
الكاتب: أحمد علي
دفءُ المطبخ ليس تفصيلاً صغيراً حين تتحول أسطوانة الغاز إلى مؤشر يومي على المزاج الاقتصادي، فخبرٌ عن تأخر توريدات أو شائعة عن نقص مفاجئ قد يكفيان لتحريك الأسعار أسرع من قدرة الأسر على التكيّف، وبين قلق الناس ووعود ضبط الإمدادات تزداد الحاجة إلى فهم ما يجري بهدوء قدر الإمكان دائماً.
سعر أسطوانة الغاز
عاد مؤخراً سعر أسطوانة الغاز إلى واجهة الحديث في دمشق وريفها، بعدما تداول مواطنون أن السعر لدى بعض نقاط البيع غير الرسمية اقترب من 200 ألف ليرة سورية، في وقت تُظهر مؤشرات التسعير الرسمية أن السعر يدور حول 122 ألف ليرة للأسطوانة سعة 10 كيلوغرام.
الفجوة هنا لا تُقرأ كرقمٍ مجرد، بل كدليل على أن الوصول إلى السعر الرسمي لا يجري بالسهولة نفسها للجميع، وأن تعثراً قصيراً في مسار التوزيع قد يخلق سوقين متوازيين.
فجوة السعر بين الرسمي والموازي
جزء من التفسير يرتبط بطبيعة التسعير، فحين يُحدد سعر أسطوانة الغاز بسعر مرجعي بالدولار ثم يُحوّل إلى الليرة، تصبح حركة سعر الصرف عاملاً دائماً حتى لو لم تتغير الكلفة الأساسية. وتدخل فوق ذلك كلفة النقل والعمولات وهوامش الربح، ثم يأتي عامل الندرة المؤقتة، فالانتظار الطويل أو ضعف قنوات التوزيع يدفع بعض المستهلكين إلى السوق الموازي لتفادي الدور، وهو ما تناولته تقارير سابقة عن ارتفاعات كبيرة عندما تتباطأ الإمدادات.
وكان قد أعلن في تموز 2025 إلغاء العمل بنظام البطاقة الإلكترونية (الذكية) والدور الإلكتروني الخاص بتوزيع الغاز المنزلي. وبرأي البعض، فإن التغييرات من هذا النوع قد تُحسن الخدمة على المدى البعيد، لكنها في فترات الانتقال قد تخلق ارتباكاً في المعلومات وتفاوتاً في التطبيق، وهو ما ينعكس سريعاً على سعر أسطوانة الغاز.
شائعات النقص وتبدل الطلب
الأسواق لا تتحرك بالوقائع وحدها، بل بما يصدقه الناس أيضاً، وفي السلع الأساسية يكفي انتشار رواية عن فقدان المادة لساعات حتى يتشكل طلب احترازي، فيشتري من يستطيع قبل غيره، ثم تتضاعف الحركة ويظهر نقصٌ مصطنع ولو كان المخزون كافياً. لذلك تتكرر في أحاديث الناس فكرة فقدان الغاز ليوم أو يومين ثم هدوء المشهد، لأن السبب قد يكون اختناقاً عند نقطة توزيع بعينها.
إلى جانب عامل الشائعة يبرز الطلب الحقيقي، فقرارات تعديل تعرفة الكهرباء التي طُبقت في الأشهر الماضية غيّرت حسابات جزء من الأسر، إذ أوضحت وزارة الطاقة أن التعرفة الجديدة قُسمت إلى شرائح تراعي الاستهلاك في إطار إصلاح القطاع وتحسين الاستدامة. ومع ارتفاع كلفة بعض الاستخدامات المنزلية يصبح من المتوقع أن يزيد الاعتماد على الغاز في الطهي وتسخين الماء، ثم يأتي اقتراب رمضان ليضيف ضغطاً إضافياً يرتبط بكثرة إعداد الطعام وارتفاع وتيرة الاستهلاك اليومي.
تفسيرات رسمية وعوامل الإنتاج
على الجانب الرسمي، تؤكد التصريحات أن الإمدادات تسير ضمن برامج تشغيل وتوزيع هدفها استقرار السوق، إذ نقلت وكالة الأنباء السورية عن مدير الاتصال المؤسساتي في الشركة السورية للبترول أن إمدادات الغاز المنزلي تسير وفق المستويات المخططة، مع استمرار التوزيع رغم الارتفاع الموسمي في الطلب خلال الشتاء، مع الإشارة إلى العمل على رفع الإنتاج.
وضمن سياق الشتاء، تحدثت سانا أيضاً عن إجراءات ورفع للطاقة الإنتاجية في بعض المحافظات لتلبية الطلب المتزايد في ظل الأحوال الجوية السائدة، مع التركيز على منع التجاوزات في التوزيع.
وبين رواية السوق التي ترى السعر يرتفع بسرعة ورواية المؤسسات التي تتحدث عن استقرار الإمداد، تظهر منطقة وسطى تفسر كثيراً من التناقض، فالسلسلة اللوجستية للغاز تتأثر بأكثر من حلقة، من وصول التوريدات إلى تشغيل وحدات التعبئة ثم انتظام النقل والتوزيع، وأي تعثر قصير في حلقة واحدة قد يخلق ازدحاماً وازدواجية في الأسعار حتى لو بقيت الكميات الإجمالية ضمن الخطة.
رمضان وتوقعات الأسعار القادمة
عادة الأسابيع التي تسبق رمضان تكون اختبار لمرونة الإمدادات، لأن الطلب يرتفع بالتزامن مع ضغط مالي على الأسر، وما يحدث لسعر أسطوانة الغاز في هذه الفترة يترك أثراً مباشراً على ميزانية الطعام. فإذا نجحت الجهات المعنية في تعزيز الإنتاج وتوجيه التوزيع نحو المناطق الأكثر ضغطاً، يمكن أن يتراجع سعر أسطوانة الغاز في السوق الموازي تدريجياً، أو على الأقل يتقلص الفارق مع السعر الرسمي، لكن استمرار أي اختناقات سيُبقي الباب مفتوحاً أمام موجات ارتفاع قصيرة.
وعلى مستوى المستهلك، يقلل الاعتماد على القنوات غير الرسمية من كلفة المخاطرة، لأن الفارق في سعر أسطوانة الغاز لا يعكس الكلفة فقط بل قد يعكس أيضاً ضعف شروط السلامة أو مشاكل الوزن، وهي خسائر لا تُقاس فوراً بالمال. ومع أن الحلول الفردية لا تعالج المشكلة من جذورها، فإنها تساعد على خفض الطلب الاندفاعي الذي يغذي الارتفاعات، فحين يطمئن الناس إلى انتظام التوزيع تتراجع الحاجة إلى الشراء الاستباقي ويستعيد سعر أسطوانة الغاز مساراً أكثر هدوءاً.
في النهاية ليست القضية رقماً يتغير على لافتة، بل توازن بين إنتاج وتوزيع وتسعير وسلوك استهلاكي، فيما يبقى الاستقرار رهناً بقدرة المنظومة على أن تسبق الشائعات بالبيانات وأن تسبق السوق الموازي بتوفير أوضح وأكثر عدلاً.
اقرأ أيضاً: سوريا والغاز: “تريليونات” محتملة… لكن من يغامر بالاستثمار؟









