سياسة

لماذا رفع الجيش السوري جاهزيته على الحدود مع العراق؟ وما الذي يحدث فعلاً؟

بقلم هلا يوسف

من يقرأ نشرات الأخبار وما يتم نشره على مواقع التواصل الاجتماعي، يشعر أن هناك جهات تسعى إلى إدخال سوريا في حرب مع العراق أو لبنان، على الرغم من وضوح سياسة سوريا الثابتة بعدم التدخل في شؤون الدول، وإخراج البلد من دائرة أي صراع حاصل في المنطقة. إلا أن الشائعات وتضخيم كل تحرك عسكري يفتح أبواب الاحتمالات على مصراعيها، ووصلت الأمور إلى قيام حرب على فيسبوك لا أساس لها من الصحة على أرض الواقع. وهذا ما حدث تماماً مع إعلان رفع الجاهزية القصوى للجيش السوري على حدوده مع العراق. فالحرب الأمريكية الإيرانية جعلت كل شيء ممكناً. ليبقى السؤال المطروح: لماذا رفعت وزارة الدفاع جاهزية الجيش؟ وما حقيقة الفيديوهات المتداولة حول هروب الحشد الشعبي؟ وما احتمالات انجرار سوريا إلى حرب مع العراق؟

تحركات عسكرية… لكن دون إعلان عن تصعيد

بدأت الأخبار تتسارع بعد معلومات تحدثت عن رفع الجيش السوري حالة الاستنفار بين وحداته المنتشرة على الحدود مع العراق، مع تحريك وحدات مدرعة باتجاه المنطقة. وجاء ذلك بعد مناوشات محدودة تخللها استهداف مروحية كانت تقوم بجولة مراقبة روتينية.

وعلى الرغم من التزام وزارة الدفاع الصمت، وترك الأمر دون أي توضيح من أي جهة رسمية يشرح أسباب هذه التحركات، بدأت الشائعات والتفسيرات تتوالى على مواقع التواصل الاجتماعي.

غير أن الموقف العراقي جاء حاسماً وواضحاً تجاه هذه الشائعات، إذ أكد قائد قوات الحدود العراقية أن الأوضاع على الحدود طبيعية، وأن التحركات التي ينفذها الجيش السوري تتم بعلم بغداد وبالتنسيق معها، مشيراً إلى استمرار تبادل المعلومات الأمنية بين الجانبين، وعدم وجود أي تهديد مباشر على الحدود في الوقت الحالي.

هذا يعني أن ما يجري لا يشير بالضرورة إلى مواجهة بين البلدين، بل قد يكون جزءاً من إجراءات استباقية تقوم بها الحكومة السورية لتأمين حدودها في ظل الظروف الإقليمية الحالية.

حدود حساسة وتحديات أمنية لا تتوقف

من يعرف الحدود السورية العراقية يعرف تماماً أنها منطقة ليست عادية، فهي تمتد لأكثر من 600 كيلومتر، وخلال السنوات الماضية كانت تشهد نشاطاً لعمليات التهريب وتحركات لخلايا تنظيم “داعش”، إلى جانب وجود جماعات مسلحة تنشط في بعض المناطق الحدودية. لذلك عزز العراق حدوده عبر إنشاء جدران إسمنتية وسواتر ترابية في أجزاء واسعة من الحدود، بينما تواصل القوات السورية وحرس الحدود عمليات المراقبة لمنع تهريب الأسلحة والأشخاص، خاصة أن بعض طرق التهريب تمتد أيضاً باتجاه لبنان.

غير أن سوريا لديها حدود معقدة على أكثر من جبهة، حيث تواجه تحديات أمنية في الجنوب متمثلة باستمرار التوغلات الإسرائيلية داخل مناطق من ريفي درعا والقنيطرة، بينما أعلن الجيش اللبناني ضبط صواريخ من نوع “غراد” في منطقة جرد عرسال، قال إنها دخلت من الأراضي السورية.

لذلك عندما ننظر إلى هذه التطورات مجتمعة، يصبح من الطبيعي أن تسعى دمشق إلى تعزيز انتشار قواتها ورفع مستوى الجاهزية، حتى من دون الإعلان عن وجود عملية عسكرية قريبة.

الشائعات تنتشر أسرع من الأخبار

من تابع الأخبار أمس لا بد أنه لمس نوعاً من محاولة جر سوريا إلى مواجهة مع العراق، أو بالأصح مع “الحشد الشعبي”، عبر تداول مقاطع فيديو تزعم أنها اشتباكات بين الطرفين وهروب الأخير بعد وصول الجيش السوري إلى معبر اليعربية.

لكن التحقق من الفيديو أظهر أنه ليس جديداً، بل يعود إلى شهر كانون الثاني الماضي، وتمت إعادة نشره في غير وقته الحقيقي. كما تبين خلال الأشهر الماضية أن عدداً من المقاطع المتداولة عن الحدود السورية العراقية كانت قديمة أو مرتبطة بأحداث مختلفة، ثم أعيد استخدامها لإعطاء انطباع بوجود تصعيد جديد.

ولا تقتصر الشائعات على مقاطع الفيديو فقط، بل تشمل أيضاً إعادة نشر تصريحات قديمة أو أخبار غير دقيقة، خاصة مع تصاعد التوتر في المنطقة. لذلك ينصح دائماً بالاعتماد على المعلومات الصادرة عن الجهات الرسمية أو المصادر الموثوقة، وعدم الأخذ بما يتم نشره على مواقع التواصل الاجتماعي.

هل يمكن أن تتطور الأمور إلى مواجهة؟

بعد كل ما سبق يصبح السؤال المشروع والأكثر تداولاً هو: هل يمكن أن تتحول هذه التحركات إلى مواجهة عسكرية؟ حتى الآن لا توجد مؤشرات رسمية على ذلك، بالرغم من وجود بعض المناوشات خلال الفترة الماضية في المناطق الحدودية. إلا أن هذه الحوادث بقيت محدودة ولم تتحول إلى مواجهة مباشرة بين الحكومتين السورية والعراقية.

ويرى الباحث في العلاقات الدولية محمود علوش أن بعض الجماعات الموالية لإيران تحاول زيادة الضغط على سوريا من خلال توسيع دائرة التوتر، بهدف جرها إلى صراع أوسع يخدم حساباتها الإقليمية. لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن الأولوية بالنسبة لدمشق هي حماية حدودها وتجنب أي خطوات قد تؤدي إلى الانجرار نحو حرب جديدة.

كما يعتقد أن استمرار التنسيق الأمني بين سوريا والعراق يمثل عاملاً مهماً في احتواء أي تصعيد، حتى مع وجود تحديات مرتبطة بنشاط بعض الفصائل المسلحة، وهو ما يجعل احتمال المواجهة الشاملة أقل من الصورة التي يتم تداولها على مواقع التواصل.

في النهاية، يبدو أن ما يجري على الحدود السورية العراقية هو مجرد إجراءات احترازية لمنع أي خرق يؤدي إلى حرب لا يريدها أي من الطرفين. ويجب التذكير بأن الساحة السياسية في الشرق الأوسط برمتها مفتوحة على الشائعات التي من شأنها أن تزيد التوترات على مواقع التواصل الاجتماعي، لذلك يجب الحرص على عدم تداول هذه الشائعات، وأخذ الأخبار من مصادرها الرسمية.

اقرأ أيضاً: من هو جيا كوباني النائب الثاني في الفرقة 60 في الجيش السوري؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى