المجتمع السوري

كيف يهدد تلوث المياه حياة السوريين؟

هل من الممكن أن يكون كأس الماء الصحي الخالي من التلوث “رفاهية” في سوريا؟ بعد الصراع العاصف بالبلاد وما خلّفه من نكبات وأزمات طالت كل القطاعات الحيوية في الجمهورية، إلى جانب التغيرات المناخية المتسارعة المترافقة مع انخفاض في معدلات الهطول المطري، الذي انعكس سلباً على جفاف الينابيع والأنهار. طفت على السطح مشكلة تلوث المياه في سوريا وهي من أخطر المشكلات التي تهدد الأمن الصحي للمواطنين، فقد أسهمت الحرب الدائرة بتآكل البنى التحتية ما أدى لتسرب الملوثات للينابيع والأنهار والمياه الجوفية في ظل غياب للأنظمة المعالجة الفعالة، ما زاد الأمر سوء وأدى لتراجع جودة المياه المستخدمة في الري والشرب، مما ينذر بخطر بيئي وكارثة صحية يمكن أن تهدد سوريا لأجيال قادمة.

تلوث المياه المحدق بالسوريين

تلوث المياه في سوريا لم يكن وليد الصدفة، بل إن السياسات المتصلة بترشيدها واستخدامها واستثمارها كان لها الدور لأكبر في فسادها وعدم صلاحيتها للشرب أو للري. كما أن الأوضاع السياسية في البلاد والأزمة التي عصفت بها لعبت دوراً كبيراً في استنزاف المياه، إذ كان يكفيها في تلك الفترة الفساد الإداري الذي ضرب عمق “مؤسسة المياه” بمختلف المحافظات.

استغل البعض هذه الأزمة واستجروا الماء بطرق غير مشروعة وغير صحية أضرت بمصادره وبالبنية التحتية، ما تسبب بحالة الانهيار المائي لا سيما في أحواض الأنهار: “كنهر الخابور في الجزيرة، العاصي في المنطقة الوسطى، أنهار غوطة دمشق”، ووصل التلوث للأحواض الجوفية في مياه الساحل، وما زاد أزمة التلوث في الساحل، تلوث المياه البحرية في ميناء الصيد وفي المرفأ التجاري نتيجة تحول بعض المناطق منهما لمصبات للصرف الصحي لعدة منتجعات، إضافة للتلوث بالمنتجات النفطية الناتجة عن حركة السفن وتواجدها في منطقة الميناء وخارجها.

ومن أسوء صور تلوث المياه وأحد أسبابها في البلاد: الاستخدام السيء للمياه كجعل أغلب مياه الصرف الصحي والمياه المستخدمة في بعض الحرف والصناعات تسلك طريقها للبحر ومجاري الأنهار والبحيرات. ناهيك عن مخلفات الحرب الطاحنة وذخائرها التي امتدت لسنوات ما بين عامي 2011-2024، والتكرار البدائي للنفط في بعض المناطق مع عدم الاكتراث للكوارث البيئية التي من الممكن لها أن تنجم عن ذلك.

لنَخلص إلى أن التلوث المائي في سوريا يشكل مزيج معقد من المشكلات البيئية الناتجة عن تلاقي تغير المناخ مع العوامل البشرية، لكن بالنظر للمسبب الأبرز للتلوث والرامي لتفاقمه نلاحظ أن اليد البشرية لها الحصّة الأولى في ذلك.

اقرأ أيضاً: المياه كسلاح جيوسياسي في سوريا: من أزمة مناخية إلى أداة صراع

حجم التهديد الصحي الناتج عن تلوث المياه

التلوث المائي يهدد صحة المواطنين السوريين في مختلف مناطق الجمهورية، فقد سجلت العديد من المحافظات السورية خلال السنوات الماضية وتحديداً منذ العام 2019 إلى العام الحالي 2025، تفاقماً شديداً وازدياداً لانتشار الأمراض الناجمة عن تلوث المياه أبرزها: الأمراض المعوية والتهاب الكبد الوبائي والكوليرا.

فالمناطق الشرقية في البلاد: الحسكة والرقة ودير الزور، سجلت العديد من حالات الكوليرا، وحالات التسمم من المياه لاسيما مدينة الطبقة في الرقة التي بلغت فيها حالات التسمم رقماً لا يستهان به، وسجلت محافظة الرقة نسبة حالات تسمم من المياه في العام الحالي وصلت إلى 1000 حالة خلال شهر. في شهر حزيران الفائت وحده سُجلت 1033 حاله غالبيتها كانت إصابات بالتهاب المعدة والأمعاء.

كما واجهت كذلك في العام الحالي منطقة “الحولة” في ريف حمص الشمالي أزمة صحية وبيئية متفاقمة نتيجة تلوث مياه الشرب بمياه الصرف الصحي، فشهد السكان تغيرات ملحوظة في لون ورائحة المياه التي يتم استخدامها في الشرب، ما أدى لانتشار العديد من الأمراض الخطيرة التي تهدد حياة الأهالي في المنطقة، من التهابات الجهاز الهضمي والأمراض الجلدية إلى السرطان الذي أودى بحياة عدد من السكان، وهذه الملوثات يمكن أن تسبب أمراضاً خطيرة مثل الكوليرا والتيفوئيد والحمى المالطية، إضافة إلى أمراض أخرى قد تؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة مثل التهاب الكبد الوبائي.

وقُدّر تلّوث البنية التحتية للمياه في بعض القطاعات السورية، بنسب لا يمكن التهاون في التعامل معها، ووفقاً لتقارير أدّت الحرب الممتدة منذ عام 2011 حتى عام 2024 إلى تدمير واسع للبنية التحتية للمياه والصرف الصحي. اليوم، تعمل فقط نحو 50 % من أنظمة المياه والمعالجة في سوريا، مقارنةً بنحو 98 % قبل الحرب في المدن و92 % في المناطق الريفية.

وفي دراسة نشرت عن تلوث المياه، وثّق وجود ما لا يقل عن 530 تسرب نفطي، و690 مجمّعاً لمرافئ مصافي، بالإضافة إلى 227 كم ملوّث من الأنهار والقنوات، مما يؤثر مباشرة على الزراعة والمياه الصالحة للشرب. كما توقف أكثر من ثلث محطات المضخّات بحلول 2019، واضطرار السكان لاستخدام الآبار غير المعقّمة في مناطق مثل دير الزور والرقة، مما أدى إلى ارتفاع كبير في الأمراض المنقولة عبر المياه، مثل الكوليرا والتيفوئيد والتهاب الكبد A، وأمراض الإسهال خصوصاً عند الأطفال في مناطق مثل الغوطة وريف دمشق، تجاوزت مستويات الأمونيا والـBOD والمعادن الثقيلة (مثل الكروم والرصاص) حدود المعايير الصحية بمرات عديدة، وبعض الآبار بلغت مستويات الرصاص 4 إلى 6 أضعاف الحدّ الآمن.

والتلوث ترافق مع ظهور مكبات النفايات المفتوحة مع تراكم أكثر من 850 طن يومياً دون معالجة، وأشغال حرق النفايات الملوّثة، أدّت إلى تصدير الملوثات إلى الهواء والتربة والمياه الجوفية، إضافة إلى اعتماد حوالي 70 % من الأراضي الزراعية على مياه ملوثة أو غير كافية بعدما تعرّضت أنظمة الري للتدمير، فتعطّلت الأمن الغذائي محلياً، وزادت معدلات الفقر الغذائي.

ناهيك عن تفشّي وباء الكوليرا منذ سبتمبر 2022 في مناطق الشمال والشمال الشرقي، وصل إلى أكثر من 13,000 حالة مشتبه بها، و60 وفاة مؤكدة، مرتبطة باستخدام مياه نهري الفرات الملوّثة، وغسيل الخضار منها، مع ارتفاع معدل الإسهال الحاد بنسبة تصل إلى 47 % في بعض البيئات، مع انتشار حشرات جلدية مثل الجرب والقمل بسبب ضعف البنية الصحية في المخيمات والمناطق النازحة، التي تعتمد على مياه ناقصة النظافة ومحطات صرف غير كافية.

اقرأ أيضاً: “حمص عطشى” حملة لإيصال الصوت بسبب أزمة المياه

هل الحلول مستحيلة؟ كيف ننقذ ما تبقى؟

من الحلول التي كانت مطروحة في الماضي، أنه تم التعاقد على تنفيذ محطة معالجة “منصرفات مدينة اللاذقية” مع شركة فرنسية عام 1996 لكنها لم تلتزم بالتنفيذ وأنهي العقد معها عام 2006، وبعدها في عام 2008 تم الإعلان والتعاقد على تنفيذ المحطة مع شركة إيرانية، وبلغت تكلفة تنفيذها حينها ملياراً و800 مليون ليرة سورية (40 مليون دولار)، ولكن تعثرت الشركة بالتنفيذ مع بداية الأحداث في سوريا عام 2011، وأخذت تماطل بسبب تعرض البلاد للحرب، إلى أن بات متلاشياً تنفيذ هذه الفكرة مع مرور الوقت.

تواجه إدارة المياه في سوريا جملة من التحديات الكبيرة التي لها تأثير مباشر على قدرة البلاد في تلبية احتياجاتها الأساسية من الموارد المائية، إذ تعاني البنية التحتية للمياه في سوريا من تدهور كبير بسبب الأضرار الكبيرة الناجمة عن النزاع السوري. تشير التقارير إلى أن أكثر من 40% من محطات معالجة المياه قد توقفت عن العمل أو تعمل بكامل طاقتها بسبب نقص الصيانة والموارد المالية، هذا يساهم في زيادة تلوث الموارد المائية، مما يشكل عقبة إضافية في طريق الصحة العامة والبيئة والمجتمع السوري.

الحلول المطروحة تكمن في: تزايد الاعتماد على تقنيات “التنقية الحديثة” لتحقيق جودة مياه صالحة للاستخدام. تشمل هذه التقنيات أنظمة معالجة المياه باستخدام الفلاتر المتقدمة، والأغشية، والعمليات الكيميائية، مما يضمن إزالة الملوثات والجراثيم. تلعب هذه الابتكارات دوراً أساسياً في تعزيز الثقة في جودة المياه، مما يدعم الاستخدام الفعال لهذه الموارد القيمة.

اعتماد الاستراتيجيات الكبيرة، مثل التشجيع على إعادة استخدام المياه، إذ أنه في العديد من الدول، تم تطوير أنظمة متطورة لمعالجة المياه العادمة وإعادة استخدامها، مما أدى إلى تقليل الطلب على المياه العذبة، مثل: مدينة سنغافورة التي سارعت بتطبيق نظام شامل لإعادة استخدام المياه، حيث يتم معالجة المياه المستعملة وتحويلها إلى مياه صالحة للشرب والزراعة.

من الحلول المطروحة “التعاون الإقليمي”، الدول المجاورة لسوريا تسعى إلى إنشاء شراكات إقليمية تتيح لها التعاون في إدارة المياه العابرة للحدود. يشمل ذلك تبادل المعلومات حول إمدادات المياه والتقنيات الحديثة المستخدمة في إدارة الموارد المائية. من خلال هذه المبادرات، يمكن تحسين الأمان المائي والحد من النزاعات المرتبطة بالمياه، مما يسهم في تحقيق الاستقرار الإقليمي، وضمان جودة المياه المشتركة، وتعتبر مشاريع الشراكة بين الدول والجمعيات الخيرية جزءاً أساسياً من الجهود الرامية إلى تحسين إدارة المياه، ويُعتبر برنامج تنمية الأمم المتحدة من أبرز الأمثلة على هذا التعاون، حيث يعمل على تمويل وتنفيذ مشاريع توفير المياه النظيفة وتعزيز البنية التحتية المائية في المناطق المتضررة.

كما يمكن الاستفادة من تجارب بعض الدول التي طوّرت تقنياتها لمحاربة أزمة تلوث المياه، منها: تونس عندما أقامت مشروع مياه الصرف في شمال مدينة تونس الذي موَّله البنك الدولي، وشارك صندوق البيئة العالمية بِمنحة في تمويله، تم عبر إنشاء قنوات تحت سطح البحر ومصب لتفريغ مياه الصرف المعالجة في البحر وحوض لتخزين مياه الصرف. في المغرب: قامت شركة مغربية للنسيج بتطوير نظام لمعالجة مياه الصرف الناتجة عن عمليات الصباغة، ويتضمن النظام استخدام وحدة تعويم بالهواء المذاب لفصل المواد الصلبة، ومعالجة بيولوجية باستخدام البكتيريا.

اقرأ أيضاً: سوريا تختنق: تلوث الهواء يهدد حياتنا!

ختاماً، تلوث المياه من المعضلات المعقدة التي تواجه هذه البلاد التي مزقتها الحرب وأنهكت سطحها قبل بنيتها التحتية، لا حياه دون ماء، فالتلوث المائي يصنف على أنه خَطر وجودي يهدد حياة الشجر والبشر. يتحتم على السلطات السورية اتخاذ خطوات جريئة وسريعة لمكافحة هذه المشكلة عبر دعم حلول محلية إسعافية، إلى جانب تعميق الشراكة مع دول الإقليم التي تتقاطع المصالح المائية معها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى