لماذا لا تنخفض أسعار المحروقات بعد فتح مضيق هرمز؟

بقلم هلا يوسف
أشعلت أسعار المحروقات الجدل في سوريا بعد ارتفاعات متتالية فاقت قدرة المواطنين على تحملها، مما دفع بعضهم إلى التظاهر في الرقة، ومطالبات فيسبوكية متكررة إلى ضرورة خفضها. فتأثيرات كل عملية ارتفاع هي زيادة في تكاليف الإنتاج وبالتالي رفع أسعار جميع المواد الغذائية. وعلى الرغم من وجود سبب عالمي لهذا الارتفاع: “مضيق هرمز”، إلا أن الحالة الداخلية للسوق الإنتاجي السوري تساهم أضعاف المرات بارتفاع أسعار المحروقات.
وعليه شكلت وزارة الطاقة لجنة دائمة مختصة بتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية، بهدف تنظيم عملية التسعير بشكل واضح ومستقر. على أن تعمل اللجنة على وضع آلية تجمع بين الجهات الاقتصادية والمالية والنقدية في مكان واحد، حيث يترأسها معاون وزير الطاقة لشؤون النفط غياث دياب، وتضم ممثلين عن وزارات المالية والاقتصاد والصناعة، بالإضافة إلى مصرف سورية المركزي وجهات أخرى معنية بقطاع الطاقة.
وتقوم الفكرة الأساسية للجنة على ضبط سعر المحروقات بناءً على دراسة متكاملة تشمل تكلفة الاستيراد، وسعر الصرف، والتغيرات العالمية في أسعار النفط، وحتى مستويات الدعم الحكومي، بدلاً من تركها للقرارات اللحظية. ومن المفترض أن ترسل اللجنة توصياتها بشكل مستمر لوزير الطاقة، مما يعني تسعير المحروقات بحسب معايير مستقر وواضحة.
ارتفاع أسعار المحروقات… بداية سلسلة من التغييرات
وجود هذه اللجنة أصبح ضروري بعد أن ارتفعت أسعار المحروقات بنسبة 30% منذ بداية العام الحالي. حيث لم تقتصر انعكاساته على الصناعة، بل انعكس مباشرة على حياة الناس اليومية.
فعندما ترتفع كلفة الوقود، يصبح نقل البضائع أغلى، وتشغيل الأفران والمخابز أكثر كلفة، وحتى إنتاج المواد الغذائية يتأثر بشكل مباشر. وهذا ما يجعل المواطن يشعر أن الأسعار ترتفع في كل مكان، حتى لو لم يتغير شيء في سلعة معينة بشكل مباشر.
وفي 7 أيار الماضي، قامت الشركة السورية للبترول برفع أسعار المحروقات بنسب تراوحت بين 17% و30%. حيث ارتفع سعر ليتر المازوت إلى 0.88 دولار بدلاً من 0.75 دولار، كما ارتفع سعر بنزين أوكتان 90 إلى 1.10 دولار بعد أن كان 0.85 دولار، في حين وصل بنزين أوكتان 95 إلى 1.15 دولار مقارنة بـ0.91 دولار في السابق.
ولم يتوقف الأمر عند البنزين والمازوت فقط، بل شمل الغاز أيضاً، إذ ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي إلى 12.5 دولار بدلاً من 10.5 دولار، وكذلك الغاز الصناعي الذي ارتفع إلى 20 دولار.
وبررت الشركة هذه الزيادات بارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل والشحن في العالم، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار النفط والتأمين، وتراجع قيمة العملة المحلية، مما جعل تكلفة تأمين المادة أعلى من السابق.
لماذا يرتفع كل شيء بعد المحروقات؟
عند النظر إلى واقع الأمر، فإنه لا يتوقف عند المحروقات فقط، بل يبدأ منها. لأن الوقود يدخل في كل تفاصيل الإنتاج تقريباً. لذلك أي ارتفاع فيه يؤدي إلى سلسلة من الارتفاعات في السوق.
هنا يوضح الخبير المالي خلدون الطباع أن المحروقات تعتبر عصب الاقتصاد، لأنها تدخل في إنتاج معظم السلع، خاصة مع ضعف الإنتاج المحلي واعتماد البلاد على الاستيراد لتأمين احتياجاتها. والاستيراد يعتمد بشكل مباشر على العملة الأجنبية، وهذا ما يزيد الضغط بشكل مباشر على سعر صرف الليرة السورية، وبالتالي ترتفع الأسعار بشكل عام.
ومن زاوية أخرى، يوضح أمين سر جمعية حماية المستهلك في دمشق عبد الرزاق حبزة أن المحروقات لا تؤثر فقط على معيشة الناس اليومية، بل على الاقتصاد كله، لأنه يدخل في النقل والتجارة والصناعة. ويؤكد أن أي ارتفاع في الدولار أو في تكاليف الطاقة يقود إلى رفع أسعار المواد غير المدعومة، ما ينعكس في النهاية على المستهلك بشكل مباشر.
وهنا يمكن طرح مثال بسيط حدث منذ عدة أيام، وذلك عندما قررت وزارة الاقتصاد والصناعة تخفيض عدد أرغفة الخبز في الربطة من عشرة إلى ثمانية، بدلاً من رفع السعر. وجاء هذا القرار نتيجة ارتفاع تكاليف إنتاج الخبز بسبب زيادة أسعار المحروقات التي تشغل المخابز، بحسب ما أوضحت الوزارة.
لماذا لا تنعكس انخفاض أسعار النفط العالمية بسرعة على سوريا؟
لا يمكننا فصل أسعار النفط في سوريا عن الأحداث السياسية التي تحدث في العالم والتي تؤثر بدورها على أسعار النفط العالمي، خصوصاً ما يحدث في مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز في العالم. فمع الاضطرابات التي حدثت خلال الفترة الماضية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، واضطراب حركة الملاحة والمخاوف في أسواق الطاقة، اضطربت أسعار المحروقات في العالم كله.
وبعد توقيع الاتفاقيات السياسية وإعادة افتتاح المضيق، انخفضت أسعار المحروقات عالمياً بنسبة 5% تقريباً. وقد تفاءل السوريون بهذا الوضع آملين بانخفاض الأسعار في سوريا أيضاً. لكن ما حدث أن الأسعار بقيت كما هي دون تراجع.
وهنا يوضح الخبير الاقتصادي غازي المهايني هذا الأمر بأن أسعار النفط العالمية لا تنعكس بشكل مباشر وسريع على السوق السورية، لأن هناك عوامل وسيطة مثل تكاليف النقل والتأمين، بالإضافة إلى آلية الاستيراد والفروق الزمنية بين الشراء ووصول الشحنات. ويضيف أن الدعم الشامل للمحروقات لم يعد خياراً سهل التطبيق، ولذلك أصبح الحديث يدور حول الدعم الموجه الذي يركز على القطاعات الإنتاجية والنقل العام بدلاً من الدعم العام.
وكذلك يقول الخبير الاقتصادي يونس الكريم إلى أن تأثير أي انخفاض عالمي في أسعار النفط يحتاج وقتاً حتى يظهر محلياً، قد يمتد لعدة أشهر، ويعود السبب في ذلك إلى المخزونات التي تم شراؤها بأسعار مرتفعة سابقاً، بالإضافة إلى تكاليف الشحن التي لا تنخفض بنفس السرعة التي تنخفض فيها أسعار الخام.
بينما يتوجه خبراء اقتصاديون إلى أن الأسباب في عدم انخفاض أسعار المحروقات يعود إلى الواقع الاقتصادي المحلي، وهنا يشير الخبير المالي والاقتصادي خلدون الطباع أنه لا يمكن فصل هذا الموضوع عن الواقع النقدي العام، وأكد أن ارتفاع أسعار الوقود يرتبط بشكل مباشر بضعف الإنتاج المحلي والحاجة المستمرة للاستيراد بالعملة الأجنبية. ويشير الطباع إلى أن الضغط على القطع الأجنبي ينعكس تلقائياً على سعر صرف الليرة السورية، وهو ما يجعل أي انخفاض عالمي في النفط غير كافٍ وحده لخفض الأسعار محلياً.
الدعم بين الحاجة والقدرة… أين يقف الحل؟
يعد ملف المحروقات من الملفات الحساسة، لأنه يضغط على المواطنين والدولة في نفس الوقت. وتظهر حساسية هذا الموضوع بالمظاهرات التي خرجت في محافظة الرقة والتي طالبت بخفض الأسعار، ووجود إجماع بين الناس على ضرورة وجود دعم للمحروقات. لكن هل يمكن هذا الأمر؟
يرى عدد من المختصين أن معالجة أزمة المحروقات في سوريا لا يمكن أن تعتمد على التطورات الخارجية وحدها، حتى لو تحسنت أسعار النفط عالمياً. فهناك عوامل داخلية تلعب دوراً أساسياً في تحديد الأسعار المحلية، مثل الاستقرار الاقتصادي، وسعر الصرف، والسياسات المالية.
وهنا يقول الكريم أنه لتحقيق الدعم للمحروقات يجب التركيز أولاً على الداخل السوري، لأن تحسين الواقع الاقتصادي لا يتحقق فقط بانخفاض سعر النفط، بل يحتاج إلى بيئة اقتصادية مستقرة تدعم الإنتاج والاستثمار وتخفف الضغط على العملة المحلية.
بينما يرى المهايني أن الدعم الشامل قد يخفف العبء عن الناس، لكنه في الوقت نفسه يرهق الموازنة العامة ويستفيد منه الجميع دون تمييز. لذلك يطرح فكرة “الدعم الموجّه” الذي يركز على القطاعات الأكثر حاجة مثل النقل العام والإنتاج الزراعي والصناعي.
لكن في نفس الوقت يشير إلى أن رفع الدعم الكامل قد يؤدي إلى ارتفاع أكبر في الأسعار والمعيشة، بينما استمرار الدعم الجزئي قد يكون خيار مناسب ومتوازن في المرحلة الحالية.
في الختام، أسعار المحروقات تشكل حلقة من سلسلة طويلة من الارتباطات بالأسعار العالمية، وحجم الإنتاج الداخلي. ومن يريد أن يبني اقتصاداً قوياً لا بد من التوجه نحو دعم الأنتاج المحلي بالدرجة الأولى، لأنها الطريقة المضمونة لتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي.
اقرأ أيضاً: الطاقة وأسعار المحروقات: المواطن والسرافيس يدفعون الثمن!









