السوريون ممنوعون من العمل عن بعد!
سوريا والاقتصاد الرقمي.. بين السماح القانوني والاستحالة التشغيلية

بقلم: ريم ريّا
رغم الإعلان عن رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا، وصدور تراخيص رسمية تسمح بتقديم خدمات رقمية والعمل عن بعد، ما زال السوريون يعانون من الإقصاء الرقمي. حتى اليوم لا تزال معظم المنصات التقنية العالمية مغلقة أمام المستخدمين السوريين.
خدمات الدفع الإلكتروني تقريباً لا تعمل، منصات العمل الحر تقيد الحسابات، والإعلانات وتحقيق الدخل، وما زالت خاضعة لقيود واسعة، وكأن شيئاً لم يتغير. هذا الواقع يطرح السؤال التالي: إذا كانت العقوبات قد رُفعت قانونياً، فلماذا لم تُفتح هذه الخدمات عملياً؟ ولماذا لا يزال السوريون خارج منظومة الاقتصاد الرقمي العالمي، رغم أن القوانين المعلنة لم تعد تمنع ذلك!
في هذا المقال، نحاول تفكيك الفجوة بين النص القانوني والواقع التقني المعاش، وشرح الأسباب الحقيقية التي تجعل رفع العقوبات غير كافٍ وحده لعودة الخدمات الرقمية إلى سوريا، من خلال تتبع سلسلة القرارات التي تبدأ بالقانون ولا تنتهي عند المستخدم.
السوريون تحت نير الإقصاء الرقمي رغم رفع العقوبات!
استبشر السوريون الخير، بعد سنوات من الحصار الاقتصادي والسياسي، عندما شهد العالم في النصف الثاني من سنة 2025 تطورات غير مسبوقة في العلاقة بين أمريكا وسوريا. إذ أعلن البيت الأبيض بداية خطى رفع العقوبات الأمريكية على سوريا، وأصدرت وزارة الخزانة تراخيص عامة تسمح بأنشطة كانت محظورة في السابق بموجب برنامج العقوبات السوري.
لكن في الحقيقة، اليوم وعلى الأرض، لا يزال المواطن السوري يواجه جداراً تقنياً ومالياً يَحول دون استخدام أبسط التقنيات التي يعتمد عليها العالم في العمل الحر، كالدفع الإلكتروني، المتاجر الرقمية وحتى الوصول إلى حسابات شخصية على الإنترنت. الواقع يبدو متناقضاً، لكنه في جوهره يعكس عدم تجانس بين الجانب القانوني الرسمي والجانب العملي لدى الشركات العالمية والشركاء الماليين.
اقرأ أيضاً: رفع العقوبات و 500 شركة جديدة في عام واحد.. هل بدأ الاقتصاد السوري بالنهوض؟
رفع العقوبات بين القانون وحدود التأثير على الخدمات الرقمية
في أواخر شهر أيار عام 2025، أصدرت إدارة الرئيس الأمريكي تراخيص عامة (General License 25)، تسمح بمعظم المعاملات الاقتصادية والتجارية، التي كانت محظورة في السابق ضمن إطار العقوبات المفروضة على سوريا. هذه التراخيص تعني أن القانون الأميركي لم يعد يمنع شركات أميركية من تقديم خدماتها أو التعامل مع المستخدمين السوريين.
لكن تبيّن أن هذه التراخيص القانونية الرسمية، ليست “فتحاً تلقائياً” لكل ما يتعلق بالاقتصاد الرقمي. فالتراخيص الحكومية تحدد فقط ما هو “مسموح قانوناً”، لكنها لا تجبر الشركات على العمل في دولة ما، وهنا يكمن الفرق الكبير. القانون يزيل الحظر الرسمي، نعم. لكنه لا يلزم شركة خاصة مثل PayPal أو Upwork أو Visa بإعادة خدماتها أو بناء بنية تشغيلية في بيئة تعتبرها عالية المخاطر، كذلك لا يضمن التشغيل الفعلي أو قبول الشريك المالي.
معظم المنصات العالمية اليوم، ليست مجرد تطبيقات تعمل على الإنترنت. فهذه المنصات مرتبطة بنظم امتثال معقدة، ومرتبطة بمكافحة غسيل الأموال وكذلك التحقق من الهوية. حتى بعد رفع العقوبات، تواجه الشركات معضلة أساسية، ربما هي حجر العثرة في طريق العودة، وهي: هل نستطيع تشغيل خدماتنا في سوريا بوضع آمن؟ هل الوضع التشغيلي في البلاد متوافق مع معاييرنا العالمية؟
فالشركات الكبرى تخضع لقواعد صارمة تجاه مخاطر الاحتيال والجرائم المالية، وهذا ما لا يغيره أي شيء، حتى صدور ترخيص حكومي. إذ لتعيد عملها، يتعين على تلك الشركات أن تتأكد من هوية المستخدمين، وأن تراقب المعاملات، وتراعي تطبيق أنظمة شديدة التعقيد تقي من الاستخدام غير القانوني.
في وضع كهذا، يجب توفر موارد وفرق متخصصة، والحقيقية سوريا تفتقد لذلك، إلى جانب إجراء تعديلات على قواعد البيانات، ونظم التدقيق، وهو ما تبدي أغلب الشركات عدم رغبتها في خوض هكذا تجربة في بيئة تعتبرها “عالية الحساسية”.
تبعاً لما تقدم، يجب أن تحل القضية في قسم الامتثال القانوني، وأن يجري تحويلها في مجمل الشركات إلى فرق مختصة تجيد التعامل مع الخطر أو التهديد الأمني العام، فضلاً عن معالجات تتم تحت تصنيف “سوء تمثيل الموقع” عند الكشف عن مستخدم داخل سوريا، بدلاً من الدخول في معترك تحليلي وقانوني حول الترخيص، ما يعمق المشكلة ويجعلها أقل وضوحاً للمستخدم العادي.
كيف تعطل المنظومة العالمية المالية الخدمات الرقمية؟
لنفترض أن شركة ما، قد قررت منخ خدماتها للمستخدمين السوريين، فستقف أمامها عقبات أبرزها، البنوك الدولية والشركاء الماليون.
فبوابات الدفع الإلكتروني، مثل PayPal وStripe تعتمد على بنى مالية عالمية مرتبطة بالبنوك والمراسلات المالية الدولية. Visa وMastercard تعمل عبر شبكة بنوكها المراسلة حول العالم. ووجود سوريا كدولة كانت محطةً للعقوبات يجعل البنوك المراسلة ترفض المعاملات القادمة من سوريا خوفاً من المخاطر التنظيمية والمالية.
نتيجةً لذلك، يستمر انقطاع خدمات الدفع الإلكتروني حتى بعد رفع العقوبات بشكل رسمي. شركة PayPal نفسها أكدت عبر ردود دعم العملاء، أن خدماتها ما تزال غير متاحة في سوريا. وأن إدراج الدولة ضمن قائمة الدول المدعومة ليس متاحاً في أي تحديث حتى منتصف أيار عام 2025. وفق ما أكدت الشركة حينها، ويبدو أن الأمر مستمر إلى الآن.
المعطيات المطروحة أعلاه والواقع، يؤكدان أن الشبكات المالية العالمية لا تزال تعزل سوريا، ولا يرجع ذلك للحظر الحكومي الذي كان مفروضاً، بل تبعاً لاستراتيجيات إدارة المخاطر التي تتبعها البنوك وشبكات الدفع. فالشركات الكبرى تفضل عدم الدخول في بيئة تبدو أنها “عالية المخاطر”، حتى ولو سمح القانون نظرياً بذلك.
إدماج سوريا في الاقتصاد الرقمي.. الشروط والمسارات الممكنة
بيّن لنا الواقع، أن رفع العقوبات الحكومية ليس إلا خطوة صغيرة في سلسلة طويلة من التحديات. فالمسألة تتعدى المسار القانوني، بل يمكن وصفها بالمسألة “التشغيلية والمالية“. فكل حلقة في هذه السلسلة من القانون وحتى الامتثال، مروراً بالبنوك وشبكات الدفع حتى الوصول إلى القرارات الإدارية العليا في الشركات العالمية، يمكن لها أن توقف تفعيل الخدمة بشكل كامل بالمطلق.
الحل لهذه المعضلة، يكمن في إجراء تغييرات في سوريا موازية لسياسات الشركات العالمية، وتطوير قنوات دفع تتمتع بالمرونة الكافية والتغطية الدولية. فضلاً عن تحديث أنظمة الامتثال لتشمل بيئات كانت في السابق معزولة. في الحقيقة كل هذه الشروط، لا يمكن تحقيقها من خلال إعلان سياسي أو تصريح واحد فقط. بل تحتاج حوار مهني منظم بين الجهات التنظيمية والجهات التقنية في سوريا.
ختاماً، رفع العقوبات عن سوريا كان خطوة ضرورية ومطلوبة، لكنه لم يكن كافياً. ما زال الحظر العملي قائماً من خلال منظومة مالية وقانونية معقدة. من هنا يجب أن يتحول تركيز السؤال من “لماذا لم تُفتح الخدمات؟” إلى سؤال يصوّب اتجاه البوصلة: “ما هي المسارات الواقعية التي تمكّن تشغيل هذه الخدمات؟” وما هي الجهات التي يجب التواصل معها لتحقيق هذا الهدف؟. إن الفهم الكامل لهذه السلسلة هو مفتاح الإدماج الحقيقي للبلاد في الاقتصاد الرقمي العالمي.









