المجتمع السوري

لماذا أبدع السوريون في دول الاغتراب؟

بقلم هلا يوسف

لسنوات طويلة شغل إبداع السوريون العالم بطريقة مفاجئة، فما أن تفجرت الثورة السورية، خرج السوريون وهم يحملون شعلة حب المعرفة والعلم إلى دول العالم. حتى قامت قطاعات أساسية في تلك الدول عليهم، ففي ألمانيا تشير الإحصاءات أن السوريين عماد القطاع الطبي. وهذا لوحده يثير مشاعر الفخر بإنتاج عقول وطنية قادرة على إثبات ذاتها في أي مكان. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بشدة: لماذا لم نرى هذا الإبداع على أرضنا من قبل؟ ولماذا أبدع السوريون في الخارج؟

في الحقيقة الجواب في قصص سوريين عقدوا العزم على النجاح، وكان الإصرار خيارهم الوحيد في بلاد الاغتراب، حتى أصبحت بعض الأسماء يتم تداولها في الكثير من الأماكن. فمثلاً نجح الباحث السوري مأمون طاهر في الحصول على عدة براءات اختراع ساهمت في تطوير بعض الحلول التكنولوجية، كما قدم أبحاثاً في مجال الصناعة التقنية. وهذا لوحده دليل على قدرة السوريين على الابتكار حتى لو كانوا في بيئة جديدة.

وفي مثال آخر بقطاع البرمجة والتكنولوجيا، ظهر عبد الرحمن أشرف كشخص مبدع علم الناس التواصل الحقيقي دون الحاجة إلى الإنترنت، وساهم في مساعدتهم على الإبداع في حل المشكلات المعقدة. وكذلك سفيرتنا للنوايا الحسنة لليونيسف عام 2017 مزن المليحان والتي استلمت هذا المنصب بفضل جهودها في العمل الإنساني والاجتماعي.

ولا يمكن اختصار القائمة على الأسماء السابقة، إذ أن هناك آلاف الطلاب السوريين الذين حققوا مراتب متقدمة في جامعاتهم، إلى جانب مبدعين في مجالات الفن، والأدب، والتصميم، والطهي. هذا الانتشار الواسع للنجاح يدل على أن التجربة السورية أنتجت طاقات متنوعة في أكثر من مجال.

الهوية والانتماء واللغة كجسر للنجاح

مع النجاحات السابقة للسوريين يصبح السؤال الموجه حول أسباب هذا النجاح، ولذلك جاءت الدراسة الأكاديمية الحديثة التي نشرت عبر موقع ذا كونفرسيشن (The Conversation) لتتحدث عن أسباب نجاح المهاجرين السوريين في تركيا. فقد أشارت الدراسة أن النجاح لا يعتمد فقط على المهارة أو المال، بل على عوامل عميقة مثل الشعور بالانتماء للمجتمع الجديد.

وكانت من نتائج الدراسة التي شملت نحو 170 رائد أعمال سوري في تركيا أن الأشخاص الذين كانوا ناجحين بشكل مميز كانت تجمعهم صفة الشعور بالانتماء للمجتمع الذي يعيشون فيه. وبالتالي ساعدهم هذا الشعور على فهم السوق المحلي بشكل أفضل، والتعامل مع الزبائن بثقة أكبر، وتحسين جودة أعمالهم.

كما بينت الدراسة أن إتقان اللغة التركية لعب دوراً مهماً جداً في تحسين فرص النجاح. فاللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي أداة لفهم الثقافة، والدخول إلى سوق العمل، وبناء علاقات اجتماعية ومهنية قوية.

بينما من تعرض للتمييز أو الشعور بعدم القبول كانت فرص نجاحه أقل حتى لو كان الشخص يمتلك خبرة كبيرة. وإن دل ذلك على شيء فإنه يدل على أهمية البيئة المحيطة ودورها في التأثير على قدرات الفرد.

الحماية القانونية والاستقرار أساس البداية الجديدة

إن أكثر ما يشغل تفكير المهاجر أو اللاجئ في بداية الانتقال هي وضعه القانوني ضمن البلد المستضيف، فلا يوجد عمل أو دراسة دون الاستقرار القانوني. وهذا ما أشارت إليه الدراسة السابقة، إذ أكدت أنه عندما يحصل الشخص على حماية قانونية في وقت مبكر، يشعر باستقرار أكبر، ويكون أكثر قدرة على التخطيط للمستقبل واتخاذ قرارات طويلة الأمد. أما عندما يتأخر هذا الاستقرار، فقد يلازمه شعور القلق وعدم الاستقرار مما يؤثر بشكل مباشر على حياته اليومية وأحلامه بالنجاح. وبذلك يعد تسوية الوضع ومنح الحماية القانونية عامل أساسي في بناء الشعور بالأمان والاندماج داخل المجتمع.

هل الألم هو سر النجاح فعلاً؟

“من رحم المعاناة يخلق الإبداع”، جملة رافقت السوريون في بلاد الاغتراب، حتى في سردهم لقصقصهم يتطرقون إلى فكرة الألم الذي عاشوه خلال رحلة لجوئهم. وفي الحقيقة هي جملة فلسفية خالصة، سيطرت على العديد من المدارس الفلسفية. لكن التجربة السورية تظهر أن الأمر ليس بهذه البساطة.

فصحيح أن الألم كان جزءاً من حياة كثير من السوريين، لكن تحويل هذا الألم إلى نجاح لم يكن بالصدفة. إذ أن النجاح جاء عندما توفرت فرص التعليم، والدعم الاجتماعي، والقدرة على التكيف مع بيئات جديدة، عدا عن الخبرات السابقة التي امتلكها الكثير منهم قبل مغادرة بلادهم.

كما أن اللجوء نفسه فتح أبواباً جديدة للتعلم والتعرف على ثقافات مختلفة، وهذا ساعد في تطوير المهارات وتوسيع التفكير. ولذلك استطاع بعض السوريين تحويل التجربة الصعبة إلى دافع قوي للتطور، بينما آخرون واجهوا صعوبة في ذلك، وهذا يؤكد أن العامل الحاسم ليس الألم وحده، بل كيفية التعامل معه. حتى عند النظر إلى الأدباء العرب والعالميين،  لم يكن الألم جزءاً من مسيرتهم، فأين المعاناة في حياة نزار قباني، وأدونيس، ونجيب محفوظ، وغيرهم؟

بمعنى آخر، من المجحف بحق السوريين القول أنهم نجحوا فقط بسبب المعاناة. لأن ذلك ينسف إرث تعليمي وثقافي عميق، وتجارب سابقة، وقدرات شخصية حملوها معهم إلى بلاد الاغتراب.

باختصار، تعددت أسباب نجاح السوريين في بلاد الاغتراب، لكن الحقيقة الواحدة التي يجب تبنيها هي أن الاستعداد العقلي والفكري الذي ترسخ في ذهنهم، والدعم الكبير الذي تلقوه من المجتمعات التي استضافتهم، كلها ساهمت في صنع قصص مؤثرة حُفرت في ذهن ذاكرة المبدعين السوريين.

اقرأ أيضاً: «أعود أو لا أعود».. هل تكفي مشاعر الحنين وحدها؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى