أعمال واستثمار

كيف يبتلع الاستيراد ما تبقى من صناعة النسيج في سوريا؟

بقلم: ديانا الصالح

لقرونٍ طويلة كان اسم دمشق يكفي وحده ليفتح أبواب أسواق العالم، فالحرير الذي حمل اسمها وصل إلى بلاطات ملكية بعيدة، أما الأقمشة التي نُسجت في معاملها شكّلت في يوم من الأيام عصباً حقيقياً للاقتصاد السوري.

أما اليوم، وفي الوقت الذي تحاول فيه الدولة إحياء النسيج في سوريا عبر معارض ومبادرات جديدة، يجد الكثير من أصحاب المعامل أنفسهم في معركة يومية أهدأ صخباً، لكنها أشد إلحاحاً، فكيف ينافس منتج محلي يتحمل كل أعباء الإنتاج، بضاعةً مستوردةً تصل إلى السوق بكلفة أقلّ بكثير؟ سؤال بسيط في ظاهره، لكنه يختصر مصير قطاع كامل بين طموح مُعلَن وواقع لا يزال يبحث عن التوازن.

النسيج في سوريا قطاع عريق يصارع البقاء

يُعتبر قطاع النسيج في سوريا من الركائز الأساسية للصناعة الوطنية، وذلك مع تاريخ يمتد لآلاف السنين، ومكانة اقتصادية جعلته من أكثر القطاعات كثافةً في التشغيل، وذلك لما وفّره من فرص عمل لمئات الآلاف من العمال والحرفيين، وأصحاب الورش الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب ارتباطه الوثيق بقطاعات أخرى كالزراعة والنقل والتجارة والتصدير.

ووفقاً لبيانات سابقة، فقد بلغت قيمة صادرات المؤسسة العامة للصناعات النسيجية عام 2010 نحو 194.8 مليون دولار، قبل أن تتراجع هذه الكميات بشكل كبير بعد عام 2011، وذلك بعد تراجع إنتاج القطن الخام وتضرر عدد من المعامل وارتفاع تكاليف الطاقة والإنتاج.

وفي عام 2013، أعلنت المؤسسة أن خسائر القطاع العام للنسيج بلغت نحو 135 مليون دولار، دون أن تتوفر إحصاءات دقيقة ومحدثة حول مساهمته في الناتج المحلي، أو حجم صادراته منذ ذلك العام.

الاستيراد يضغط على المنتج المحلي

يواجه قطاع النسيج في سوريا اليوم تحديات قديمة وأخرى مستجدة، حيث يشكو صناعيون وخبراء من ضعف الدعم المباشر، واستمرار فرض رسوم على المواد الأولية الداخلة في الإنتاج، مقابل انخفاض الرسوم المفروضة على الألبسة الجاهزة المستوردة.

الصناعي مهند دعدوش يعتبر أن أكبر تحدٍّ يواجهه الصناعي السوري حالياً، هو انفتاح السوق واسعاً أمام استيراد الألبسة الجاهزة، مع انخفاض الرسوم المفروضة عليها، فرسم بقيمة أربعة دولارات فقط على كل كيلوغرام مستورد لا يسهم في حماية الصناعة الوطنية، مقارنةً بمرحلة سابقة كان فيها استيراد الألبسة الجاهزة ممنوعاً بالكامل.

ويرى دعدوش أن هذه السياسة تضع الصناعي المحلي أمام منافسة غير متكافئة، حيث لا يتحمل المستورد الأعباء نفسها التي يتحملها صاحب المعمل، بدءاً من أجور العمال إلى كلف الطاقة وصيانة الآلات، فضلاً عن مخاطر الإنتاج وتذبذب سعر الصرف.

صوت الورشات يضعف يوماً بعد يوم

في أزقة حلب القديمة ومناطقها الصناعية، يعرف الأهالي ورشة نسيح عائلية تعمل منذ ثلاثة أجيال، وكانت تنتج أفضل الأقمشة وتصدّر المنتجات إلى دول عربية وأوروبية، أما اليوم فضجيج الآلات أصبح ضعيفاً، حيث أُغلقت 70% من آلات الورشة، والباقي يعمل بأقل من 30% من طاقته.

بعض الورشات الأخرى تحاول التكيف مع الواقع، وذلك من خلال التخصص في منتجات عالية الجودة، أو الاستفادة من الميزات النسبية للأقمشة السورية الطبيعية، لكن بدون حماية جمركية فعلية ودعم حكومي وإعادة تأهيل للبنى التحتية ستبقى المنافسة غير متكافئة.

كيف تحمي مصر ولبنان صناعتهما النسيجية؟

تعامل سوريا مقارنةً مع كل من مصر ولبنان بخصوص ملف الألبسة الجاهزة المستوردة مختلف، فمصر لا تسمح باستيراد الألبسة الجاهزة من خارج نطاق الدول العربية، فيما تسمح بها من بعض الدول العربية وفق شروط وإجراءات ورقية معقّدة، بالإضافة إلى الرسوم المرتفعة التي تصل إلى 8.5 دولار على كل كيلوغرام مستورد، وهذا ما يسهم في حماية المنتج المحلي المصري وفقاً لدعدوش.

أما في لبنان فتصل الرسوم على الألبسة التركية الجاهزة إلى 6.5 دولار لكل كيلوغرام، ما ساعد على استعادة جزء من الإنتاج المحلي اللبناني بعد تضرره سابقاً من الانفتاح الواسع على الأسواق الخارجية.

ووفقاً لبيانات المجلس التصديري للملابس الجاهزة في مصر، فقد ارتفعت صادرات الصناعات النسيجية المصرية خلال النصف الأول من العام الحالي بنسبة 15%، لتسجل نحو 1.78 مليار دولار.

فيما كانت كلفة الإنتاج في سوريا في عام 2022 أقل من مصر بنحو 30%، إلا أنها خلال عامي 2025 و2026 أصبحت أعلى بنحو 30% من كلف الإنتاج في مصر، وذلك نتيجة تغير سعر الصرف وارتفاع الأجور وكلف الطاقة والضرائب، بالإضافة إلى عدم استقرار البيئة الاقتصادية عموماً.

الرسوم تنافس المواد الأولية في الغلاء

وما يزيد الطين بلةً، أن المشكلة لها عدة مغذيات إلى جانب رسوم الألبسة الجاهزة المستوردة، فهناك أيضاً الرسوم المرتفعة على المواد الأولية اللازمة للصناعة، كالأزرار والسحابات والأقمشة وغيرها من مستلزمات إنتاج اللباس.

ففي الوقت الذي يعفي فيها لبنان هذه المواد بالكامل من الرسوم الجمركية، وتفرض مصر رسوماً منخفضة تقارب نصف دولار على كل كيلوغرام مستورد، تصل الرسوم في سوريا إلى نحو 1.1 دولار لكل كيلوغرام من المواد الأولية النسيجية.

هذا الفارق له أثر مباشرة وملموس على قيمة المنتج النهائي، ما يجعل الصناعي السوري أقل قدرةً على المنافسة، سواء في السوق المحلية أو الأسواق الخارجية، أي أن السياسة الجمركية تُثقل كاهل من يصنّع محلياً في الوقت الذي تُسهّل فيه على من يستورد جاهزاً.

تسهيلات ضريبية أُعلنت لكن أثرها مؤجل لسنوات

أعلنت الحكومة خلال الفترة الماضية عن تسهيلات موجهة للصناعيين، منها تخفيضات ضريبية وإعفاءات مرتبطة بفواتير الكهرباء، إضافة إلى توجهات ضمن نظام ضريبي جديد، حيث أعلن وزير المالية في تشرين الأول من العام الماضي، أن الضريبة ضمن هذا التوجه ستكون 10% فقط، مع تخصيص 25% من حصيلة ضريبة المبيعات المرتقبة لدعم الصناعة والتصدير.

إلا أن التجار والصناعيين يسددون حالياً ضرائب تعود إلى عامي 2022 و2023، وبهذا فإن أثر السياسات الجديدة لن يكون ملموساً بالنسبة لهم قبل عامي 2027 و2028، بسبب الفجوة الزمنية المتعارف عليها بين السنة الضريبية وموعد التسديد الفعلي، وهذا يعني أن أي تحسن مرتقب يبقى بعيد المدى بالنسبة لصناعيٍّ يواجه ضغوطاً يومية الآن.

خسارة أبعد من الاقتصاد

البُعد الآخر الذي لا يظهر غالباً في الأرقام والرسوم الجمركية، هو أن الصناعات النسيجية ليست مجرد نشاط تجاري، فهي حرفة متجذِّرة تاريخياً، وتمثل جزءاً من التراث الثقافي، وخسارتها تعني خسارة جزء ثمين من الذاكرة والمعرفة المتراكمة عبر أجيال متعاقبة من الحرفيين.

كما أن ضعف القدرة الشرائية لدى المستهلكين يشكل ضغطاً إضافياً يواجهه القطاع، وهو يتقاطع مع الارتفاع المستمر في تكاليف الطاقة من كهرباء ووقود وغلاء المواد الأولية المستوردة نفسها، لترتسم صورة صناعة محاصرة من أكثر من جهة في آن واحد.

خطاب “ناس تكس” وسياسة الاستيراد!

المفارقة الأوضح في هذا الملف برزت تحديداً خلال معرض “ناس تكس 2026”، عندما تحدث الرئيس السوري أحمد الشرع عن سوريا التي اشتُهرت بصناعة السيوف الدمشقية والملامس الناعمة من الحرير، واعتبر المعرض نقطة انطلاق خلاقة في معركة قائمة مع الفقر والعوز وإعادة الإعمار وتأمين آلاف فرص العمل.

فيما أكد وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار ضمن المعرض، أن الحكومة تعمل على دعم وتطوير القطاع بالشراكة مع القطاع الخاص، وتتطلع لأن تصبح سوريا مركزاً لصناعة النسيج خلال العقد المقبل.

هذا الخطاب الطموح يصطدم عملياً بما يصفه صناعيون بسياسة استيراد تحمّل المنتج المحلي أعباءً أكبر من المستورِد، وهنا نجد وجهتي نظر متعارضتين، فمن جهة يرى مؤيدو الاستيراد أن تخفيف الرسوم يحمي المستهلك من دفع سعر أعلى، مقابل حماية إنتاج محلي قد لا يوازي جودة أو سعر البديل المستورد أصلاً.

ومن جهة أخرى يرى الصناعيون أن غياب أي حماية جمركية حقيقية، يجعل الاستثمار في التصنيع المحلي مغامرة خاسرة مهما كانت جودته، أمام منافس لا يتحمل الأعباء نفسها.

إذاً، واقع النسيج السوري اليوم يعكس صورةً معقدةً نوعاً ما، فمن المصانع التي تحوّل بعض أصحابها إلى مستوردين، إلى الرسوم التي تُثقل المادة الخام أكثر مما تُثقل المنتج الجاهز المستورد، وصولاً إلى الخطاب الطموح الذي يتحدث عن معركة مع الفقر، في الوقت الذي يخوض فيه الصناعي معركته الخاصة مع الجمارك، يقف قطاع النسيج السوري أمام مفترق واضح.

فإما أن تتحول التصريحات والمعارض إلى قرارات جمركية وضريبية ملموسة تسند المنتج المحلي، وإما أن يستمر الوضع الحالي بالاستنزاف حتى يتحول جزء أكبر من الصناعيين إلى مجرد تجار مستوردين، تاركين خلفهم إرثاً صناعياً عمره آلاف السنين يتضاءل عاماً بعد عام.

اقرأ أيضاً: كيف سيؤثر معرض “ناس تكس 2026” على صناعة النسيج السوري؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى