المجتمع السوري

كيف يعيد الشتاء تشكيل أولويات السوريين الاقتصادية؟

عندما يعيد البرد والمطر كتابة ميزانية البيوت السورية

بقلم: ريم ريّا

مشهد سوريا الاقتصادي في فصل الشتاء يدور تحت عنوان: “اقتصاد الصبر وتدبير المستحيل”، لا يأتي الشتاء في سوريا كفصل عابر، بل كاختبار سنوي قاسٍ لقدرة الناس على الاحتمال وإعادة التكيّف. مع أول موجة برد، تتغير لغة البيوت، وتتبدل الحسابات، وتُعاد كتابة ميزانيات الأسر على وقع أسعار الوقود وغياب الكهرباء وتقلبات العملة. في بلد يعيش أصلاً تحت ضغط اقتصادي طويل، يصبح الشتاء عاملاً مضاعفاً للأزمة، لا يضيف عبئاً جديداً فقط، بل يعيد ترتيب الأولويات من أساسها، ويفرض على السوريين نمط إنفاق مختلفاً، أقرب إلى إدارة أزمة منه إلى حياة طبيعية. في هذا المقال سنناقش كيف يغير الشتاء وبرده القارس أولويات السوريين.

أولويات السوريين في الشتاء القارس

الدفء قبل كل شيء، هذا ما يهرع إليه السوريون عند حلول الشتاء، يتحول الدفء إلى أولوية مطلقة تتقدم على كثير من الاحتياجات الأخرى. فشراء المازوت أو الحطب أو أي بديل للتدفئة يصبح بنداً أساسياً في ميزانية الأسرة. ولو على حساب الغذاء المتنوع أو الملابس الجديدة أو المصاريف الثانوية.

في العديد من البيوت السورية، تجتمع العائلة في غرفة واحدة ليس بدافع الألفة دائماً، بل لتقليل كلفة التدفئة. وفق الأسعار الحالية والمتفاوتة بين مكانٍ وآخر حتى ضمن المدينة الواحدة، تحتاج أسرة سورية متوسطة مؤلفة من خمسة أفراد في الحد الأدنى إلى نحو 100 ليتر مازوت شهرياً للتدفئة الخفيفة فقط، أي ما يعادل 875 ألف ليرة سورية شهرياً، أي قرابة 75 دولاراً كاملة.

يضاف إلى ذلك أسطوانة غاز واحدة على الأقل شهرياً للطبخ والتدفئة الجزئية، بسعر 110 آلاف ليرة، أي نحو 10.5 دولارات. وفي أحيانٍ أخرى تسجل الأسطوانة سعر 126.000 إلى 135.000 في المدينة الواحدة وعلى بعد أحياء فقط. بذلك تصل كلفة الوقود الشهرية إلى ما يقارب 985 ألف ليرة سورية، أي حوالي 85.5 دولاراً. وعلى امتداد فصل الشتاء الذي يمتد فعلياً لثلاثة أو أربعة أشهر، تقفز الكلفة الإجمالية للوقود وحده إلى ما بين 255 و340 دولاراً. في المقابل، إذا كان دخل الأسرة الشهري بحدود 75 دولاراً، فهذا يعني ببساطة أن كامل الدخل لا يكفي لتغطية التدفئة والغاز فقط، دون احتساب الغذاء أو الدواء أو النقل أو أي مصروف آخر.

من بعد الوقود، يأتي همّ الملابس الشتوية لاسيما للأطفال، لكن تحل الأزمة من خلال اللجوء إلى شراء المستعمل وربما الاعتماد على المساعدات، في ظل عجز كثير من العائلات عن مواكبة الأسعار. أما الغذاء فيتم التركيز على المواد الأرخص والأكثر إشباعاً، فيما تختفي تدريجياً اللحوم بما فيها الدجاج من موائد كثيرة.

