سياسة

لماذا ما تزال الملاحة الصوتية غائبة عن الطرق السورية؟

الكاتب: أحمد علي

لم يعد وجود الخرائط الرقمية بحد ذاته معياراً لاندماج أي بلد في منظومة الخدمات التقنية الحديثة. فالكثير من الدول تظهر طرقها ومدنها ومواقعها على التطبيقات العالمية، لكن مستوى الخدمات المتاحة فوق هذه الخرائط يختلف من مكان إلى آخر تبعاً لعوامل تقنية وقانونية وتنظيمية أكثر تعقيداً. وفي الحالة السورية، تبدو هذه المفارقة واضحة. فالخرائط موجودة إلى حد كبير، لكن خدمات الملاحة الصوتية التي يعتمد عليها السائقون يومياً في معظم أنحاء العالم ما تزال غائبة.

هذا الغياب عاد إلى الواجهة بعد تصريحات وزير الاتصالات عبد السلام هيكل، الذي ربط المسألة بدرجة موثوقية البيانات المتوافرة عن الطرق والبنية المرورية، معتبراً أن المشكلة لا تتعلق بمجرد إظهار الشوارع على الخريطة، بل بقدرة التطبيقات على إصدار تعليمات دقيقة وآمنة للسائقين في الزمن الحقيقي.

موثوقية البيانات قبل إطلاق الخدمة

تقوم خدمات الملاحة الصوتية على قاعدة مختلفة عن مجرد عرض الخرائط. فحين يكتفي التطبيق بإظهار طريق أو موقع جغرافي، تبقى مسؤولية اتخاذ القرار على المستخدم نفسه. أما عندما يوجّه التطبيق السائق خطوة بخطوة، فإن أي خطأ في البيانات قد يؤدي إلى نتائج مباشرة على أرض الواقع.

لهذا السبب تفرض الشركات المطورة لهذه الخدمات معايير صارمة تتعلق بدقة الخرائط وتحديثها المستمر. فالطريق المغلق أو التحويلة الجديدة أو الجسر المتضرر أو حتى تغيير اتجاه السير في شارع معين، كلها معلومات يجب أن تكون محدثة بشكل دائم قبل السماح للنظام بإصدار تعليمات صوتية تعتمد عليها حركة المركبات.

ومن هذا المنطلق، تبدو مسألة الموثوقية العامل الأكثر حساسية في الملف السوري، إذ لا يكفي وجود قاعدة بيانات عامة للطرق، بل يجب أن تكون هذه البيانات قابلة للتحديث المستمر وقادرة على عكس الواقع الميداني بدقة عالية.

إرث العزلة الرقمية

لا يمكن فصل الوضع الحالي عن السنوات الطويلة التي شهدت تراجعاً في حضور سوريا ضمن المنظومات الرقمية العالمية. فبحسب ما أوضحه وزير الاتصالات، فإن سنوات العزلة والعقوبات حدّت من قدرة المؤسسات والشركات الدولية على تحديث بياناتها المتعلقة بالطرق السورية أو تنفيذ عمليات مسح ميداني منتظمة.

وخلال تلك الفترة اعتمدت أجزاء كبيرة من المعلومات المتوافرة على مساهمات فردية أو تطوعية، الأمر الذي خلق تفاوتاً في مستوى الدقة بين منطقة وأخرى. كما أن القيود المفروضة سابقاً على بعض الخدمات التقنية العالمية جعلت تحديث الخرائط عملية أبطأ بكثير مقارنة بما يجري في دول أخرى.

هذا الواقع ترك فجوة رقمية تراكمت على مدى سنوات، وأصبح سدّها يتطلب جهداً مؤسسياً منظماً بدلاً من الاكتفاء بالتحديثات المحدودة أو المتفرقة.

مشروع إعادة بناء الخريطة الرقمية

تشير التصريحات الحكومية إلى أن العمل الحالي يتركز على إعادة بناء قاعدة بيانات ميدانية أكثر دقة. ويشمل ذلك تنفيذ عمليات مسح للطرق باستخدام مركبات مجهزة بكاميرات وأدوات توثيق متخصصة، إلى جانب إنشاء آليات للتحقق المستمر من المعلومات التي يتم جمعها.

الهدف من هذه العملية لا يقتصر على تحسين الخرائط فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى توفير مستوى الثقة المطلوب لدى الشركات العالمية المشغلة لخدمات الملاحة. فهذه الشركات تحتاج إلى التأكد من أن التغييرات التي تطرأ على الطرق والبنية المرورية يمكن رصدها وتحديثها بشكل مستمر قبل تفعيل خدمات التوجيه الصوتي بشكل كامل.

وفي هذا السياق، تبدو عملية استعادة الحضور على الخريطة الرقمية العالمية مشروعاً طويل الأمد أكثر منها خطوة تقنية سريعة يمكن إنجازها خلال فترة قصيرة.

تحديات البنية التحتية الرقمية

إلى جانب ملف الخرائط، تبرز مسألة البنية التحتية للاتصالات باعتبارها عنصراً مؤثراً في مستقبل خدمات الملاحة الحديثة. فسنوات الحرب ألحقت أضراراً واسعة بالشبكات والمنشآت المرتبطة بقطاع الاتصالات.

ورغم أن عدد اشتراكات الهاتف المحمول وصل إلى نحو 20.1 مليون اشتراك، بما يعادل قرابة 77.7 في المئة من السكان، مع نمو سنوي بلغ 6 في المئة، فإن انتشار الإنترنت ما يزال عند مستويات أدنى من المتوسطات العالمية، إذ قُدّر بنحو 35.8 في المئة من السكان حتى نهاية عام 2025.

وتعني هذه الأرقام أن شريحة واسعة من المستخدمين ما تزال تواجه تحديات تتعلق بالاتصال الدائم بالشبكة، وهو عنصر أساسي في تشغيل كثير من تطبيقات الملاحة الحديثة وتحديث بياناتها بشكل لحظي.

كما أن تقديرات إعادة تأهيل البنية التحتية الرقمية تبقى مرتفعة للغاية. فقد أشار وزير الاتصالات إلى أن كلفة إعادة البناء قد تصل إلى نحو 200 مليار دولار، ما يعكس حجم الأضرار التي تراكمت خلال السنوات الماضية.

موقف شركات الخرائط العالمية

حتى الآن، ما تزال كبرى الشركات العالمية تتعامل بحذر مع السوق السورية في هذا المجال. فخدمات مثل Google Maps تتيح عرض الخرائط والمواقع، لكنها لا توفر ميزة التوجيه الصوتي الكامل خطوة بخطوة داخل سوريا.

وتظهر قيود مشابهة في خدمات أخرى، من بينها Apple Maps، حيث لا تتوافر وظائف الملاحة المتقدمة بالشكل المعتمد في العديد من الدول الأخرى.

في المقابل، اتجه بعض المستخدمين إلى تطبيقات بديلة تعتمد على قواعد بيانات مفتوحة المصدر، مثل Maps.me، والتي تسمح باستخدام الخرائط دون اتصال دائم بالإنترنت. غير أن هذه البدائل تواجه بدورها تحديات تتعلق بدرجة التغطية والتحديث في بعض المناطق.

لذلك تبدو المشكلة أبعد من مجرد قرار تقني تتخذه شركة معينة، إذ ترتبط بمنظومة كاملة تشمل دقة البيانات المحلية، وآليات التحديث، ومستوى البنية التحتية الرقمية، ومدى استعداد الشركات لتحمل المسؤولية القانونية المرتبطة بتشغيل خدمات الملاحة.

أكثر من خدمة تقنية

تكشف قضية الملاحة الصوتية في سوريا عن جانب أوسع من التحول الرقمي الذي تحاول البلاد استعادته بعد سنوات طويلة من التراجع والعزلة. فالمسألة لا تتعلق فقط بإضافة ميزة جديدة إلى تطبيقات الهواتف الذكية، بل بإعادة بناء بيئة معلوماتية متكاملة يمكن الاعتماد عليها في النقل والخدمات والاقتصاد الرقمي عموماً.

وحتى تكتمل هذه العملية، ستبقى الخرائط متاحة بدرجات متفاوتة، بينما تظل الملاحة الصوتية مؤجلة إلى حين استكمال متطلبات الدقة والتحديث المستمر والبنية التقنية القادرة على دعمها بصورة آمنة وموثوقة.

اقرأ أيضاً: تأسيس الشركات إلكترونياً في سوريا: نقلة في الاستثمار والتحول الرقمي

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى