لماذا لم تخلع أمريكا بشار الأسد في سوريا كما فعلت مع مادورو في فنزويلا؟

بقلم هلا يوسف
كثيراً ما تُختزل السياسة الأمريكية في سردية تبسيطية تقوم على سؤال واحد: لماذا أسقطت واشنطن هذا النظام ولم تُسقط ذاك؟ هذا المنطق، على بساطته الظاهرية، يفشل في تفسير الوقائع، لأنه يتجاهل أن الولايات المتحدة لا تتحرك بدافع الرغبة وحدها، بل ضمن توازن معقد بين القدرة والكلفة والسياق التاريخي وموقعها المتغير في النظام الدولي.
من هنا، لا يمكن فهم التباين بين التعاطي الأمريكي مع فنزويلا وسوريا بوصفه مفاضلة أخلاقية أو قراراً اعتباطياً، بل بوصفه نتاج مسارات طويلة من النفوذ، والمصالح، والقيود، وحدود القوة. هذا المقال يحاول تفكيك هذا التباين عبر مقاربة تاريخية-سياسية تتجاوز الحدث والتغطية اليومية له، وتضع كل حالة في موقعها الحقيقي ضمن خريطة التحولات الأمريكية الأوسع، داخلياً وخارجياً.
فنزويلا: مزيج من النفوذ التاريخي والمصالح الاقتصادية
عند النظر إلى المشهد الدولي من زاوية سريعة، قد يبدو أن الولايات المتحدة ما تزال قادرة على فرض إرادتها بقوة في أي منطقة تريدها، كما يتضح من حركتها الأخيرة في فنزويلا التي اعتقلت على أثرها الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته خلال عملية استغرق تطبيقها ساعتين فقط. إلا أن هذه الخطوة تخفي وراءها شعوراً بالحاجة إلى الانكفاء بدلاً من التوسع.
فبالعودة إلى جذور التوتر الأمريكي الفنزويلي، نلاحظ أنه يعود إلى وصول هوغو تشافيز إلى السلطة عام 1999، كزعيم شعبي يساري، معادٍ للهيمنة الأمريكية، ومتحالف مع كوبا وروسيا. هذا التحالف منح واشنطن سبباً إضافياً للقلق، إذ وضع فنزويلا في صدام مباشر مع المصالح الأمريكية في نصف الكرة الغربي. وبعد وفاة تشافيز في 2013، تولى نيكولاس مادورو الرئاسة، مع استمرار سياسات سلفه، وسط اتهامات متكررة بتزوير الانتخابات وقمع المعارضة، ما جعل العلاقة مع الولايات المتحدة أكثر توتراً.
الأستاذة المشاركة في العلوم السياسية بجامعة تافتس، كونسويلو كروز، تشير إلى أن الولايات المتحدة لم تضع فنزويلا هدفاً عشوائياً، بل إن تحركها كان مدفوعاً بتراكب المصالح الاقتصادية والسياسية، ففنزويلا تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، ما يقارب 18% من الاحتياطي العالمي، إضافة إلى احتياطيات ضخمة من الذهب والعناصر الأرضية النادرة، وهي أساسية في تصنيع التكنولوجيا المتقدمة، بما في ذلك الصناعات العسكرية وأنظمة الدفاع. هذا الواقع جعل فنزويلا هدفاً استراتيجياً هاماً، خاصة مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والصين في السيطرة على الموارد الحيوية والتقنيات المستقبلية.
على المستوى السياسي الداخلي، يمثل التدخل الأمريكي في فنزويلا أداة انتخابية محورية، حيث يسعى ترامب لاستعادة دعم الناخبين اللاتينيين، لا سيما الفنزويليين والنيكاراغويين والكوبيين، الذين شعروا بخيبة أمل نتيجة سياسات الهجرة والترحيل، ولهم تأثير كبير في ولايات مفصلية مثل فلوريدا وجورجيا ونيوجيرسي وتكساس. ومع سقوط مادورو سيكون هذا إنجاز سياسي داخلي يعزز الدعم للحزب الجمهوري، ويرسل إشارات قوية حول قدرة واشنطن على التأثير خارج حدودها.
أما تاريخياً، هذا التحرك يتوافق مع مبدأ مونرو (1823)*، و”ملحق روزفلت”**، اللذان يطلقان يد الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية، ضمن سياق ما يسمبه البعض “بالباحة الخلفية للولايات المتحدة”. بهذا المعنى، فنزويلا تقع ضمن نطاق النفوذ التقليدي للولايات المتحدة، وهو ما يجعل التحرك فيها أكثر حرية مقارنة بسوريا، حيث التداخل الدولي أوسع بكثير.
وعلى الرغم من الضجيج الإعلامي، فإن ما جرى ويجري في فنزويلا لا يمثل سيطرة أمريكية مستقرة. وافتراض أن واشنطن استطاعت إخضاع فنزويلا بالكامل، أو أن أمريكا اللاتينية باتت بلا مقاومة هو افتراض خاطئ.
فتاريخ القارة مليء بالانقلابات المدعومة أمريكيا، وبالنهب والاستبداد الذي رعته واشنطن لعقود. هذا التاريخ خلق وعياً شعبياً وريبة من أي تدخل أمريكي حتى من معارضي مادورو في فنزويلا. لذلك، فإن التدخل الأمريكي هناك ربما يواجه مقاومة داخلية وإقليمية طويلة الأمد، قد تصل حد العسكرة.
ومن هنا تبدأ المقارنة الحقيقية مع سوريا. فالولايات المتحدة التي تدخلت في العراق عام 2003 ليست هي نفسها اليوم، فالاقتصاد مثقل بالأزمات، والمجتمع الأمريكي لا يريد مزيداً من الحروب غير المفيدة، والمؤسسة العسكرية أنهكتها مغامرات طويلة بلا نتائج حاسمة. لذلك، فإن كل قرار تدخل يُحسب بميزان الكلفة لا الرغبة.
في هذا السياق، يصبح مفهوماً أن تعود واشنطن إلى منطقها التأسيسي القائم على الانكفاء بدلاً من الانتشار. وبالتالي التركيز على نصف الكرة الغربي أي أمريكا اللاتينية، لتغدو عمليتها في فنزويلا كمحاولة لإعادة ترتيب الإمبراطورية الأمريكية من الداخل وفق نسخة محدثة من مبدأ مونرو: “هذه منطقتنا، ابتعدوا عنها”.
الوضع السوري: صراع متعدد الأبعاد
سوريا تشكل حالة مختلفة تماماً. منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، واجهت الولايات المتحدة معضلة معقدة: كيف يمكن إدارة صراع يتداخل فيه النزاع الداخلي، والإرهاب، والنفوذ الإيراني والروسي، والفوضى الاجتماعية دون الانجرار إلى حرب مفتوحة جديدة؟ حيث أعاد التدخل الروسي في 2015 خلط الأوراق، وفتح نقاشات داخل الأوساط السياسية الأمريكية بشأن مدى التصعيد أو الانكفاء.
كانت المقترحات الأمريكية متنوعة، بعضها دعا لتقليص الوجود العسكري، بينما دعا آخر إلى تصعيد مباشر لمواجهة النفوذ الروسي واستفزازاته. لكن كل هذه المقترحات بقيت فضفاضة عند تطبيقها عملياً. فتصريحات مثل إعادة ترسيخ الوجود الأمريكي أو بناء جيش إقليمي لهزيمة داعش والإطاحة بالأسد بقيت نظرية، حيث لم يكن واضحاً من سيشارك في هذا الجيش، أو كيف ستتم مواءمة مصالح الدول المجاورة.
كما أن تجارب تدريب وتسليح قسم من المعارضة التي بدأت في 2013 عبر وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، والتي أُنفق فيها حوالي مليار دولار، لم تؤدِّ إلى قوة حقيقية تستطيع قلب موازين الحرب. في الوقت نفسه، كان التدفق الكبير للأسلحة إلى أقسام المعارضة المختلفة، سواء من مخازن النظام السابق عقب عمليات السيطرة، أو عبر دول مثل تركيا وقطر والسعودية، وكذلك عبر أسواق الأسلحة غير المشروعة، أمراً يجعل السيطرة على النتائج أمراً شبه مستحيل.
ومن ناحية أخرى لعب الضغط الداخلي الأمريكي دوراً حاسماً أيضاً. فالرأي العام الأمريكي المتأثر بتجارب العراق (2003) وأفغانستان، أصبح أقل استعداداً لدعم حروب بلا نهاية وأهداف غير واضحة. هذا التوازن بين الضغوط الخارجية والقيود الداخلية جعل الولايات المتحدة تتحرك بحذر أكثر بكثير مقارنة بفنزويلا.
هناك تحليل آخر يستحق الذكر، تبنته عدّة قوى معارضة للنظام السابق، كانت ترتاب في أيّ موقف أو نشاط أمريكي داخل سوريا منذ بداية الحراك الثوري. بالنسبة لهؤلاء، الولايات المتحدة لم تكن تريد إسقاط الأسد، بل الإبقاء عليه ضعيفاً، وخلق العوامل اللازمة لانفجار سوريا بشكل تدريجي وانقسامها، وبالتالي تفجير المنطقة من خلالها. يرى هؤلاء بأنّ الولايات المتحدة كانت تريد من سوريا أن تتحوّل إلى مستنقع تغرق فيه القوى المناهضة لهم مثل روسيا، والقوى التي تفكر بالابتعاد عن هيمنتهم مثل تركيا.
يبني هؤلاء تحليلاتهم على الكثير من المعطيات الهامة، ربّما أبرزها أنّ هذا السلوك هو سلوك عالمي للأمريكيين، بحيث تدعم الأطراف وتخفف دعمهم بما لا يسمح بسقوطهم، ولا بانتصارهم (مثل الحرب العراقية الإيرانية)، وكذلك على تصريحات لمسؤولين أمريكيين – أمثال جيمس جيفري المبعوث الخاص لأمريكا في سوريا – بأنّ مهمته في سوريا هي تحويلها إلى مستنقع للروس.
هناك رأي آخر يقول بأنّ السياسة الأمريكية تجاه سوريا لم تعتمد على استراتيجية واضحة شاملة. ففي عهد أوباما كانت سياسة الاحتواء مبهمة، إذ دعمت المعارضة بما يكفي لمواجهة داعش والقاعدة، ولكن ليس بما يسمح بهزيمة الأسد، خشية الانجرار إلى مستنقع طويل الأمد. أما إدارة ترامب فقد ركزت على مكافحة الإرهاب ونجحت في إضعاف تنظيم داعش، لكنها لم تحدد استراتيجية واضحة لإدارة التحولات، كما أظهرت تصريحات وزير الخارجية ريكس تيلرسون (2018)، الذي دعا إلى الصبر والتفاوض بشأن رحيل الأسد، مع التأكيد على ضرورة خفض التوتر وتعزيز المساعدات الدولية لتسهيل الاستقرار التدريجي.
المصالح الإسرائيلية: سياق طويل الأمد
في الخلفية تلعب المصالح الإسرائيلية دوراً أساسياً في السياسة الأمريكية تجاه سوريا والمنطقة. فقد مثلت وثيقة خطة ينون (1982) للصحفي والدبلوماسي الإسرائيلي عوديد ينون، المستشار السابق لرئيس الوزراء أرييل شارون، والتي نشرت في مجلة “كيفونيم” التابعة للمنظمة الصهيونية العالمية، محاولة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط استراتيجياً. حيث تنطلق الخطة من فرضية أن التفوق الإسرائيلي طويل الأمد يعتمد على تفكيك الدول العربية الكبرى إلى كيانات صغيرة على أسس طائفية وإثنية، ما يولد فوضى مزمنة ويضعف قدرة الدول على تشكيل تهديد حقيقي لإسرائيل.
حسب ميشيل شوسودوفسكي من مركز دراسات العولمة Global Research، الوثيقة ما تزال حجر زاوية لفهم السياسات الإسرائيلية المعاصرة، بما في ذلك مشروع إسرائيل الكبرى، الذي يسعى لتوسيع النفوذ الإسرائيلي ليشمل أجزاء من لبنان وسوريا والأردن والعراق ومصر والسعودية، مع الحفاظ على هذه المناطق ضعيفة ومجزأة.
وأكدت تصريحات قادة مثل بنيامين نتنياهو وبتسلئيل سموتريتش استمرار هذا المشروع، الذي يتم تغطيته بخلفيات دينية وتوراتية تتحدث عن “الأرض الموعودة” الممتدة من النيل إلى الفرات.
هذا السياق يفسر جزئياً التحفظ الأمريكي تجاه سوريا في الفترة السابقة، إذ كان التحرك المباشر ضد الأسد قد يخل بتوازنات إسرائيلية حساسة وبخططها في تعميق الشرخ الاجتماعي بين المكونات السورية التي تبني عليها الآن سياستها القائمة على مبدأ “فرق تسد” والمطبقة لمشروع إسرائيل الكبرى، بينما في فنزويلا لم يكن هناك مثل هذا التعقيد.
لا يكمن الفارق الجوهري بين فنزويلا وسوريا في طبيعة الأنظمة وحدها، ولا في حجم الانتهاكات، بل في موقع كل منهما داخل حسابات القوة الأمريكية وحدودها. فنزويلا تقع ضمن مجال نفوذ تاريخي تعتبره واشنطن امتداداً لأمنها المباشر، وتتحرك فيه بأدوات أقل كلفة وبهوامش مناورة أوسع، حتى وإن كانت النتائج غير مضمونة. أما سوريا، فهي ساحة مكتظة بالتقاطعات الدولية والإقليمية، حيث أي تدخل مباشر يحمل مخاطر تصعيد مفتوح لا تملك الولايات المتحدة اليوم ترف تحمّله.
بهذا المعنى، لا تعكس السياسة الأمريكية تناقضاً بقدر ما تعكس تحوّلاً: من قوة توسعية واثقة بقدرتها على إعادة تشكيل العالم، إلى قوة أكثر حذراً، تحاول إدارة التراجع وتقليص الخسائر بدل فرض الهيمنة الشاملة.
وسوريا، حتى بعد سقوط نظام بشار الأسد، لا تدخل مرحلة الحسم، بل مرحلة جديدة من الصراع على الشكل والوظيفة والمستقبل، في ظل توازنات لم تُحسم بعد. أما السؤال الحقيقي، فلا يتعلّق بما إذا كانت واشنطن ستفرض خياراتها، بل بقدرتها الفعلية على ذلك، وبمدى استعداد القوى الأخرى، المحلية والدولية، للقبول أو المقاومة.
* مبدأ مونرو: هو إعلان سياسي أعلنه الرئيس الأمريكي جيمس مونرو عام 1823، يؤكد رفض الولايات المتحدة لأي تدخل أوروبي في شؤون دول نصف الكرة الغربي، ويشدد على عدم السماح بإنشاء مستعمرات أوروبية جديدة أو توسيع المستعمرات القائمة في الأمريكتين، مقابل عدم تدخل الولايات المتحدة في شؤون أوروبا.
** ملحق روزفلت: هو مبدأ في السياسة الخارجية الأمريكية صاغه الرئيس ثيودور روزفلت عام 1904، يُتيح للولايات المتحدة التدخل في الشؤون الداخلية لدول أمريكا اللاتينية إذا ارتكبت تلك الدول مخالفات تهدد الاستقرار أو الروابط مع المجتمع الدولي، وكان ذلك نتيجة للأزمة الفنزويلية في 1902–1903 الذي وسع الحق الأمريكي بالتدخل لمنع أي نفوذ أوروبي أو غيره في المنطقة.
اقرأ أيضاً: دور الاحتلال الإسرائيلي في سوريا: ثلاثة مسارات والهدف واحد









