لا تنقذوا الجلاد.. عن مؤثري السوشال ميديا وحقوق المظلومين والطريق إلى العدالة!

الكاتب: أحمد علي
لا تضيع الحقيقة دائماً لأنها غائبة، أحياناً تضيع لأنها تُحاصر بضجيج زائد، وبصور غير موثقة، وبجمل غاضبة تريد أن تختصر الطريق إلى العدالة فتدفعه إلى جهة أخرى. في ملف بحجم مجزرة التضامن، لا يكون الخطأ الإعلامي تفصيلاً عابراً. كل منشور غير مدقق قد يربك عائلة تبحث عن ابنها، وكل اتهام بلا دليل قد يضعف الثقة بالمسار الذي يستطيع تحويل الجريمة من صدمة عامة إلى ملف قابل للمحاسبة.
لهذا لا تبدو المشكلة اليوم في حق الناس بالسؤال، ولا في غضب السوريين من جريمة هزت الذاكرة العامة. المشكلة في الطريقة التي يتدخل بها بعض مؤثري السوشال ميديا في ملف شديد الحساسية، عندما يحولون الحزن إلى سباق، والأدلة إلى مادة تداول، والعدالة إلى موجة لا تعرف أين تبدأ وأين تتوقف.
حين تصبح المنصة أسرع من الدليل
عاد ملف مجزرة التضامن إلى الواجهة بعد موجة من الصور والمنشورات والتعليقات التي ربطت بين محتوى متداول وبين الفيديوهات الأصلية للمجزرة. بعض هذه المنشورات طرح أسئلة مشروعة. وبعضها ذهب أبعد، فبنى روايات شبه مكتملة على لقطات مجهولة المصدر، أو على مواد غير مثبتة، أو على استنتاجات صُنعت بسرعة داخل فضاء السوشال ميديا.
في بيان منسوب إلى باحثي مجزرة التضامن، جاء التحذير واضحاً من الاعتماد على الشائعات، أو المحتوى غير الموثق، أو الذكاء الاصطناعي، أو نظريات المؤامرة. وأوضح البيان أن الصور المتداولة على أنها لقطات من فيديو يزعم أنه يظهر إعدام أطفال لا تتطابق، بحسب معاينة الباحثين، مع أي من فيديوهات مجازر التضامن التي اطلعوا عليها خلال التحقيق.
هذه الجملة وحدها تكفي للتوقف. فالمشكلة ليست في وجود ألم جديد، بل في تحويل ألم محتمل إلى يقين قبل التحقق. في القضايا الكبرى، لا تملك المنصات رفاهية التجريب. لا يجوز أن يجرب المؤثر فرضية أمام مئات الآلاف من المتابعين ثم يتراجع بعد يومين وكأن شيئاً لم يحدث. في هذا النوع من الملفات، التراجع لا يمحو الأثر. الصورة تكون قد وصلت إلى عائلة، والاتهام يكون قد صنع شبهة، والثقة تكون قد تلقت ضربة جديدة.
التحقيق الأصلي في مجزرة التضامن لم يكن منشوراً سريعاً. نُشرت قصته في الغارديان ونيولاينز والجمهورية بعد عمل طويل، تضمن تتبعاً وتحليلاً للفيديوهات، وتحديداً للمكان، ومراسلات، وتحقيقاً صحفياً وأكاديمياً معقداً. هذا النوع من العمل لا يناسب منطق الترند. يحتاج إلى صبر، وإلى معرفة بحدود ما يمكن قوله، وإلى إدراك أن الحقيقة لا تصبح أقوى عندما تُختصر في لقطة مبتورة.
كرامة الضحايا لا تُحمى بالمشهد الصادم
الاعتراض الأهم في بيان الباحثين لم يكن تقنياً فقط. كان أخلاقياً أيضاً. فقد أكدوا أنهم لم ينشروا أو يسرّبوا أو يبثوا أي فيديوهات، لأن نشرها يمس بكرامة الضحايا، ويزيد صدمة المجتمع، ويفتح الباب أمام الاستغلال والإثارة. هذه ليست حجة مريحة في زمن يطلب فيه الجمهور رؤية كل شيء، لكنها حجة ضرورية.
الضحية ليست دليلاً عارياً على الشاشة. جسدها، لحظتها الأخيرة، خوفها، وما تبقى لعائلتها من ذاكرة، ليست مادة لإثبات شجاعة ناشط أو سبق مؤثر. يمكن للناس أن يطالبوا بالمحاسبة من دون أن يطلبوا تحويل لحظات الموت إلى محتوى متداول. ويمكن للصحافة أن تكشف الحقيقة من دون أن تسحق من ماتوا مرة ثانية.
بعض المؤثرين يخلطون بين كشف الجريمة وتوسيع دائرة الصدمة. يعتقدون أن نشر الأقسى يعني الاقتراب أكثر من العدالة. لكن ما يحدث أحياناً هو العكس. يتحول الضحايا إلى مادة مشاهدة، وتدخل العائلات في دوامة جديدة من الاحتمالات، وتُفتح أبواب للتلاعب العاطفي والسياسي. عندها لا يعود السؤال من قتل، ومن أمر، ومن غطى، بل من أخفى، ومن خان، ومن تآمر. هكذا ينتقل الملف من الجريمة إلى الضجيج.
لا يعني ذلك أن الباحثين أو الصحفيين أو الجهات القانونية فوق السؤال. من حق السوريين أن يسألوا. من حقهم أن يعرفوا أين وصلت الأدلة، ومن يتولى تحديد هويات الضحايا، وكيف يمكن محاسبة المتورطين. لكن السؤال شيء، والتشهير شيء آخر. النقد المبني على وقائع يدفع الملف إلى الأمام. أما الاتهام المرسل فيأكل ما تبقى من ثقة، ويجعل كل من عمل على كشف الحقيقة هدفاً سهلاً في معركة لا تخدم أحداً إلا من يريد تمييعها.
العدالة تحتاج ملفاً لا موجة
يذكّر البيان أيضاً بالجانب القانوني الذي يغيب غالباً في النقاش العام. قبل نشر التحقيق في نيسان 2022، قال الباحثون إنهم سلّموا الأدلة إلى السلطات الهولندية والألمانية، وإن الجهات المختصة شددت على ضرورة احترام سلسلة الحيازة القضائية وحفظ المقاطع بأمان. هذه العبارة قد تبدو باردة أمام هول الجريمة، لكنها من شروط تحويل الجريمة إلى حكم قضائي.
المحكمة لا تعمل مثل السوشال ميديا. لا يكفي أن يكون المقطع صادماً، ولا أن يكون الجمهور مقتنعاً. يجب أن يعرف القضاء مصدر الدليل، وطريقة حفظه، ومن تسلمه، وكيف بقي آمناً من العبث. من دون هذه السلسلة، يصبح الدفاع قادراً على الطعن، وتصبح الحقيقة التي يراها الناس بأعينهم أضعف داخل القاعة.
بعد سقوط السلطة السابقة، اتسعت المطالب بالمحاسبة، وهذا مفهوم. أسماء مثل أمجد يوسف وفادي صقر وآخرين لم تعد تفاصيل في ذاكرة السوريين. لكنها تحتاج إلى عمل قضائي منظم، وإلى تعاون بين الجهات المختصة، وإلى نقل أدلة ومحاضر وفق قواعد واضحة. عندما يتدخل المؤثرون بضغط عشوائي، أو يطالبون بنشر كل شيء فوراً، أو يروّجون لفكرة أن من لا ينشر يخفي، فإنهم لا يقربون المحاكمة بالضرورة. قد يجعلونها أصعب.
يمكن لمؤثري السوشال ميديا أن يكونوا جزءاً من حماية الحقيقة إذا عرفوا حدود دورهم. دورهم أن يوسعوا الوعي، لا أن يخترعوا الأدلة. أن يضغطوا باتجاه المحاسبة، لا أن ينسفوا الثقة بكل مسار بطيء. أن يذكروا الناس بالمجزرة، لا أن يبيعوا صدمة جديدة كل يوم. العدالة تحتاج صوتاً عاماً، لكنها لا تحتاج فوضى عامة.
والخلاصة هنا، حقوق المظلومين لا يضيعها الجلاد وحده، بل قد تضيع أيضاً عندما تتحول قضيتهم إلى مادة تنافس، وعندما يصبح المؤثر أهم من الضحية، وعندما يحل اليقين السريع محل التحقق الصعب.. مجزرة التضامن تحتاج ذاكرة لا تنطفئ، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى مسؤولية، فالحقيقة لا تُحمى بالترند، بل بالدليل السليم، وبكرامة الضحايا، وبصوت يعرف متى يتكلم ومتى يتوقف…
اقرأ أيضاً: كاريكاتير: مجزرة التضامن









