المجتمع السوري

لماذا تحولت قضية بئر المياه إلى احتجاجات واسعة في عين منين؟

بقلم هلا يوسف

اعتقد كثيرون أن المشكلة في منطقة عين منين بريف دمشق انتهت مع اجتماع وجهاء البلدة ومسؤولين حكوميين، إلا أن الأهالي اليوم أعلنوا الإضراب، ودعوا إلى اعتصامات تطالب بالإفراج عن المعتقلين. والمشكلة بالأساس ليست حفر بئر ماء، بل بطريقة التعامل مع شكاوى الأهالي المتكررة، وأزمة مياه جعلت الناس تطالب بحقوقها، لكن من يتعمق في تفاصيل القضية سيجد أن هناك روايتين تنمان عن وجود اختلاف في النظر إلى المشكلة. فما هي التفاصيل كما يرويها الأهالي والجهات المسؤولة؟ وكيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟ ولماذا تحولت أعمال في أحد الآبار إلى أزمة شغلت الرأي العام؟

جذور الأزمة.. لماذا يعترض أهالي عين منين؟

لفهم ما حدث يجب العودة إلى أساس المشكلة، فهي ليست وليدة اليوم، وإنما امتداد لخلاف قديم حول توزيع المياه بين عين منين ومدينة التل.

إذ تقع منطقة بعرجل ضمن أراضي عين منين، وتضم عددًا من الآبار التي يعتمد عليها مشروع مياه المنطقة. ومنذ سنوات، يشعر كثير من أبناء البلدة بأن توزيع المياه لا يتم بصورة عادلة، وأن الجزء الأكبر من المياه المستخرجة من هذه الآبار يذهب إلى مدينة التل، بينما تبقى عين منين تعاني من نقص كبير بالمياه.

ويقول الأهالي إنهم يعيشون هذه المشكلة بشكل يومي، إذ لا تصل المياه إلى منازلهم إلا مرة واحدة في الأسبوع، وأحياناً مرة كل أسبوعين خلال أشهر الصيف، وهذا ما يجعلهم يضطرون إلى شراء المياه أو تخزينها بكميات كبيرة لمواجهة فترات الانقطاع الطويلة.

وبحسب ما قاله عدد من أبناء البلدة، فإن منطقة بعرجل تضم آباراً كثيرة، حوالي 15 بئراً، لكن الحصة الأكبر منها مخصصة لتغذية مدينة التل، في حين تعتمد عين منين على عدد أقل من الآبار، هو 5 آبار، رغم أن معظم هذه المصادر تقع ضمن أراضيها.

ويؤكد الأهالي أن المسؤولين عن المياه حاولوا تعميق بئر مياه لأكثر من 250 متراً، وذلك يعني حرمان الأهالي من مياههم الجوفية واستنزافها، مما ينعكس مباشرة على الآبار التي تعتمد عليها عين منين، ويجعل وصول المياه إلى المنازل أكثر صعوبة في المستقبل، بالإضافة إلى أن البئر بالأساس مقام على أرض خاصة، وليست تحت أملاك الدولة، وهذا ما جعل المواجهة أكثر حساسية.

ويضيف عدد من السكان أن البلدة لم تكتفِ بالاعتراض، بل حاولت تحسين واقعها بنفسها، إذ جمع الأهالي أكثر من 400 ألف دولار لإعادة تأهيل شبكة المياه داخل البلدة، بهدف تخفيف الهدر وتحسين وصول المياه إلى المنازل.

كما يؤكد الأهالي أن اعتراضهم لا يستهدف سكان مدينة التل، وإنما يطالب بضمان حصول عين منين على احتياجاتها أولاً، قبل نقل الكميات الزائدة إلى مناطق أخرى، مما يضمن لهم حقهم في الاستفادة من الموارد الموجودة ضمن حوضهم المائي.

من الاحتجاج إلى المواجهات

مع انتشار أخبار عن بدء العمل في أحد آبار بعرجل، خرج عدد من أبناء عين منين بعد صلاة الجمعة في تجمع سلمي، ثم توجهوا إلى موقع الأعمال للمطالبة بوقفها حتى يخرج المسؤولون ويوضحوا أسباب العمل بها، خصوصاً بعد انتشار معلومات متناقضة حول ما إذا كانت الأعمال مجرد صيانة لبئر قديمة أم إنشاء بئر جديدة.

وبدأت التوترات بعد مناقشات بين المحتجين والجهات الموجودة في موقع العمل، حتى قام المحتجون بمحاولة إيقاف الحفارة الموجودة هناك، ومهاجمة الموظفين المدنيين ومحاولة قلب وتكسير الآليات الحكومية، قبل أن تتدخل قوى الأمن الداخلي، لتبدأ بعدها احتكاكات بين الطرفين.

وخلال وقت قصير، تحولت الاحتجاجات إلى مواجهات شهدت إطلاق نار في الهواء لتفريق المتظاهرين، بحسب ما قاله الأهالي، بينما أغلقت بعض الطرقات بعد إشعال إطارات السيارات، كما تعرضت بعض الآليات العاملة في الموقع لأضرار.

وبعد انتشار قوات الأمن في البلدة، أعلنت القوى الأمنية عن توقيف عدد من الأشخاص بسبب ما حدث، في الوقت الذي أكد أبناء البلدة أن عدداً من شبابها ما زالوا موقوفين، وهذا ما زاد من حالة الاحتقان.

ولذلك بدأت اليوم ردود الفعل بالازدياد بعد إعلان التجار والأهالي إضراباً عاماً، كما دعوا إلى اعتصامات جديدة للمطالبة بالإفراج عن جميع المعتقلين، مطالبين بإيجاد صيغة حوار مناسبة لعلاج المشكلة بدلاً من الحل الأمني.

روايتان مختلفتان حول ما جرى

في كل قضية تحدث اليوم في سوريا، تخرج فوراً روايتان متناقضتان، واحدة ترويها الحكومة، والثانية يرويها الأهالي. وقضية عين منين حصل فيها الشيء نفسه. فقد قالت محافظة ريف دمشق ومديرية الإعلام والشركة العامة لمياه الشرب إن الأعمال المنفذة لا تتعلق بحفر بئر جديدة، وإنما هي أعمال صيانة وتعزيل للبئر رقم 14 التابعة لمشروع مياه بعرجل، بهدف تحسين التغذية المائية لمنطقة التل واستمرار الخدمة.

وأكدت أنه تم الاجتماع مع ممثلين عن البلدة قبل تنفيذ هذه الأعمال، وأن المشروع يجري ضمن اختصاص مؤسسة المياه وبحسب القوانين النافذة، نافيةً معلومة أن أعمال البئر تجري داخل أملاك خاصة أو أنهم يقومون بإنشاء آبار جديدة كما جرى تداوله.

في حين قال الصحفي أنس الكردي، وهو أحد أبناء عين منين، أن ما جرى لا يتطابق مع ما قالته الجهات الرسمية، حيث أكد أن الأعمال كانت في موقع جديد داخل أرض خاصة، وأن مالك الأرض تقدم بدعوى قضائية اعتراضاً على المشروع، وكان من المفروض أن يتم انتظار القرار القضائي قبل متابعة العمل.

كما يرى الكردي أن القضية لا تتعلق بالبئر وحدها، وإنما بغياب الشفافية في إدارة ملف المياه، حيث نقل كلام الأهالي بإنهم لم يحصلوا على توضيحات كافية منذ البداية، الأمر الذي فتح الباب أمام الشائعات وزاد من حالة التوتر.

ويؤكد عدد من أبناء البلدة أنهم لا يرفضون تحسين واقع المياه في المناطق المجاورة، لكنهم يطالبون أولًا بحل مشكلة نقص المياه في عين منين، التي ما تزال تعاني من التقنين الشديد رغم وجود مصادر مائية ضمن أراضيها.

ويستندون في كلامهم السابق إلى قانون التشريع المائي رقم 31 لعام 2005، والذي يمنح الأولوية لتأمين مياه الشرب للمجتمع المحلي الموجود ضمن الحوض المائي، قبل نقل المياه إلى مناطق أخرى، ويطالبون بتطبيق هذا المبدأ عملياً.

أزمة تتجاوز عين منين

ومع أن المشكلة حدثت في عين منين، إلا أنها لا تقتصر على هذه المنطقة فقط، بل إن أزمة المياه تغطي سوريا كلها، وبالأخص محافظة ريف دمشق التي تعاني معظم مناطقها من شح المياه، خصوصاً خلال الصيف بسبب زيادة الاستهلاك، وتراجع الموارد المائية، والحفر الجائر للآبار، بالإضافة إلى التوسع العمراني الذي زاد الضغط على الشبكات المائية.

وعلى الرغم من أن الموسم المطري الماضي كان جيداً، فإن ذلك لم ينهِ أزمة المياه بشكل كامل. فقد أعلنت مؤسسة المياه أن منسوب نبع عين الفيجة، كما سجل حوض دمشق معدلات هطول تجاوزت 110% من المعدل السنوي، وهو ما ساهم في زيادة كميات المياه الواردة إلى دمشق وريفها. كما أوضحت المؤسسة أن حوض عين الفيجة يعد من الأحواض التي تتجدد مياهها بفعل الأمطار والثلوج، إلا أن هذا التحسن لم ينعكس بالقدر نفسه على جميع المدن والبلدات، إذ لا تزال مناطق كثيرة في ريف دمشق تعاني من التقنين وشح المياه، خاصة خلال فصل الصيف.

في النهاية، تبدو أزمة بعرجل أكبر من خلاف حول بئر أو مشروع صيانة، فهي تكشف حجم أزمة المياه في المنطقة، والخلاف في التوزيع، ففي الوقت الذي يحاول أهالي عين منين تأمين المياه لحاجياتهم الأساسية، يتهمون أشخاص متنفذين في مؤسسة المياه بأنهم يستجرون المياه لصالح مزارع ومسابح في التل. وتبقى القضية مفتوحة للرأي العام بعد إعلان الأهالي الإضراب والاعتصام.

اقرأ أيضاً: مزارع ريف دمشق: مشروع استثماري يواجه مخاطر المياه والزراعة

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى