لقاء الشرع وعبدي المحتمل: هل اقتربت ساعة حل «قسد» أم بدأت جولة تفاوض جديدة؟

الكاتب: أحمد علي
طلب مظلوم عبدي، بحسب مصادر إعلامية سورية، عقد لقاء مع الرئيس أحمد الشرع في دمشق لمناقشة ما تبقى من عملية دمج «قوات سوريا الديمقراطية» ومؤسسات «الإدارة الذاتية» في الدولة السورية. وفي اليوم نفسه، نقلت الجزيرة عن مصادر حكومية وأخرى من «قسد» أن حل التشكيل العسكري وإنهاء عمل الإدارة باتا قريبين، وأن اجتماعاً على مستوى القيادة قد يسبق الإعلان. لكن حتى الآن لم يصدر عن رئاسة الجمهورية أو قيادة «قسد» بيان يحدد موعد اللقاء أو يؤكد أن قرار الحل أصبح جاهزاً للتوقيع.
التسريبات تضع الحدث في صورة لحظة أخيرة قبل إغلاق الملف، بينما تكشف التفاصيل المنشورة أن الطرفين ما زالا يناقشان مسائل تؤثر مباشرة في شكل المؤسسة العسكرية والإدارة المحلية والتعليم والأمن. عبدي نفسه ربط إعلان الحل باستكمال الدمج، وقال إن هذه الخطوة ستكون المحطة الأخيرة بعد توزيع المقاتلين والموظفين والمؤسسات على هياكل الدولة. بهذا المعنى، قد يكون اللقاء المحتمل أقرب إلى جولة تفاوض تضع شروط المرحلة النهائية منه إلى مناسبة بروتوكولية لإعلان نتيجة محسومة.
تأتي الحركة الجديدة بعد مسار طويل بدأ باتفاق 10 آذار 2025، وتعثر عند انتهاء المهلة المحددة لتنفيذه، ثم انتقل إلى مواجهة عسكرية واسعة في كانون الثاني 2026 غيّرت موازين السيطرة في شمال شرقي البلاد. انتهت المواجهة باتفاقين في 18 و29 كانون الثاني، أعادا تثبيت وقف إطلاق النار ووضعا برنامجاً لدمج القوات والمؤسسات وتسليم المعابر والحقول والسجون. ما تحقق خلال الأشهر التالية كان مهماً، لكنه لم يشمل كل الملفات التي تجعل حل «قسد» قابلاً للتنفيذ على الأرض.
لقاء الشرع وعبدي بين التسريب والاتفاق
يستند الحديث عن اللقاء إلى مصدرين إعلاميين مختلفين، من دون إعلان رسمي. نقل تلفزيون سوريا أن عبدي أرسل طلبه عبر وفد رئاسي، وأنه يريد بحث زيادة عدد مقاتلي «قسد» الذين سيدمجون في ألوية وزارة الدفاع، بحضور وزيري الخارجية والدفاع. كما نقل عن صحفي حضر لقاء لعبدي قوله إن آلاف المقاتلين ما زالوا خارج الألوية الأربعة المقرر تشكيلها في الحسكة وعين العرب، وما زالوا يتلقون رواتبهم من «قسد». هذه النقطة وحدها تجعل قرار الحل مرتبطاً بتسوية مالية وعسكرية تشمل مصير الأفراد ورتبهم ومواقع خدمتهم.
في المقابل، قالت مصادر للجزيرة إن غالبية القوات العسكرية والأمنية دُمجت بالفعل في وزارتي الدفاع والداخلية، وإن تشكيلات مثل «السوتورو» والمجلس العسكري السرياني وحرس الخابور دخلت المؤسستين على أساس فردي مع احتفاظ الضباط بمراتب مماثلة. لا يوجد تعارض كامل بين الروايتين، فقد تكون وحدات محددة أتمت انتقالها بينما بقي جزء كبير من القوة الأساسية خارج الهيكل الجديد. لكن الفارق يوضح لماذا يصعب التعامل مع عبارة «اقترب الحل» بوصفها دليلاً على اكتمال العملية.
سبق للشرع أن استقبل عبدي وإلهام أحمد في 16 نيسان، بحضور وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني والمبعوث الرئاسي زياد العايش، لبحث استكمال الدمج. لم يصدر عن الاجتماع برنامج تنفيذي معلن، واستمرت بعده عمليات جزئية شملت تبادل موقوفين، والتحضير لتسليم السجون، ودمج مؤسسات زراعية وتعليمية، وإعادة عائلات مهجرة إلى عفرين. تعكس هذه الخطوات تقدماً عملياً، لكنها تكشف أيضاً أن الاتفاق يجري تنفيذه قطاعاً بعد آخر، لا بقرار واحد يغير الوضع كله في يوم محدد.
التجربة منذ آذار 2025 تدفع إلى الحذر. الاتفاق الأول تحدث عن دمج المؤسسات المدنية والعسكرية وضمان الحقوق الكردية ووحدة سوريا، لكنه بقي أشهراً من دون آليات كافية، ثم تحولت الخلافات إلى قتال. اتفاق كانون الثاني 2026 جاء بعد تقدم القوات الحكومية إلى مناطق واسعة وخسارة «قسد» الرقة ودير الزور وحقولاً ومنشآت استراتيجية، ولذلك كانت شروطه أكثر تفصيلاً وأقرب إلى مركزية الدولة. اللقاء الجديد، إذا انعقد، سيجري في ظل ميزان مختلف كثيراً عن بداية المفاوضات، مع بقاء قدرة «قسد» على التفاوض في مناطقها الأساسية بالحسكة والقامشلي وعين العرب.
ملفات لم تصل إلى نهايتها
أهم الخلافات يتصل بشكل الدمج العسكري. نص اتفاق كانون الثاني، وفق ما نشرته رويترز، على إنشاء فرقة في شمال شرقي سوريا تضم ثلاثة ألوية من مقاتلي «قسد»، إضافة إلى لواء في عين العرب يتبع لمحافظة حلب. ظهرت لاحقاً خلافات حول مواقع الألوية، وحجم القوات، ومصير الأسلحة الثقيلة. تطالب قيادة «قسد» بتوسيع العدد المقبول داخل وزارة الدفاع، بينما تريد دمشق أن يكون الاندماج فردياً وأن تخضع القيادة والانتشار والترقية لقواعد المؤسسة العسكرية الجديدة. إعلان الحل قبل إغلاق هذه المسائل قد يترك قوة كبيرة باسم آخر أو يخلق آلاف المقاتلين بلا وضع واضح.
المؤسسة الأمنية أكثر تعقيداً. تريد «الإدارة الذاتية» أن تتحول قوات الأمن الداخلي المعروفة باسم «الأسايش» إلى جزء من وزارة الداخلية مع استمرارها في حماية المنطقة، وطرحت دمج وحدات حماية المرأة ضمن فريق خاص لمكافحة الإرهاب. لا يوجد رد نهائي معلن على المقترح الأخير. تحديد من يدير مراكز الشرطة ومن يصدر الأوامر ومن يحقق في الجرائم يهم سكان المنطقة أكثر من الاسم التنظيمي، لأن ازدواج الصلاحيات كان أحد أسباب الاحتكاك بين المؤسسات خلال الأشهر الماضية.
يبقى تسليم الموارد والمنافذ اختباراً للسيادة ولقدرة الدولة على تقديم الخدمات. الاتفاق شمل حقول النفط والغاز والمعابر ومطار القامشلي والسجون التي تضم عناصر من تنظيم «داعش» وعائلاتهم. أفادت رويترز في شباط بأن حقلي رميلان والسويدية وبعض ترتيبات المعبر مع العراق والمطار لم تكن قد حُسمت، فيما بدأت الحكومة تسلم مناطق ومؤسسات أخرى. إدارة هذه المواقع تحتاج ترتيبات فنية وأمنية، لأن أي فراغ في السجون أو الحدود قد يعيد تنشيط خلايا التنظيم ويضر بالمجتمعات التي عاشت سنوات تحت تهديده.
الملفات المدنية لا تقل حساسية. أعلنت وزارة التعليم العالي في 23 تموز توجهاً لتوحيد المرجعية الجامعية في الحسكة ضمن جامعة الفرات، مع الحفاظ على حقوق الطلاب والكوادر، لكن قضية التعليم باللغة الكردية بقيت محل خلاف. نقلت الجزيرة أن «الإدارة الذاتية» تطالب بالتعليم بالكردية، بينما عرضت دمشق ساعات محدودة أسبوعياً، ثم طُرح اقتراح لترجمة المناهج الوطنية. وتؤثر التعيينات الإدارية وعودة المهجرين إلى تل أبيض ورأس العين في توقيت أي إعلان، لأنها ترتبط بتمثيل السكان وحقوق الملكية والسكن والعودة الآمنة.
هذه القضايا تفسر بطء التنفيذ الذي تحدث عنه الشرع في مقابلته الأخيرة مع الجزيرة. البطء لا يعني أن الاتفاق توقف، كما لا يثبت أن كل شيء أصبح جاهزاً. انتقال جامعة أو مديرية زراعة إلى الوزارة المركزية يمكن إنجازه بقرار إداري، بينما يحتاج دمج عشرات الآلاف من المقاتلين وإعادة توزيع السلاح والمسؤوليات إلى أوامر وهيكليات وضمانات وتمويل. الفارق بين النوعين هو ما سيحدد إن كان اللقاء المقبل سيعلن النهاية أم يفتح مفاوضات تفصيلية جديدة.
الحل التنظيمي والملف السياسي
حل «قسد» بصفتها تشكيلاً عسكرياً لا ينهي القضية الكردية ولا يلغي القوى السياسية والاجتماعية التي نشأت في شمال شرقي سوريا. يمكن أن تنتقل القيادات والكوادر إلى الجيش والداخلية والإدارات المحلية، وتظهر أحزاب أو أطر سياسية تدافع عن مطالب اللغة والتمثيل واللامركزية ضمن القوانين السورية المقبلة. نجاح الدمج يتطلب أن يشعر الكرد بأن دخول مؤسسات الدولة لا يعيد سياسات الإنكار والتمييز السابقة، وأن يشعر العرب والسريان وبقية سكان المنطقة بأن الإدارة الجديدة لا تستبدل احتكاراً محلياً بترتيبات لا تمثلهم.
تواجه دمشق بدورها اختباراً يتعلق بقدرتها على توحيد المؤسسات من دون صدام جديد. الحكومة تريد إنهاء وجود أي قوة مسلحة مستقلة واستعادة الموارد والحدود، لكنها تحتاج إلى خبرة المقاتلين الذين تولوا الحرب ضد «داعش» وإلى انتقال منظم يمنع الفوضى. تعيين سيبان حمو Sipan Hamo، وهو قائد سابق في وحدات حماية الشعب، نائباً لوزير الدفاع في آذار كان إشارة إلى إمكانية استيعاب شخصيات كردية في مراتب عليا، لكنه لا يقدم وحده نموذجاً كاملاً لتوزيع آلاف العناصر أو لضمان التوازن داخل المؤسسة.
تلعب الولايات المتحدة دوراً في دفع الاتفاق، بعدما كانت الداعم العسكري الأهم لـ«قسد» ثم أقامت علاقة وثيقة مع حكومة الشرع. قال المبعوث الأميركي توماس براك Thomas Barrack إن اتفاق كانون الثاني يمثل نقطة تحول، بينما نقلت رويترز عن مسؤول غربي أن واشنطن شجعت دمشق على إبداء مرونة تسمح بدرجة من الإدارة المحلية من دون تهديد سلطة المركز. تركيا تدفع في الاتجاه المقابل نحو قطع الصلات بحزب العمال الكردستاني ونزع البنية العسكرية المستقلة. يتحرك الطرفان السوريان بين هذين الضغطين، مع محاولة كل منهما تثبيت أكبر قدر ممكن من مصالحه قبل اكتمال الانسحاب الأميركي أو تغير الأولويات الإقليمية.
الأرجح أن اللقاء المحتمل سيجمع بين التفاوض والإعداد للحل. يمكن للطرفين الاتفاق على جدول زمني لإعلان إنهاء «قسد» و«الإدارة الذاتية»، لكن الإعلان سيحتاج ملحقاً تنفيذياً يحدد مصير المقاتلين والسلاح والأمن والتعليم والموارد والإدارة المحلية. من دون هذه الوثيقة سيبقى الحل اسماً سياسياً يسبق الواقع، وقد تعود الخلافات عند أول قرار ميداني.
المعلومات المتاحة حتى 28 تموز تثبت أن عملية الدمج قطعت مسافة أكبر من أي مرحلة سابقة، وأن الطرفين يتحدثان علناً عن نهاية البنية الحالية. لكنها لا تثبت أن موعد الحل حُسم أو أن الملفات الأساسية أُغلقت. لذلك يبدو لقاء الشرع وعبدي، إذا تأكد، جولة تفاوض أخيرة أو شبه أخيرة هدفها تحويل التفاهم العام إلى ترتيبات قابلة للتطبيق. ساعة الحل تقترب بقدر ما تنجح هذه الترتيبات، لا بقدر ما تتكرر التسريبات عن مؤتمر صحفي قريب.
اقرأ أيضاً: هل يبدأ تقارب قسد وتركيا من بوابة دمشق؟