اقرأ أيضاً: المشغولات الصوفية في سوريا ضيف الشتاء الدافئ

كيف يدبر المواطن السوري أموره في فصل الشتاء

التدبير في الشتاء، لم يعد خياراً للمواطن في سوريا بل بات مهارة مكتسبة يتباهى بها بين جيرانه من البلدان العربية. إذ يعتمد الكثير على تقسيم الراتب أو الدخل على مراحل، مع تأجيل بعض الفواتير التي تحتمل ذلك، وإذا اضطر الأمر الاستدانة من المحيط القيب.

البعض يلجأ إلى أعمال موسمية أو إضافية، مهما كانت متعبة أو غير مستقرة  فقط لتأمين الحد الأدنى من المعيشة ولو حتى التدفئة فقط. ومن الحلول التي يدبرها المواطن السوري التي كانت وما زالت قائمة حتى اللحظة، استخدام وسائل تدفئة أقل كلفة لكنها أكثر خطورة مثل الغاز. كم يلجأ البعض إلى اتباع تقنين صارم في الطعام والكهرباء التي تم تقنينها ذاتياً تبعاً لرفع أسعارها العام الماضي، وما زال المواطن قلق منها حتى اللحظة. أما في الريف، تعود بعض الأسر إلى تخزين الحطب أو الوقود مسبقاً في حال استطاعت ذلك. وهناك الوضع كارثي في حال تأثر المزروعات بالصقيع أو بموجات الشتاء العنيفة.

كيف يتم إعادة ترتيب ميزانية البيت.. عن ماذا يبتعد المواطن؟

الميزانية في البيوت السورية تكتب بقلم القلق في فصل الشتاء. إذ يبدأ الترتيب من الأعلى إلى الأسفل: التدفئة أولاً، الغذاء ثانياً، ثم ما تبقى إن بقي شيء. غالباً ما يتم اقتطاع جزء من مصاريف الصيف أو الادخار القليل إن وُجد، لتغطية كلفة الشتاء.

عند قدوم الشتاء، تختصر الكميات وتستبدل الجودة بالكم. كثير من الأسر تعتمد على قائمة أولويات متغيرة أسبوعياً، وليس شهرياً، بسبب تغير الأسعار السريع. أي طارئ، كمرض أو عطل مفاجئ، قد ينسف هذا التوازن الهش بالكامل.

بالمقابل، ينسحب المواطن بشكل تدريجي من مصاريف الرفاهية، لتصبح مؤجلة إلى أجل غير مسمى. والخروج من المنزل يقل لحده الأدنى بفعل البرد ولتقليل المصاريف الزائدة. وتصبح المطاعم والأنشطة الاجتماعية خارج الحسابات. ويصل التقنين إلى المناسبات العائلية التي تختصر أو تلغى تبعاً للتكلفة التي لا تحتمل.

العملة الجديدة وتأثيرها على حسابات الشتاء

حالة ترقب وقلق تسود الشارع السوري تبعاً لطرح العملة الجديدة وحذف صفرين منها، ما يربك حسابات الناس، ويطرح سؤالاً حول تأثير الطرح على السوق. بالرغم من أن طرح عملة جديدة يُقدم بالغالب كخطوة تنظيمية وفنية، لكن المواطن السوري ينظر إليها من زاوية واحدة “هل ستزيد الأسعار، أم ستخفف العبء؟”.

حتى لحظة كتابة هذه الكلمات، يسود القلق أكثر من الطمأنينة الشارع السوري حول طرح العملة. إذ يخشى الكثيرون أن يرافق أي تغيير في شكل العملة موجة جديدة من الغلاء أو الارتباك في التسعير، لاسيما في موسم حساس كشتاء. فالتجارب السابقة جعلت الثقة مفقودة بعض الشيء، وأي تحرك نقدي يقرأ فوراً في السوق، فسرعان ما كانت ترتفع الأسعار وتتراكم الأعباء على الأسر السورية.

في سوريا، لا يعيد الشتاء تشكيل الاقتصاد فقط، بل يعيد تعريف الحياة اليومية بأكملها. تتغير العلاقات مع السوق، ومع الوقت، وحتى مع الذات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى