُعرف باسم علم الأعصاب السياسي (Political Neuroscience). يدرس هذا المجال كيف تؤثر البنية البيولوجية للدماغ وآليات معالجة المشاعر والمخاطر على مواقف الأفراد السياسية، وعلى ميلهم إلى المحافظة أو الانفتاح.

من أبرز الباحثين في هذا المجال ديامانتيس بيتروبولوس بيتلاس (Diamantis Petropoulos Petalas)، عالم النفس في الكلية الأمريكية في اليونان، الذي تعاون مع فريق بحثي في هولندا لتحليل صور الدماغ لأكثر من 900 شخص. ركزت دراستهم على اللوزة الدماغية، وهي منطقة أساسية مسؤولة عن استشعار الخطر، واتخاذ القرارات، والتحكم في المشاعر، وتعمل كجهاز إنذار ينبه الإنسان إلى التهديدات المحتملة.

أظهرت نتائج بيتلاس، المنشورة في مجلة iScience، أن الأشخاص ذوي الميول السياسية المحافظة يمتلكون في المتوسط لوزة دماغية أكبر وأكثر نشاطاً من ذوي الميول الليبرالية المنفتحة. وهذا يجعلهم أكثر حساسية للمخاطر وأكثر ميلاً إلى التركيز على الأمن، وحماية الجماعة، والحفاظ على التقاليد.

كما بينت أبحاثه أن المحافظين يظهر لديهم نشاط أعلى في منطقة أخرى تسمى التلفيف المغزلي، وهي مرتبطة بتصنيف الوجوه وفهم المشاعر الاجتماعية، أي تحديد من يمكن الوثوق به ومن ينظر إليه كتهديد. هذا يفسر ميلهم الطبيعي إلى تقسيم الناس إلى “نحن” و”هم”.

هذه النتائج تتقاطع مع أبحاث دارين شرايبر (Darren Schreiber)، أستاذ العلوم السياسية في جامعة إكستر في بريطانيا، وأحد أوائل من استخدموا التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لدراسة العلاقة بين الدماغ والتوجهات السياسية.

في دراسة شهيرة عام 2013، طلب شرايبر من مشاركين محافظين وليبراليين منفتحين لعب لعبة بسيطة تنطوي على المخاطرة. ورغم أن خياراتهم السلوكية كانت متشابهة، إلا أن مناطق الدماغ النشطة كانت مختلفة: المحافظون أظهروا نشاطاً أعلى في اللوزة الدماغية (الخوف والاستجابة السريعة للتهديد)، بينما أظهر الليبراليون نشاطاً أكبر في الفص الجزيري، المرتبط بالتعاطف، ومعالجة الألم، وفهم مشاعر الآخرين.

المثير أن فريق شرايبر استطاع التنبؤ بآراء المشاركين السياسية بدقة تجاوزت 80% اعتماداً على صور الدماغ فقط، وهي نسبة أعلى من التنبؤ بناءً على آراء الأهل أو البيئة الاجتماعية.

يربط جون هيبينغ (John Hibbing)، أستاذ العلوم السياسية المتقاعد من جامعة نبراسكا لينكولن، هذه النتائج بالخلفية التطورية للإنسان. فالبشر تاريخياً نجوا من خلال العيش ضمن جماعات، لكنهم طوروا استجابتين مختلفتين للبقاء: استجابة تميل إلى الحذر، وحماية الجماعة، والارتياب من الغرباء، وأخرى تميل إلى الانفتاح، واستكشاف الجديد، والتفاعل مع المختلف.

كلا النهجين كان ضرورياً عبر التاريخ، ولا يمكن القول إن أحدهما أفضل مطلقاً من الآخر، فالمجتمعات التي تنغلق تماماً قد تذبل، وتلك التي تنفتح بلا حدود قد تتعرض للفوضى أو الصراع.

إذا أسقطنا هذه المعطيات على الواقع السوري اليوم، يمكننا فهم كثير من حدة الانقسام دون اختزالها في سوء النية. فبعد سنوات من الحرب والخوف والتهديد الوجودي، أصبح عدد كبير من السوريين في حالة استنفار عصبي دائم. وهذا يعزز تلقائياً أنماط التفكير “المنغلقة”، أي القائمة على البحث عن الأمان، والتشبث بالجماعة، والخوف من التغيير السريع.

هنا يمكن فهم الصراع بين من يطالبون بدولة علمانية بدافع الخوف من هيمنة دينية قد تهدد حرياتهم أو وجودهم، ومن يتمسكون بدور مركزي للدين في الدولة باعتباره صمام أمان للهوية والتقاليد بعد عقود من القمع والتهميش. حيث يرى كل طرف موقفه ليس فقط كخيار سياسي، بل كضمانة وجودية لجماعته، وهذا ما يجعل الخلاف يبدو خطيراً.

وبذلك يقدم مات كفورتوب (Matt Qvortrup)، أستاذ العلوم السياسية في جامعة كوفنتري البريطانية، رؤية أكثر تفاؤلاً. ففي كتابه عن العقل السياسي يؤكد أن الإنسان رغم خضوعه لآليات الخوف البدائي، يمتلك القدرة على التعلم والحوار وضبط ردود فعله.

وتدعم ذلك أبحاث أجراها مركز التفاعل الإعلامي (Center for Media Engagement)، الذي درس أفضل ممارسات الحوار بين أصحاب التوجهات السياسية المختلفة، وخلص إلى أن تخفيف الاستقطاب لا يبدأ من السياسة نفسها، بل من إعادة إنسنة الآخر، بمعنى التركيز على الناس قبل المواقف، وبناء علاقات شخصية، ومشاركة التجارب بدل الشعارات، والبحث عن أرضيات مشتركة أقل استقطاباً.

ومن خلال ما سبق، نستنتج أن الاستقطاب السياسي في سوريا ليس مجرد خلاف في الآراء، بل نتاج آليات نفسية وعصبية تجعل الإنسان أكثر حساسية للخوف والتهديد حين يشعر الفرد بأن هويته أو جماعته في خطر. وبالتالي فهم كيفية تشكل الآراء السياسية علمياً لا يلغي الاختلاف، لكنه يفتح باباً لتخفيف حدّته، عبر الانتقال من منطق الصراع الوجودي إلى منطق الاختلاف السياسي. ويبقى التحدي الأساسي هو بناء دولة تشعر جميع مواطنيها بالأمان، وتتيح تعدد الآراء دون أن يتحول إلى خوف متبادل أو إقصاء.

اقرأ أيضاً: أكراد سوريا: بين مشاريع الإقصاء وأحلام الاعتراف

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى