لا اشتراكية ولا رأسمالية.. ما الوصفة السحرية لإنقاذ اقتصاد سوريا؟

الكاتب: أحمد علي
يعصف المشهد الاقتصادي السوري اليوم برياح التغيير بعد سنواتٍ عجاف من الحرب والدمار. تقف البلاد على مفترق طرق حاسم، فمع سقوط السلطة السابقة التي حكمت بخطاب اشتراكي لعقود طويلة دون أن يتحول هذا إلى بناء اقتصاد اشتراكي بطبيعة الحال، تجد سوريا نفسها أمام سؤال محوري: كيف يمكن إعادة بناء اقتصادٍ مُحطَّم فقد كل مقوماته تقريباً؟ هل يكون الحل عبر العودة إلى طرق الإدارة السابقة التي وسمت حقبة ما قبل الحرب تحت شعار الاشتراكية، أم بالانفتاح الكامل على رأسمالية السوق؟ أم أن هناك خياراً ثالثاً أشبه بوصفةٍ سحرية قادرة على إنقاذ اقتصاد سوريا وإطلاق عجلة النهوض من جديد؟
اقتصاد سوريا في عيون الوزير
على الأرض، يبدو الواقع الاقتصادي أشبه بركام متناثر. فقد خلّفت الحرب الطويلة مدناً تحولت إلى أنقاض وأحياء دُمّرت بالكامل، وارتفعت معدلات البطالة إلى مستويات قياسية تجاوزت 60%. يصف وزير الاقتصاد السوري الحالي محمد نضال الشعار حال البلاد بقوله: «استلمنا سوريا على الأرض حرفياً»، مؤكداً أن حجم الدمار فاق كل التوقعات. ففي الداخل «كل شيء كان مهدّماً ولا توجد مشاريع قائمة» وسط شحٍّ حاد في الموارد والإمكانات. إنها أزمة غير مسبوقة جعلت اقتصاد البلاد يترنّح تحت وطأة الخسائر الفادحة، وباتت الحاجة ملحّة لوصفة إنقاذ حقيقية لإنقاذ اقتصاد سوريا تنتشله من هذا المستنقع الاقتصادي.
ورغم فداحة المشهد، يلوح في الأفق بصيص أمل وفرصة أخيرة للإنقاذ. ويُدرك المسؤولون جيداً أن هذه ربما «فرصتنا الأخيرة للنهوض بالبلد»، مما يضاعف الشعور بالإلحاح لتبنّي مسار اقتصادي جديد وشجاع يحقق تطلعات السوريين في حياة كريمة وازدهار طال انتظارهما.
الوصفة السحرية لإنقاذ اقتصاد سوريا
لم يعد الاقتصاد السوري يحتمل التقيّد بالأنماط الأيديولوجية الجامدة. فبعد عقودٍ طويلة هيمنت فيها شعارات «الاشتراكية» على السياسات الاقتصادية رسمياً، تلاها انفتاح محدود أُطلق عليه «اقتصاد السوق الاجتماعي» لكنه غالباً ما خدم مصالح فئة ضيقة؛ وجد السوريون أنفسهم اليوم أمام واقع اقتصادي مختلف تماماً. لا هو اشتراكي بالمعنى التقليدي، ولا هو رأسمالي حر بالكامل، بل مزيج مشوَّه أفرزته سنوات الحرب والعقوبات.
من هنا جاء التوجّه الجديد ربما: لا اشتراكية ولا رأسمالية كمنهج حصري، بل اعتماد اقتصاد حر مفتوح بتوازنات يوازن بين ديناميكيات السوق ودور الدولة. يؤكد وزير الاقتصاد نضال الشعار أن “الاقتصاد في سوريا حالياً” لا يمكن تصنيفه ضمن أي من النموذجين السابقين، وأن الوجهة الراهنة هي نحو تحرير طاقات السوق مع الحفاظ على توازنات تضمن عدم تحول الأمر إلى فوضى اقتصادية أو هيمنة مطلقة لرأس المال على مقدّرات البلاد.
ويرافق هذا التوجه المتوازن رفضٌ صريح لفكرة “الخصخصة” الشاملة لمؤسسات الدولة كما يروّج البعض؛ إذ شدّد الشعار على عدم وجود نية للتوجه نحو الخصخصة. وبدلاً من ذلك، تركز الخطة الاقتصادية الجديدة على بناء شراكات حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص، لضخ الدماء في أوصال الاقتصاد دون التفريط في الأصول الوطنية. فهذا النهج يهدف لتحقيق التوازن المنشود: تشجيع المبادرة الخاصة والاستثمار من جهة، والحفاظ على دور الدولة كحارس للمصلحة العامة وضامن للتوازن الاجتماعي من جهة أخرى.
القطاع الخاص قاطرة النمو في سوريا الجديدة؟
يدرك القائمون على الاقتصاد السوري اليوم أن خزينة الدولة المتهالكة وحدها لن تكفي لتحريك عجلة إعادة الإعمار وخلق الوظائف. من هنا برز دور القطاع الخاص بوصفه المحرك المتوقع لنمو الاقتصاد في “سوريا الجديدة”. ويؤكد الشعار صراحةً أنه لتحقيق خطة النهوض المنشودة “ما يلزمنا… هو التعاون مع القطاع الخاص”، بل ويقرّ بأن الحكومة غير قادرة بمفردها على القيام بمهمة إعادة البناء الثقيلة دون شراكة حقيقية مع رجال الأعمال والمستثمرين.
عملياً، يعني ذلك فتح الأبواب أمام رؤوس الأموال الوطنية والمغتربة للمساهمة في مشاريع إعادة الإعمار والتنمية. وبالفعل، شهدت الفترة القصيرة الماضية بوادر إيجابية في هذا الاتجاه، حيث بدأ عدد من رجال الأعمال السوريين في الخارج بتنفيذ مشاريع داخل البلاد مستفيدين من أجواء التغيير. فهؤلاء المستثمرون يبحثون عن ضمانات قانونية وتشريعية واضحة، وآليات تمويل وتسهيلات تشجعهم على ضخ أموالهم بثقة في السوق السورية.
وتدرك الحكومة الحالية ذلك، إذ تَعِدُ ببناء “شراكات حقيقية” مع القطاع الخاص لدعم عملية إعادة الإعمار وإيجاد فرص عمل للشباب. فالجيل الشاب الذي حُرم كثيرون منه من التعليم والتأهيل المهني بات في أمسّ الحاجة إلى مبادرات استثمارية تفتح المصانع والمدارس ومراكز التدريب ليكتسبوا المهارات وينخرطوا في سوق العمل. بهذا الشكل يصبح القطاع الخاص قاطرة مفروضة موضوعياً ربما لتقود الاقتصاد عبر توفير التمويل والخبرة وخلق الوظائف، بينما تكتفي الحكومة بدور الموجّه والمسهّل لضمان تحقيق التوازن والمصلحة العامة.
من الركام إلى الانتعاش: تحديات النهوض الاقتصادي
مشهد جوي لمدينة حمص وسط سوريا يُظهر مبانيَ مدمرة بالكامل، حيث تجمع سوريون قرب الأنقاض احتفالاً بانتهاء حقبة حكم الأسد أواخر عام 2024. تلخص هذه الصورة حجم الدمار الذي تركته الحرب في المدن السورية، إذ تحولت أحياء بكاملها إلى أطلال. لقد طالت سنوات الصراع كل جوانب البنية التحتية؛ فالطرقات والكهرباء والمياه والمشافي والمدارس إما دُمّرت أو تضررت بشدة. ويشكّل هذا الدمار الواسع عائقاً رئيسياً أمام أي محاولات للإنعاش الاقتصادي أو التنمية المستدامة، إذ إن توفير الخدمات الأساسية للسكان وإعادة تأهيل المرافق الحيوية سيحتاج إلى جهود جبّارة واستثمارات ضخمة.
وبالإضافة إلى تهتك البنية التحتية، تُرِكَ المجتمع السوري يرزح تحت أعباء اقتصادية هائلة. ملايين الأيدي العاملة بلا عمل، ونسبة البطالة التي بلغت حوالي ثلثي القوة القادرة على العمل تعني تفشي الفقر وانعدام الدخل لملايين الأسر. كما أن كلفة إعادة الإعمار نفسها باهظة للغاية؛ إذ تُقدَّر بتراوح قد يصل إلى مئات مليارات الدولارات وفق بعض التقديرات، بل ويقدّرها آخرون بأرقام تقترب من التريليون دولار. هذه الفجوة المالية الضخمة تفوق قدرات الدولة بمراحل، مما يجعل التعويل على دعم المجتمع الدولي والاستثمارات الخارجية ضرورة.
ولا تقف التحديات عند حدود المال والإعمار المادي فحسب، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي والثقة بين السوريين أنفسهم. فقد مزّقت الحرب أوصال المجتمع وأضعفت الثقة بمؤسسات الدولة. لذا يؤكد الخبراء أن إعادة بناء الثقة والوحدة الوطنية لا تقل أهمية عن إعادة بناء الجسور والمصانع. بدون مصالحة وطنية حقيقية وضمان شعور كل المكونات بأن لهم مكاناً في سوريا الجديدة، قد تتعرقل جهود النهوض مهما توفر لها من مال ودعم. وقد شددت تقارير إعلامية على أن إعادة بناء الثقة بين مكونات الشعب السوري هي حجر الزاوية لضمان عدم تكرار ما حدث في الماضي. وهذا يعني أن التعافي الاقتصادي المنشود مرتبط بتحقيق الاستقرار الأمني والسياسي وبيئة تصالحية تشجع الجميع على العمل معاً من أجل المستقبل.
خارطة الطريق: مقومات النهوض الاقتصادي
رغم قتامة المشهد وحجم التحديات، تمتلك سوريا مقومات النهوض إذا ما تضافرت الجهود واستُغلّت الفرصة المتاحة حالياً بحكمة. الخطوة الأولى على هذا الطريق تتمثل في التركيز على إعادة بناء البنية التحتية الحيوية وتطوير المناطق الصناعية التي تشكل عصب الإنتاج. فبحسب رؤية الفريق الاقتصادي الجديد، لا بد أن يبدأ التحول الحقيقي من تطوير المدن الصناعية والبنية التحتية كي يشعر المواطن بثمار التغيير. الطرق والمصانع ومحطات الكهرباء وشبكات المياه هي الأساس الذي سيُبنى عليه أي انتعاش اقتصادي، ولذلك توجّه الحكومة ما تيسر من موارد نحو هذه القطاعات المحورية، إلى جانب توفير تسهيلات تشريعية وإدارية تزيل العقبات البيروقراطية أمام المستثمرين.
على الصعيد الخارجي، أدى تغيّر المشهد السياسي إلى انفراجات يمكن استثمارها اقتصادياً. فقد أعلن المجتمع الدولي رفع معظم العقوبات التي كانت مفروضة على سوريا، مما أعاد ربط البلاد بالنظام المالي والتجاري العالمي بعد عزلة طويلة. هذه الخطوة فتحت الباب أمام تدفق الاستثمارات والمساعدات الدولية اللازمة لإعادة الإعمار، وبات بإمكان الحكومة الجديدة الحصول على التمويل والتقنيات الحديثة من شركاء دوليين دون قيود كانت تكبّل الاقتصاد سابقاً. صحيحٌ أن أثر رفع العقوبات لن يظهر بين ليلة وضحاها وأن مشوار التعافي طويل ومليء بالتحديات، إلا أنها نافذة أمل حقيقية تتيح استنهاض الاقتصاد على أسس أقوى وأكثر استدامة.
إلى جانب ذلك، تراهن سوريا الجديدة على تعزيز التعاون الإقليمي مع الدول المجاورة لإسناد عملية النهوض. فالأسواق الإقليمية يمكن أن تستوعب المنتجات السورية وتشكل مصدراً للاستثمارات المشتركة. وقد بدأت بالفعل مبادرات لإنشاء مجالس ولجان اقتصادية مشتركة مع دول الجوار لدعم التكامل الاقتصادي والتجاري. وينصح الخبراء بالاستفادة من هذا الزخم عبر تحسين حركة التجارة عبر الحدود وتسهيل الإجراءات الجمركية، مما يعزز التبادل الاقتصادي مع المحيط. كما أن توجيه الدعم الدولي نحو تعزيز القطاعات الإنتاجية وإعادة تأهيل البنية التحتية الضرورية سيخلق بيئة ملائمة للنمو الاقتصادي، ويمكّن القطاع الخاص والمحليين من العمل بفاعلية أكبر.
عن الشراكة مع القطاع الخاص
أخيراً، في الدول التي أنهكتها الحروب، يصبح النهوض بالاقتصاد مهمة بالغة التعقيد؛ إذ يتساءل كثيرون: هل يستطيع القطاع الخاص وحده الاضطلاع بمهام إعادة الإعمار وتحريك عجلة التنمية، أم أن إحياء مؤسسات الدولة والقطاع العام شرطٌ أساسي لإعادة البناء؟ تُظهر التجارب الواقعية أن القطاع الخاص – رغم دوره المحوري كمحرك للنمو – لا يمكنه منفرداً تحقيق التعافي الاقتصادي المنشود دون وجود دولة قوية ومؤسسات عامة فعّالة إلى جانبه. فعلى سبيل المثال، في العراق أُنفق أكثر من 220 مليار دولار على إعادة الإعمار بين عامي 2003 و2014، لكن ضعف إشراك المؤسسات العراقية في تلك الجهود أدى إلى انهيار البنى التحتية المُنشأة بسرعة بحلول عام 2005. كما ساهمت الهشاشة الأمنية في عزوف الاستثمارات الخاصة، إذ شكَّل انعدام الاستقرار أكبر عقبة أمام نشاط القطاع الخاص في بيئة ما بعد الحرب. وفي النهاية، لم يتمكّن القطاع الخاص وحده من تحقيق الانتعاش المنشود في ظل غياب الدولة الفاعلة وانعدام الأمن.
أما في لبنان، فقد شهدت مرحلة ما بعد الحرب الأهلية نموذجاً مختلفاً؛ إذ تولت شركة سوليدير الخاصة إعادة إعمار وسط بيروت وتحويله إلى حيّ أعمال عصري. ورغم نجاح هذا النموذج عمرانياً واستقطابه الاستثمارات العقارية، إلا أنه همّش السكان الأصليين وأزال الأسواق التقليدية لصالح مشاريع فاخرة، ما عكس نموذجاً تنموياً نيوليبرالياً رجّح كفّة رأس المال الخاص على حساب النسيج الاجتماعي. وفي غياب رقابة دولة قوية وشفافة، كثيراً ما عكست جهود إعادة الإعمار هناك مصالح القوى النافذة – من شركات خاصة ونخب سياسية وميليشيات – أكثر من تلبية احتياجات المجتمع. هذا ما أثار القلق مجدداً بعد الأزمات الأخيرة، حيث يخشى اللبنانيون أن تقود الجهات الخاصة أو الفئوية عملية الإعمار في ظل شلل مؤسسات الدولة.
على النقيض من ذلك، تُبرز رواندا تجربة ناجحة بفضل الشراكة المتوازنة بين القطاعين العام والخاص بعد حرب إبادة جماعية مدمّرة في 1994. أدركت القيادة الرواندية أنه لا غنى عن القطاع الخاص للنهوض بالاقتصاد الوطني، فعمدت إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة ومحاربة الفساد وإزالة العقبات البيروقراطية من طريق المستثمرين. ونتيجةً لذلك أضحت كيغالي إحدى أسهل البيئات الأفريقية لتأسيس الأعمال (إذ لا يستغرق إنشاء شركة جديدة سوى بضع ساعات) مما جذب موجة من الاستثمارات وروّاد الأعمال، بمتوسط 15 ألف شركة جديدة سنوياً توفر آلاف فرص العمل وتدفع عجلة النمو. كذلك استفادت رواندا من توفير الأمن والاستقرار عبر مؤسسات حكومية فعالة، الأمر الذي منح الثقة للقطاع الخاص كي يلعب دوره الكامل في التنمية.
وبالنظر إلى البوسنة والهرسك التي خرجت من حرب مدمرة في التسعينيات، نجد أن الدعم الدولي كان حاسماً في إعادة الإعمار، حيث وُضعت خطة شاملة بالتعاون مع البنك الدولي ركزت على تحقيق الاستقرار الاقتصادي وإنشاء مؤسسات جديدة والانتقال إلى اقتصاد السوق. لكن الطبيعة المُجزّأة للدولة البوسنية أعاقت تكوين بيئة مناسبة لنمو القطاع الخاص، ولم تتحقق التنمية المستدامة إلا تدريجياً وبعد إنشاء هياكل حكم فعّالة وتوحيد السياسات الاقتصادية بدعم خارجي متواصل.
ختاماً، وفي خلاصة القول، لا يستطيع القطاع الخاص بمفرده حمل عبء الإعمار والنهوض بعد الحروب مهما بلغت موارده؛ إذ لا غنى عن دولة تنهض من تحت الركام، تضبط الأمن والقانون، وتوفر إطاراً إدارياً وخدماتياً مستقراً. التجارب من بغداد إلى بيروت إلى كيغالي وسراييفو تؤكد أن إعادة البناء الناجحة تتطلب شراكة وثيقة بين القطاع الخاص والدولة؛ حيث تضع الدولة القوية أسس الاستقرار والحوكمة الرشيدة، ويضطلع القطاع الخاص بدور «الدينامو» الذي يُحرّك الاقتصاد ضمن تلك الأسس. وهذا التكامل وحده كفيلٌ بتجاوز تحديات الواقع وتحقيق نهضة اقتصادية شاملة وعادلة في مرحلة ما بعد الحرب في سوريا.
اقرأ أيضاً: بين الطموح والتحديات في سوريا: ما هو اقتصاد السوق الحر؟









