لماذا تحتاج بيئة الأعمال في سوريا إلى مركز تحكيم تجاري؟

إعداد: لمى ابراهيم
أعلنت غرفة تجارة دمشق مؤخراً عن سلسلة مبادرات جديدة بالتعاون مع وزارة الاقتصاد والصناعة، كان من أبرزها العمل على إنشاء مركز تحكيم تجاري يُعنى بفض النزاعات التجارية بين التجار السوريين، ويقدّم خدماته للمستثمرين الأجانب الراغبين بتأسيس أعمالهم في البلاد.
تأتي هذه المبادرة في وقت تحاول به الجهات المعنية بناء الثقة في بيئة الأعمال السورية، خصوصاً في ظل المشهد القضائي الرديء الذي تعاني منه سوريا وما يلحق به من بطء الإجراءات، ونقص التخصص، وضعف التنفيذ.
ولكن ما هو التحكيم التجاري وكيف يمكن أن يفيد بيئة الأعمال السورية؟
التحكيم التجاري
قد يبدو هذا المصطلح صعب التفسير لمن ليس له أي دخل بالتجارة لكن في الحقيقة تفسيره بسيط ويمكن أن يتم تعريفه بعدة طرق، على سبيل المثال، هو أداة أساسية لضمان أمن واستقرار الاستثمارات، وهو من المعايير التي يعتمد عليها المستثمرون لتحديد وجهاتهم حول العالم وأين سيستثمرون، وإن كانت البلاد التي سيستثمرون فيها تضمن لهم حقوقهم وتجد لهم الحلول في حال النزاعات.
يعرّف التحكيم التجاري أيضاً بأنه وسيلة يختارها الأطراف -الأشخاص أو الشركات- لتسوية نزاعاتهم بدلاً من الدخول في دوامة التقاضي أمام المحاكم، وتتم العملية التحكيمية بواسطة هيئة تحكيمية محايدة تصدر قرارها بشكل نهائي وملزم وقابل للنفاذ.
يمكن أن يتم التحكيم التجاري بأشكال مختلفة مثل التحكيم المخصص -أي اختيار محّكم حر أو خاص دون العودة لمركز تحكيم تجاري-، أو التحكيم المؤسسي – أي اختيار مركز تحكيم معروف حيث تكون القواعد لديه جاهزة ونظامه واضح لإدارة النزاع-، ويمكن إجراؤه إما محلياً أو دولياً، وتخضع عملية التحكيم عادةً للقواعد المنصوص عليها في اتفاقية التحكيم أو قواعد مؤسسة التحكيم.
ويمكن استخدام التحكيم التجاري لحل مجموعة واسعة من النزاعات، بما في ذلك النزاعات المتعلقة بالتجارة و الهندسة والعقارات و الاستثمار و المحاسبة و الملكية الفكرية و الخدمات اللوجستية و تكنولوجيا المعلومات وغيرها من المجالات العديدة.
ببساطة التحكيم التجاري هو طريق أقصر وأكتر خصوصية لحل الخلافات بدل أن تتورط الشركات بمحاكم قد تطول لسنوات.
اقرأ أيضاً: أبحاث سورية تسقط في اختبار النزاهة وتُسحب من التصنيف العالمي.. كيف وما التداعيات؟!
ولكن لماذا تفضل الشركات اللجوء إلى مراكز التحكيم بدلاً من القضاء؟
يوجد عدة فروقات مهمة تجعل الشركات أو الأطراف المتنازعة في استثمارات أو تجارة تميل للابتعاد عن القضاء، مثلاً القضاء مكلف ومرهق في آن معاً حتى عندما يتم حسم القضايا لصالحها، فالتقاضي في الغالب يستنزف الوقت والموارد المالية، حيث يتم إنفاق مبالغ كبيرة على أتعاب المحامين والشهود والإفادات، وكل ذلك يحدث في مراحل ما قبل المحاكمة، رغم أن أغلب القضايا تُسوّى قبل أن تصل إلى حكم قضائي نهائي.
العلنية أيضاً سبب آخر يدفع كثر للابتعاد عن القضاء، إذ يتم تسجيل الدعاوى القضائية في ملفات عامة هذا يعني أنه يمكن للمعلومات الحساسة أو السرية أن تنكشف ويمنح المنافسين فرصة للاطلاع على تفاصيل دقيقة تتعلق بالشركة.
كما أنه مجرد رفع دعوى يمكن أن يخلق دعاية سلبية ويؤثر على سمعة الشركة، بينما لا تحظى أحكام البراءة أو الرفض بنفس التغطية، وغالباً ما تأتي بعد سنوات من المعاناة.
كذلك طلب المحاكم مستندات مالية دقيقة مثل السجلات الضريبية أو بيانات الأرباح، قد يشكل خطراً على التنافسية بين الشركات، ورغم وجود أوامر حماية، إلا أن مجرد إدراج الوثائق في ملفات المحكمة يجعلها في متناول أطراف خارجية مهتمة، ومنها المنافسون.
لذا يُنظر إلى التحكيم التجاري بديلاً آمناً عن التقاضي في المحاكم فهو يتميز بالسرية، ويحفظ خصوصية النزاع، كما أنه يوفر مرونة كبيرة من حيث اختيار المحكّم، وتحديد الإجراءات، واختيار المكان والقواعد التي تنظم العملية.
كما أن التحكيم أسرع بكثير من التقاضي التقليدي، إذ يُحسم النزاع خلال أشهر قليلة دون الحاجة للمرور بجولات استئناف طويلة، وهذه المزايا تجعل منه الخيار المفضل لدى الشركات، خاصة في البيئات الدولية، إذ يوفّر ثقة إضافية للمستثمر الأجنبي أو المغترب الباحث عن حل عادل للنزاع خارج أروقة المحاكم.
اقرأ أيضاً: وزارة العدل تقرر تشكيل لجنة قضائية لمراجعة أحكام محكمة الإرهاب
وفي حالة سوريا إن وجود مركز تحكيم تجاري مهم جداً، ذلك لأن منذ سنوات طويلة يعاني النظام القضائي في البلاد من مشكلات عميقة، جعلته عاجزاً عن أداء دوره الأساسي في الفصل العادل والسريع بين الخصومات، ومن أبرز هذه المشكلات بطء الإجراءات، نقص الكوادر القانونية المتخصصة في الشأن التجاري، التداخلات في عمل السلطة القضائية، وفقدان الثقة العامة، لا سيما من قبل المستثمرين المحليين والأجانب.
وقد تفاقمت هذه التحديات خلال العقود الماضية، بسبب انتشار الفساد في مؤسسات الدولة ومفاصل القضاء، ما جعل اللجوء إلى المحاكم عبئاً أكثر من كونه وسيلة لتحقيق العدالة.
وبالرغم من التغييرات السياسية التي شهدتها البلاد مؤخراً ما زال الإرث الثقيل من سوء الإدارة والفساد القضائي موجوداً وبقوة.
جدير بالذكر أنه يوجد في سوريا عدد من المحكّمين التجاريين، كما يوجد مراكز تحكيم خاصة تنتشر في عدد من المحافظات، مثل مركز اتحاد غرف التجارة السورية للتحكيم، ومركز العدل والإحسان وغيره، وتدار مثل هذه المراكز الخاصة من قبل محامين وتجني أرباحاً كبيرة، وكلها تعتمد على قانون التحكيم السوري رقم 4 لعام 2008.
ولكن القانون السوري أقر على الأطراف المتنازعة اللجوء للتحكيم القضائي من خلال اختيار محكّمين مسجلين في قوائم رسمية معتمدة من القضاء، ومنهم قضاة.
وهنا يكمن الفرق بين الوضع القائم حالياً والمبادرة الجديدة لإنشا ءمركز التحكيم، إذ سيكون مؤسسة مستقلة لها نظامها القانوني الثابت وتكتسب ثقة ومصداقية مع مرور الزمن تماماً كما هو الحال مع المراكز الناجحة لمراكز التحكيم في الدول المجاورة والعالم التي سنذكر بعضها.
من أبرز هذه النماذج، مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي، الذي تأسس عام 1979 وهو من أقدم المراكز في المنطقة وأكثرها نشاطاً ويتميز باستقلاله الإداري واعتماده قواعد مرنة تناسب بيئة العمل التجاري.
وقد لعب المركز دوراً محورياً في تسوية آلاف القضايا، وساهم في تعزيز ثقافة التحكيم عبر تقديم الدعم الفني والاستشارات، وتسهيل تنفيذ قرارات التحكيم، إلى جانب التنسيق بين مختلف الجهات العاملة في هذا المجال داخل المنطقة.
كما يعدّ مركز التحكيم التجاري لدول الخليج في البحرين، تجربة مهمة على مستوى المنطقة، تأسس عام 1995 كمؤسسة مستقلة تعنى بتوفير بيئة قانونية مرنة لحل النزاعات بين الكيانات الخليجية، ويستند إلى قواعد مستمدة من لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي (الأونسيترال)، ويضم قائمة من المحكمين المتخصصين في مجالات متنوعة.
أما عالمياً، فيمكن الاستفادة من نموذج المحكمة الدولية للتحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية في باريس التي تأسست عام 1923.
ومنذ ذلك الحين عُرفت المحكمة بدقتها في الإجراءات وحرصها على جودة القرارات الصادرة عنها، وهي تضم فرقاً قانونية متخصصة في مكاتبها المنتشرة حول العالم، وتتمتع بقدرة كبيرة على إدارة القضايا بلغات عديدة، من بينها العربية، وتعمل على تحسين آليات التحكيم من حيث الوقت والتكلفة والكفاءة.
أما من حيث طريقة الاستفادة من هذه النماذج، يمكن القول أنه من المهم أن يتمتع هذا مركز التحكيم التجاري في سوريا بالاستقلالية الإدارية والقانونية، بعيداً عن التدخل القضائي المباشر، كما يجب أن تكون قواعد التحكيم واضحة ومرنة، مستندة إلى نماذج دولية مثل الأونسيترال أو مُعدّلة بما يتناسب مع البيئة السورية.
إضافة إلى أهمية وجود قاعدة من المحكمين المؤهلين من مختلف الاختصاصات، مثل القانون والهندسة والتمويل من أجل ضمان جودة الأحكام.
اقرأ أيضاً: «النيو ليرة» وطريق الوحدة الاقتصادية بين سوريا والسعودية.. حلم أم وهم؟!
ما هي قواعد الأونسيترال؟
هي مجموعة قوانين تم وضعها لمساعدة الشركات والأطراف على حل نزاعاتها بطريقة سلمية خارج المحاكم، عن طريق التحكيم.
تم اعتماد هذه القواعد أول مرة عام 1976، وبعدها تم تحديثها في عام 2010 لتناسب التطورات الجديدة في التجارة والتكنولوجيا.
تقوم هذه القواعد على أنه إذا كان هناك طرفان (أو أكثر) بينهم عقد واتفقوا مسبقاً على حل أي نزاع بينهم عبر التحكيم باستخدام قواعد الأونسيترال، فهذه القواعد يتم تطبيفها على النزاع، أي أن كل طرف يعرف منذ البداية كيف سيتم التعامل مع المشكلة.
وتؤكد القواعد على أن يكون المحكّمون محايدين، وليس لديهم أي مصلحة شخصية، وهي تسمح بتعيين محكّم واحد أو أكثر، حسب اتفاق الأطراف، وتعطي القواعد للمحكّمين أيضاً صلاحية تحديد التكاليف وتقسيمها بين الطرفين بحسب ظروف القضية ونتيجتها.
أما عن سير التحكيم، فتترك القواعد للمحكّمين حرية تنظيم الجلسات بالطريقة التي تناسب الجميع، سواء بالحضور الشخصي أو عبر الإنترنت، وتحدد مواعيد لتقديم الأوراق والمستندات، لكن يمكن تعديل هذه المواعيد إذا لزم الأمر.
في النهاية، يصدر المحكّمون قراراً يكون نهائياً وملزماً للطرفين يمكن طلب تصحيحه أو توضيحه في حال وجود خطأ فيه.
وبهذا نرى أن إنشاء مركز تحكيم تجاري في سوريا سيكون خطوة مهمة تسهم في إصلاح بيئة الاستثمار وتعزيز ثقة المستثمرين، وبالاستفادة من النماذج المختلفة الناجحة يمكن لسوريا أن تطور منظومة تحكيم تواكب المتغيرات الاقتصادية وتحمي مصالح الأطراف المختلفة بما يسهم بتحفيز النشاط التجاري والاقتصادي.
اقرأ أيضاً: الإنفاق العام في مواجهة أنقاض الاقتصاد السوري: هل المال وحده يصنع الاستقرار؟









