سياسة

كيف يمكن محاربة الفقر جديّاً في سوريا؟!

بقلم: أحمد علي

منذ فترة غير بعيدة، خرجت العبارات الثقيلة من فم الرئيس أحمد الشرع لتستقرّ في بيوت السوريين: المعركة الآن هي مع الفقر. عبارةٌ تصلح لتكون «مانيفستو» لمرحلةٍ جديدة، شرط ألّا تبقى في فم الخطب ولا على لافتات المعارض.. في الأيام الأخيرة، جاء الإعلان عن استراتيجية وطنية لمحاربة الفقر من قلب معرض دمشق الدولي، في مشهدٍ يَعِدُ بانتقال الشعار إلى سياسات. لكن السؤال الأخطر يظلّ مطروحاً: كيف تتحوّل محاربة الفقر في سوريا من شعار إلى برنامجٍ يعيد توزيع الثروة فعلاً، ويغيّر قواعد اللعبة لصالح من ينتجون الخبز والقطن والإسمنت والمعرفة؟ لقد آن الأوان لاقتصادٍ يُقاس بنصيب العامل من الدخل، لا بحجم أرباح الاحتكارات ولا بارتفاع مؤشّرات المضاربة. وهذه السطور محاولة لصياغة طريقٍ جادّ، بلغة العدالة الاجتماعية ومنطق إعادة التوزيع.

محاربة الفقر في سوريا تبدأ من الاعتراف بالمشكلة

إذا كانت الدولة تُعلن حرباً على الفقر، فالمعركة لا تُكسب بجرعات إغاثة ظرفية، بل بإعادة توازن القوة بين الأجور والأرباح. سنوات الحرب والعقوبات والاضطرابات أطاحت بالدخل الحقيقي للأغلبية، فيما تركزت الثروة في شبكات ضيّقة. المؤشرات الأممية نفسها تتحدث عن نسب فقرٍ غير مسبوقة قاربت تسعة من كل عشرة سوريين، ما يجعل العدالة التوزيعية شرطاً للبقاء لا ترفاً أيديولوجياً. وهذا الاعتراف ليس توصيفاً أدبياً، بل نقطة البدء لصياغة سياسات تتعامل مع الفقر كنتاجٍ لخلل بنيوي في توزيع الدخل والقدرة على التسعير والامتيازات الريعية، لا كحادثة طارئة تُعالَج بمنحة هنا ومشروع صغير هناك.

ما الذي تغيّر حقاً؟

حين يقول الرئيس إن «الحرب مع الطغاة انتهت والمعركة ضد الفقر بدأت»، فذلك يعدّل بوصلة الخطاب العام، ويضع معياراً يُحاسَب عليه الجميع: الحكومة، والقطاع العام، والقطاع الخاص، والنقابات، والبلديات. وحين يعلن وزير المالية من جناح وزارته في معرض دمشق الدولي قرب إطلاق برنامج وطني ضمن «استراتيجية شاملة لمحاربة الفقر»، يصبح الامتحان في التفاصيل: آليات تحديد الفئات الفقيرة، مصادر التمويل، أدوات التنفيذ، وجدولٌ زمني مُعلن للمساءلة. فالأقوال القوية تمنح شرعية الانطلاق، أما السياسات فتصنعها الأرقام والقرارات التي تغيّر نصيب الأجور من الكعكة الوطنية وتكسر حلقات النهب والفساد.

جوهر الأزمة توزيعٌ لا نموٌّ على الورق

الأرقام المحلية المتداولة طوال العقد الماضي تشير إلى اختلالٍ حادّ بين حصّة الربح وحصّة الأجر في الدخل الوطني. ما يعني أنّ أي نموٍّ اسميّ – ولو تحقق – لن يَسري إلى جيوب العمّال إن بقيت القاعدة كما هي: الأسعار تتحرك صعوداً بقرارٍ احتكاري أو صدمة استيراد، فيما الأجور تُجمَّد أو تُزاد اسمياً لتلتهمها الأسعار بعد أيام. لذلك، فإن الفقر ليس نقصَ صدقات، بل نتيجةُ توزيعٍ مجحف؛ وبالتبعية، فـمحاربة الفقر في سوريا تعني أولاً إعادة هيكلة توزيع الدخل لصالح العمل على حساب الريع والربح الطفيلي.

تثبيتُ القدرة الشرائية لا تصحيحٌ شكلي

السياسة الجدية تبدأ برفع الحدّ الأدنى للأجور وربطه بمؤشر تكاليف المعيشة الحقيقي، مع فهرسةٍ شهرية أو فصلية تلقائية تمنع تآكل الأجر بالتضخم. بالتوازي، تُضبط أسعار السلع الأساسية – قمح، خبز، محروقات، كهرباء أساسية، دواء – عبر سِقوفٍ ملزمة وكلفةٍ مدعومة تُموَّل من ضرائب تصاعدية على الأرباح الريعية والأصول الكبيرة. وهذا ليس «تلطيفاً» للسوق؛ بل هو تصحيحٌ لميزان قوة غير عادل بين مستهلكٍ أسير وتاجرٍ مُسعِّر.

أمّا التحويلات النقدية المباشرة وحدها، فستتحول – كما خبر السوريون – إلى وقودٍ لارتفاعٍ جديد في الأسعار إن تُرك التسعير لدوائر الاحتكار، ولهذا يجب أن تأتي كجزء من حزمةٍ شاملة تشمل التسعير العادل ومخزوناً استراتيجياً يكبح المضاربين.

من الجباية إلى العدالة

تحتاج الخزينة إلى مواردٍ مستدامة تموّل الأجور والخدمات العامة من دون طباعةٍ تضخمية. الحلّ واضح: ضريبة أرباح استثنائية على القطاعات الرابحة، وزيادةٌ تصاعدية على الشطور العليا للثروات الكبيرة، مع مكافحةٍ فنية للتهرب عبر فواتير إلكترونية ومطابقةٍ مصرفية، وتخفيض العبء عن المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي تولّد عملاً حقيقياً. وهنا لا بدّ من القول إن العدالة الضريبية ليست عقاباً للقطاع الخاص المنتج؛ بل بالعكس، هي تصفيةٌ للريع الذي يخنق المنتجين الصغار لصالح قِلة تستأثر بالموانئ والأسواق والعملة الصعبة.

كذلك، لا يمكن لبرنامج لمكافحة الفقر أن ينجح وسلاسل التوريد محتكرة في حلقاتٍ تُقرر وحدها الكلفة والسعر. المطلوب تفكيك التمركز في الاستيراد والتوزيع والمواد الأساسية عبر تراخيص مفتوحة مشروطة بمعايير شفافية، إلى جانب ذراعٍ تجاريةٍ عامة تتدخل حين يلزم لتوفير السلع بهوامش عادلة.

وفي الريف، تُعاد الروح إلى التعاونيات الإنتاجية والتسويقية بتمويلٍ رخيص وتخزينٍ مبرد وشبكات نقل مدعومة، فتتحسّن دخولُ صغار الفلاحين ويهبط السعر على المستهلك. عند ذلك تتحول محاربة الفقر في سوريا إلى سياساتٍ إنتاجية لا إعاناتٍ موسمية.

المال في خدمة العمل

يُعاد تعريف دور المصارف العامة كأداةٍ لتمويل القطاعات المنتِجة – الصناعة الخفيفة، الزراعة، مواد البناء، الدواء – بفوائدَ منخفضة وشروطٍ واضحة، مقابل التزامٍ بخلق فرص عمل لائقة. وتُخصّص نافذةٌ ائتمانية للأحياء والبلدات لتمويل مشاريعٍ صغيرة جماعية، على أن تُربط المنح بالتدريب والإشراف المحاسبي لتقليل الفشل والفساد. هذه ليست «اشتراكية»، بل وصفةٌ طبّقتها اقتصاداتٌ رأسمالية ناجحة حين أرادت نقل الثقل من المضاربة إلى الإنتاج.

وبالتأكيد، لا تعالج الأسعار بالوعود حين يتصل الأمر بالخبز والطاقة والمياه والنقل العام. فهذه قطاعاتٌ ينبغي أن تبقى تحت ملكيةٍ اجتماعية وإدارةٍ مهنية شفافة، مع رقابة مجتمعٍ مدني ونقابات ومجالس بلدية.

المطلوب خطّةُ أمنٍ غذائي تُضاعف إنتاج القمح عبر دعم المدخلات وحماية السعر المُعلن للمزارع، وخطةُ طاقةٍ تُنهي هدر الشبكات وتوسّع التوليد اللامركزي، بحيث تُحمى القدرة الشرائية من صدمات الوقود والكهرباء. وبينما يتوقع البنك الدولي نمواً اقتصادياً متواضعاً هذا العام، فلن يتحول النموّ إلى رفاهٍ من دون هذه الضمانات العامة التي تمنع انتقال كلفة التعافي إلى الفقراء.

تحييد غذاء الفقير عن السياسة

من ناحية أخرى، ينبغي أن يصمم الانفتاح التجاري والاستثماري بما يخدم الإنتاج والعمالة، لا بما يفتح بواباتٍ جديدة للاحتكارات. بحيث تُوقّع اتفاقات تبادلٍ للقمح والدواء وقطع الغيار بالعملات المحلية أو بالمقايضة، ويُفصل تموين السلع الأساسية عن تقلبات العقوبات والنزاعات عبر تفاهماتٍ مُعلنة. فما دام المعرض الاقتصادي عاد منصةً لجذب الشركاء، فليكن معيار الشراكة هو أثرها على الأجر وفرص العمل، لا حفلات الافتتاح وحدها.

وحتى لا تُصاب الاستراتيجية الوطنية بمرض الخطط الورقية، لا بدّ من ثلاث أدوات: أولاً، ميزانيةٌ مواطنية منشورة تفصيلياً تُظهِر أين تُجبى الضرائب وأين تُنفق، وثانياً، مجلسٌ وطني للأجور والأسعار يضم النقابات والبلديات والقطاع المنتج ويصدر قراراتٍ مُلزمة بعد نقاشٍ علني، وثالثاً، لوحة مؤشراتٍ شهرية تُقاس بها النتائج: انخفاض نسبة الفقر المدقع، تحسّن حصة الأجور من الدخل، زيادة الإنتاج الصناعي والزراعي، وتراجع فجوة الأسعار بين الجملة والمفرق. وبهذا تصبح محاربة الفقر في سوريا مساراً يمكن للمواطن أن يراه بالأرقام، لا عنواناً لندوة.

من «وعد» إلى «حق»

خلاصة الطريق بسيطة ومعقّدة في آن: فالفقر في بلدٍ يملك أرضاً ومياهاً وثروات وعمالاً مهرة وشهدت عواصم العالم المتقدم بهم؛ ليس قدراً، بل نتيجة سياساتٍ تُغيّرها سياسات مضادة لها. وما يُعلَن اليوم في المنابر – من حلب إلى أروقة معرض دمشق الدولي – لن يساوي شيئاً إن لم يُترجم إلى إعادة توزيعٍ ملموسة للثروة: أجرٌ يكفي، سعرٌ عادل، ضريبةٌ منصفة، قطاعٌ عام فعّال، سوقٌ خاص تنافسية بلا احتكار، وتمويلٌ موجه للإنتاج. عندها فقط تستطيع أجيال كاملة من الفقراء أن تصدّق أنّ محاربة الفقر في سوريا بدأت فعلاً!

اقرأ أيضاً: الفقر: فتيل أشعل الثورة السورية.. فهل انطفأ بعد التحرير؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى