لسنا حراساً للأخلاق.. لكن من أساء إلى السوريين مطالب بالاعتذار

نشر السياسي السوري عبيدة نحاس، اليوم الخميس 3 أيلول، مقال رأي في صحيفة «الثورة السورية» تناول فيه الجدل المتواصل حول عودة شخصيات ارتبطت بمواقف مؤيدة للنظام السابق إلى المجال العام في سوريا، معتبراً أن التسويات المالية أو تغير المواقف السياسية لا يلغي الحاجة إلى مراجعة علنية للماضي، ولا سيما بالنسبة إلى من سبق أن أساء إلى السوريين أو برر جرائم ارتُكبت بحقهم.
وانطلق نحاس من ملف التسويات المالية التي أجرتها الدولة السورية مع رجال أعمال ارتبطت أسماؤهم بمرحلة النظام السابق، قائلاً إن هذا الملف لا يزال يثير أسئلة سياسية وأخلاقية ومجتمعية، خصوصاً مع محاولة بعض المشمولين بهذه التسويات العودة إلى المشهد العام بصورة توحي بأنهم تجاوزوا الماضي واستعادوا مكانتهم ونفوذهم.
وأوضح أن الغاية من هذه التسويات، وفق ما هو معلن، تتمثل في استعادة الأموال السورية المنهوبة، وقد تشكل في بعض الحالات الطريق الأسرع والأكثر جدوى لتحقيق ذلك في إطار قانوني يحافظ في الوقت نفسه على استقرار البيئة الاستثمارية.
لكنه شدد على ضرورة الفصل بين التسوية المالية وبين أي مسؤوليات جنائية أخرى، قائلاً إن استعادة الأموال لا يمكن أن تمحو جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية في حال ثبوتها على أي شخص.
بين الخطأ السياسي والجريمة
يميّز عبيدة نحاس في مقاله بين السوريين الذين اتخذوا مواقف سياسية خاطئة خلال سنوات الثورة، وبين من تورطوا في جرائم أو اعتداءات مباشرة على الناس.
ويشير إلى أن السنوات الماضية كانت معقدة، وأن مواقف بعض السوريين من الثورة والنظام تغيرت مع الزمن، وهو أمر يراه ممكناً ومفهوماً ضمن ظروف سياسية وإنسانية شديدة التعقيد.
فقد يراجع الإنسان موقفاً تبناه سابقاً، ويكتشف بعد سنوات أنه أخطأ في التقدير، وتستحق هذه المراجعة، بحسب نحاس، الاحترام عندما تكون صادقة ومصحوبة بالقدرة على الاعتراف بالخطأ.
إلا أن الأمر يختلف، بحسب المقال، عندما يتعلق بمن تورطوا في دماء السوريين أو أموالهم أو كرامتهم، إذ لا تكفي هنا مراجعة الموقف السياسي أو تبديل الخطاب.
ذاكرة السوريين لا تبدأ من اليوم
ويرى نحاس أن النقاش حول عودة شخصيات من عهد النظام السابق إلى الواجهة لا يمكن فصله عن الطريقة التي تشكلت بها سوريا الجديدة.
فالثورة السورية، وفق تعبيره، دفعت أثماناً هائلة من أرواح الشهداء ومعاناة المعتقلين والمهجرين وملايين السوريين الذين عاشوا سنوات من الفقد والقهر والدمار.
ولهذا، فإن عودة بعض الشخصيات إلى مواقع عامة متقدمة تثير حساسية طبيعية لدى شريحة واسعة من السوريين، لا سيما عندما تكون لهذه الشخصيات مواقف علنية سابقة بررت جرائم النظام أو سخرت من ضحاياه أو شاركت في حملات تحريض وتشبيح ضد معارضيه.
ويضيف أن المشكلة تصبح أكثر وضوحاً عندما يتحول بعض أصحاب هذه المواقف سريعاً إلى خطاب شديد الحماسة للعهد الجديد، من دون أي مراجعة علنية لما قالوه أو فعلوه في السابق.
«التشبيح» ليس مجرد موقف سياسي
ويتوقف المقال عند مفهوم «التشبيح»، معتبراً أنه لا يقتصر على تأييد سلطة سياسية، بل يرتبط بنمط من العلاقة مع السلطة يقوم على استمداد النفوذ والمكانة من القرب منها، واستخدام اسمها في مواجهة الآخرين والمزايدة في الولاء لها لتحقيق مصالح شخصية.
ويحذر نحاس من انتقال هذه الثقافة من النظام السابق إلى المرحلة الجديدة، معتبراً أن تبديل الشعارات والولاءات فور تغير السلطة لا يمثل بحد ذاته تحولاً حقيقياً.
فالمراجعة، وفق المقال، لا تظهر فقط في تبني خطاب جديد، وإنما في استعداد الشخص لمواجهة ما قاله وفعله سابقاً وتحمل مسؤوليته عنه.
لسنا حراساً للأخلاق
ويقول نحاس إنه لا يحق لأحد أن ينصّب نفسه حكماً على ضمائر السوريين أو يوزع عليهم شهادات الوطنية والثورية، مؤكداً أن الموقف السياسي، مهما كان خاطئاً، يظل في الأصل حقاً لصاحبه ما لم يتحول إلى فعل جرمي يستوجب المحاسبة.
لكن المسؤولية تصبح مختلفة عندما يقرر الشخص العودة إلى المجال العام، سواء عبر منصب رسمي، أو موقع اقتصادي مؤثر، أو منبر إعلامي أو فني أو اجتماعي.
فمن يريد مخاطبة السوريين مجدداً، أو تمثيلهم، أو طلب ثقتهم، لا يمكنه، بحسب نحاس، التعامل مع السنوات السابقة وكأنها لم تقع.
الاعتذار العلني عن الإساءة العلنية
ويطرح الكاتب الاعتذار بوصفه أحد المخارج الممكنة لمن أساء إلى السوريين علناً من دون أن يكون متورطاً في جرائم تستوجب المحاسبة.
فمن استخدم منبراً عاماً لتبرير مواقف أو إطلاق إساءات يستطيع استخدام منبر مماثل للاعتراف بأنه أخطأ والاعتذار ممن تضرروا من كلامه أو مواقفه.
ويؤكد نحاس أن الاعتذار تكون له قيمة أكبر عندما يتضمن مسؤولية شخصية واضحة، بدلاً من الاكتفاء بعبارات فضفاضة من قبيل الحديث عن «أخطاء المرحلة» أو الظروف العامة من دون الاعتراف بدور الشخص نفسه فيها.
فالاعتذار، بهذا المعنى، لا يتعلق فقط بصاحبه، وإنما أيضاً برد الاعتبار إلى من تعرضوا للإهانة أو الأذى.
الفنانون نموذجاً
ويضرب نحاس مثالاً بالفنانين الذين عُرفوا بتأييد النظام السابق، والذين قد تثير عودتهم إلى المسارح السورية اعتراضات من الجمهور.
ويقول إنه يرى الاعتذار الصادق أكثر فائدة من اللجوء إلى المنع، إذ يمكن للفنان الذي سبق أن مجّد النظام أو أساء إلى السوريين أن يقف أمام جمهوره ويعترف بخطئه، ثم يعود إلى العمل الفني من موقع مختلف.
ووفق المقال، فإن السوريين قادرون على التمييز بين الاعتذار الحقيقي وبين الصيغ العامة المصممة لتجاوز الماضي من دون تحمل المسؤولية.
العودة إلى الحياة العامة لا تعني محو الماضي
ويخلص نحاس إلى أن سوريا بعد سقوط النظام السابق أصبحت لجميع أبنائها، بما في ذلك من أخطأوا في تقديرهم السياسي ثم راجعوا مواقفهم بصدق.
ويرى أن فتح المجال أمام السوريين للمشاركة مجدداً في الحياة العامة يمكن أن يكون جزءاً من مسار التعافي الاجتماعي وتجاوز سنوات الصراع والدمار.
لكن ذلك، بحسب رأيه، لا يعني مطالبة الضحايا بنسيان ما حدث، ولا يمنح من آذى السوريين حق العودة إلى الواجهة وكأن شيئاً لم يكن.
ويعتبر أن من يريد اليوم أن يخاطب السوريين أو يمثلهم أو يعمل في خدمتهم ويطلب ثقتهم، بينما سبق أن أساء إليهم، يبقى مطالباً باعتذار واضح يتناسب مع حجم ما عاناه السوريون وما قدموه خلال السنوات الماضية.
اقرأ أيضاً: عبيدة نحاس: سوريا الجديدة مسؤولية من؟








