كيف يعمّق بند “القوة القاهرة” أزمة الكهرباء في سوريا؟

بقلم: ديانا الصالح
أعلنت مصادر حكومية مصرية إيقاف ضخ كمية الغاز الطبيعي الموجهة نحو سوريا ولبنان عبر خط الأنابيب الإقليمي المعروف باسم “خط الغاز العربي” الذي يمر عبر الأراضي الأردنية، وتُقدر الكمية المتوقفة بنحو 100 مليون قدم مكعب يومياً، الأمر الذي ينعكس سلباً على الأمن الطاقي في المنطقة لا سيما سوريا ولبنان، كونهما تعتمدان على هذه الإمدادات في التوليد الكهربائي، فيما تبقى عودة الضخ متوقفة على مدى التهدئة الأمنية وعودة الاستقرار، إلى جانب إعادة تفعيل الطاقة الكاملة لحقول الغاز البحرية.
وفي هذا السياق، تثور عدة تساؤلات ملحّة حول مدى تأثر البلاد بالانقطاع المفاجئ، وسط ضعف الإنتاج المحلي والبنية التحتية المتهالكة، ومتى نخرج من دوامة الاعتماد على بدائل الخارج؟
للمزيد من التفاصيل حول أزمة الكهرباء في سوريا والتأثر بالتوتر الإقليمي، تابع مقالنا التالي..
أزمة الكهرباء في سوريا
شهدتِ المنظومة الكهربائية في سوريا، انخفاضاً ملحوظاً في ساعات التغذية خلال الساعات الأخيرة، نتيجة تراجع إمدادات الغاز الطبيعي الواردة عبر الأردن، والتي تُخصص لمحطات التوليد الكهربائية.
وفي بيان لها، أكدت وزارة الطاقة السورية أن الأزمة الحالية المتمثلة بانخفاض ساعات تغذية الكهرباء في سوريا، ترتبط بتراجع الكميات الواردة من الغاز الطبيعي عبر الأراضي الأردنية، إلى جانب توقف ضخه أحياناً.
كما أوضحت الوزارة أن تراجع الإمدادات يأتي نتيجة للتصعيد والتوتر الإقليمي الراهن، وما رافقه من تعذّر في استمرارية ضخ الغاز الطبيعي مؤقتاً حسب الاتفاقيات السابقة، مشيرة إلى أن هذه الظروف ناتجة عن معطيات خارجية.
علاوة على ذلك، أشارت وزارة الطاقة إلى الاعتماد على كميات الغاز المتاحة من الإنتاج المحلي، لتنظيم ساعات التغذية الكهربائية وضمان استقرار الشبكة ومواصلة عملها وفقاً للإمكانيات المتاحة.
إذاً، في حال استمرار التصعيد ستكون سوريا على موعد مع تفاقم لأزماتها الحالية، أولها ارتفاع معدل انقطاع التيار الكهربائي، وزيادة الاعتماد على الفيول ذي التكلفة المرتفعة مما ينعكس سلباً على تكاليف النقل والمواصلات، فضلاً عن عودة طوابير الغاز المنزلي التي بدأت ملامحها في دمشق.
فجوة عجز مستمرة
تؤكد البيانات الرسمية أن الإمكانيات المتاحة لتوليد الطاقة الكهربائية في سوريا، تُقدر بحوالي 3 آلاف ميغاواط تقريباً، مقابل طلب يتجاوز 7 آلاف ميغاواط، مما يعكس عمق فجوة العجز المستمرة.
بالتالي أي تراجع في إمدادات الغاز الطبيعي الذي يعتبر مصدراً رئيسياً للوقود في محطات التوليد، سيفاقم الأزمة الكهربائية ويخلف ضغطاً متزايداً على الشبكة، وهذا ما يفسر انعكاس التطورات الأخيرة بشكل مباشر على البلاد، التي تعتمد على الغاز الوارد عبر الأراضي الأردنية لدعم المنظومة الكهربائية، وسط محدودية الإنتاج وتهالك البنية التحتية خلال سنوات الحرب.
التصعيد الإقليمي
يرتبط قرار مصر في إيقاف ضخ الغاز الطبيعي إلى لبنان وسوريا، بتوقف الإمدادات التي تتلقاها من حكومة الاحتلال عبر حقلي “تمار” و”ليفياثان” لأجل غير مسمى، فيما تُقدر كمية الغاز التي توقف توريدها يومياً إلى الحكومة المصرية بحوالي 1.1 مليار قدم مكعب، ونحو 300 مليون قدم إلى الأردن، نتيجة لإغلاق الحقول كإجراء احترازي على خلفية العملية العسكرية الأخيرة.
وفي التفاصيل، يؤكد مسؤول حكومي مصري إبلاغ مصر من قبل حكومة الاحتلال بقرار إيقاف التوريد، استناداً إلى البند المعروف باسم “القوة القاهرة” الوارد ضمن اتفاقيات إمدادات الغاز، والذي يُستخدم في إعفاء أحد الجانبين أو كليهما من مسؤولية الالتزام بالتوريد أو الشراء، في حال وقوع أحداث مفاجئة، مثل الحروب أو الكوارث الطبيعية وغيرها.
وفي السياق ذاته، أكدت مصادر محلية إعلان الأردن التوقيف المؤقت لضخ الغاز تجاه سوريا، إثر التطورات الأمنية الأخيرة في المنطقة، وتداعيات الحرب، التي أدت أيضاً إلى قطع حكومة الاحتلال الإمدادات عن المملكة، الأمر الذي دفع الجهات المسؤولة إلى إعادة ترتيب الأولويات وتلبية متطلبات السوق المحلية أولاً.
احتمالية تكرار التوقف والتأثير السلبي
يشير خبراء اقتصاديون إلى أنه من البديهة تكرار مسألة توقف الضخ والتأثير السلبي على ساعات تغذية الكهرباء في سوريا، كونه حلّ إسعافي قصير المدى، وليس من الحلول الجذرية، بالتالي سيكون هشاً في ظل وقوع أي حدث خارجي مفاجئ، مؤكدين أنه عبارة عن أداة لإدارة الأزمة مؤقتاً.
ويوضح الخبراء أن انقطاع إمدادات الغاز الطبيعي عبر الأردن، هو تعميق لأزمة موجودة بحدة نتيجة لمجموعة من العوامل، أبرزها ضعف الإنتاج المحلي، ونقص التمويل إضافة إلى أعطال المحطات، وضعف الاستثمارات الفعلية، ما يجعل لأي صدمة خارجية أثراً سريعاً على ساعات التغذية الكهربائية، كون المنظومة أصلاً تعمل عند حدها الأدنى، دون وجود رؤى استراتيجية طويلة المدى قادرة على صنع كينونة كهربائية داخلية للنهوض في وجه التحديات الخارجية، وفقاً لرأيهم.
وفي هذا الصدد، يبين الباحث في هندسة الطاقة منذر عبد الكريم، أن المطلوب لحل أزمة الكهرباء في سوريا، لا يقتصر على إيجاد مصادر غاز إضافية أو الاعتماد على الشحنات الخارجية، بل هناك حاجة فعلية لإعداد خطة وطنية شاملة، من شأنها إعادة تأهيل المحطات، وتحديث منظومة نقل الكهرباء وتوزيعها، إضافة إلى إيجاد حلول للضياعات الكبيرة ضمن الشبكة، التي تُقدر بما يزيد عن 40%, من الإنتاج وفقاً لبيانات غير رسمية.
كما يشدد الخبير على أن التحسن الملموس للكهرباء السورية لن يتم دون إصلاحات جذرية، تعتمد على التمويل وتنفيذ استثمارات خارجية فعلية، إلى جانب ربط القطاع الطاقوي بالمسار التنموي الاقتصادي.
تأثر الغاز المنزلي بالحرب الإقليمية
علاوة على اضطراب الشبكة الكهربائية، بدأت أزمة الغاز المنزلي والتجاري تتجلى بوضوح خلال الأسابيع الماضية، وقد ترجمها مشهد الطوابير، الذي بدد أجواء التفاؤل المتعلقة بالاتفاقيات مع مصر والأردن ومدى قدرتها على حل الأزمة.
ووفقاً للباحث الاقتصادي فراس شعبو، فإن الأزمة تعود لعدة عوامل منها تذبذب التوريد، إضافة إلى الطلب المتزايد في شهر رمضان الذي أنعش السوق الموازية بارتفاع الأسعار 100% مقارنة بالسعر الرسمي المحدد 122-125 ألف ليرة.
كما يؤكد شعبو عبر تصريح إعلامي تأثير الأجواء الباردة وعودة مناطق جديدة إلى سيطرة الدولة، مما أدى إلى ارتفاع معدل حجم الطلب بشكل يفوق قدرة الإمداد الحالية، مشيراً إلى أنها ثلاث مناطق كانت خارج نطاق التوزيع الرسمي سابقاً.
أما بالنسبة لتأثير الحرب الإقليمية على تفاقم الأزمة، فيبين الخبير الاقتصادي أن استمرار التوتر وتصاعد الأحداث لفترة طويلة، سيعود بشكل سلبي ومباشر على إمدادات الغاز في البلاد، وذلك من حيث الكمية والتكلفة، مشيراً إلى أن تلك التصعيدات العسكرية يمكن أن يكون لها أثر لوجستي صعب يتجلى بتحديات النقل البحري، وتأخر الشحنات، وارتفاع تكاليف الشحن وتأمينها، مما يزيد من فاتورة الاستيراد.
يتضح أن التوتر الإقليمي لم يخلق الأزمة الكهربائية السورية بقدر ما كشف هشاشتها البنيوية، حيث لا تزال المنظومة تعتمد على حلول إسعافية قصيرة الأجل بدل الانتقال إلى إصلاحات استراتيجية طويلة المدى، وبينما تحصن الدول المجاورة نفسها بتنوع مصادر طاقتها والقدرة على إعادة ترتيب الأولويات الداخلية، تجد سوريا نفسها أمام تحديات جمة، تجعلها قابلة للتأثر بأي صدمة خارجية لتتحول بذلك سريعاً إلى أزمة معيشية داخلية.
اقرأ أيضاً: التوربينات الهوائية في سوريا.. هل تحل الرياح أزمة الكهرباء الصناعية؟









