كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي دون أن يخدعنا؟ أربعة كتب من الفهم إلى كشف الهلوسة
كتب النحاس عن "الذكاء الاصطناعي"

أ.د. محمود نديم نحاس – كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي دون أن يخدعنا؟ أربعة كتب من الفهم إلى كشف الهلوسة
في كلِّ عصرٍ من عصور الإنسان، وُجدت أداة غيّرت شكل الحياة: النار، والعَجَلة، والمطبعة، والكهرباء، والحاسوب، ثم الإنترنت. واليوم نعيش لحظة ولادة أداة جديدة، إنها “الذكاء الاصطناعي التوليدي”؛ العقل الرقمي الذي بات يساندنا كعقلٍ ثانٍ، يُحوِّل التخمين إلى مخرج إبداعي، والفكرة إلى محتوى معرفي، والسؤال إلى حوار.
أحسب أني من أوائل المستخدمين لنماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، وقد راقبت تطورها، وأحببت أن أقدم ما أستطيعه لأفيد غيري فيما أتوصل إليه من علم، حيث وجدتُ الناسَ حولي يودون الاستفادة من هذه الأدوات، غير أنهم لا يعرفون من أين يبدؤون وماذا يختارون. وكان من أوائل ما أنشأتُ مجموعة متخصصة على الواتساب لتبادل الخبرات حول هذه التقنية المبهرة حقا.
ومع التقدم اكتشفت أن المزايا المبهرة تنطوي على عيوب مذهلة، فبدأت رحلتي في تأليف الكتب المناسبة لغير أهل الاختصاص، وأقصد بهم الناس الذين يحبون الانتفاع من أدوات العصر، وليسوا من المتخصصين في تطوير هذه الأدوات ولا من مبرمجيها. فكان أول كتاب وضعته بعنوان “اعترافات الذكاء الاصطناعي: مزايا مبهرة وعيوب مذهلة”، الذي صدرت طبعته الأولى في 2025، ثم طبعته الثانية في تموز/يوليو 2026. وكان ذلك الكتاب بمثابة الجلسة الأولى الصريحة بيني وبين هذه التقنية: وضعتُ فيه المزايا المبهرة جنباً إلى جنب مع العيوب المذهلة، دون تجميل لطرف على حساب الآخر. وكانت “الهلوسة” حينها إحدى تلك العيوب.
ومن خلال المناقشات التي تتم في مجموعة الواتساب المذكورة، وجدت حاجة كثيرين إلى معرفة كيف يمكنهم الاستفادة من هذه التقنية دون الخوض في التفاصيل المملة. إذ كانوا يقفون أمام هذه الأدوات بشعور من التردد: لا يعرفون من أين يفتتحون، ولا كيف يستخدمونها دون أن يفقدوا أصالتهم وقدرتهم على التفكير المستقل، ولا أين تقع الحدود الأخلاقية في التعامل معها. بل إن بعضهم يخشى أن يتحوّل هذا الذكاء إلى أداة تغشّه وتتلاعب به بدلاً من أن تخدمه.
“الذكاء الاصطناعي التوليدي: بوصلة المبتدئ نحو الإتقان“
جاءت فكرة كتابة دليل شامل لتيسير استيعاب نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي واستكشافها وإتقان استخدامها، بدءاً من الأسس التي تبني الفهم، مروراً بالأدوات التي تُحوِّل الأفكار إلى نصوص، وإلى محتوى متعدد الوسائط.
فجاء هذا الدليل العملي الذي يغطي المفهوم من البدء إلى مرحلة الإتقان. يأخذ القارئ من أبسط سؤال “ما الذي تفعله هذه النماذج فعلاً؟” إلى السؤال الأعمق “كيف أُحوّل هذه التقنية إلى قوة حقيقية في عملي وحياتي؟”. فيشرح كيف تفهم الآلة ما نكتبه نحن، وكيف نطلب منها ما نريده بدقة، وكيف تُولّد هي نصوصاً وصوراً أو غير ذلك مما ينفعنا.
جعلتُ الدليل في أجزاء ثلاثة أسميتها مسارات، الأول بعنوان: “العقل الرقمي: كيف تعمل الآلة وأين تُبدع؟“، الذي شرح الآلية الداخلية لنماذج الذكاء الاصطناعي بلغة يفهمها من لا خلفية تقنية له. والثاني بعنوان: “أدوات كتابة النصوص: شريك الكتابة الذكي“، الذي غاص في الاستخدام العملي اليومي، وأخيرا الثالث بعنوان: “سيمفونية الوسائط الذكية: حين تتحوّل كلماتنا إلى صوت ولون وحركة“، وهذا المسار وسّع الأفق من النص إلى الصوت والصورة والحركة.
يسير الدليل في رحلة منتظمة من التأسيس إلى الإتقان عبر مسارات، لكل منها مفاتيح، وكل مفتاح يتضمن منارات تُضيء جانباً من جوانب الموضوع، وفي نهاية كل منارة هناك ومضة تجذب الانتباه إلى أمر مهم. وقد آثرتُ استخدام هذه المصطلحات: المسارات والمفاتيح والمنارات، بدلاً من التسميات المعتادة: الأجزاء والفصول والفقرات، إذ يليق بكتابٍ عن عالمٍ جديد أن يحمل مصطلحات جديدة.
في المسار الأول تفصيل واضح عن “ما هو الذكاء الاصطناعي حقاً؟” وكيف يعمل من الداخل؟ وما الذي يستطيع فعله وما الذي لا يستطيعه؟ وكيف نتحدث إليه بطريقة تُعطينا ما نريد؟ فيبدأ المسار بفك شيفرة الذكاء الاصطناعي التوليدي من الخارج، ثم يأخذك إلى الداخل، حيث الصندوق الأسود الذي يُفكر فيه النموذج ويتعلم ويُخطئ أحياناً. وينتهي المسار بأن يجعل القارئ يحوّل كل هذا الفهم إلى خبرة حقيقية يستطيع توظيفها فوراً.
وجعلت المسار الثاني مرجعاً أساسياً لمن يرغب في إتقان فن كتابة النصوص باستخدام الذكاء الاصطناعي، حيث يدمج المسار بين الجوانب النظرية والتطبيق العملي لتقديم أساليب تُمكّن من تحويل الأفكار إلى نصوص متقنة تلبّي الاحتياجات الشخصية والمهنية، وتعمل نقلة نوعية في طريقة تفكيرنا في الكتابة ذاتها، فتحولها من مهمة شاقة منفردة إلى عملية تعاونية بين الكاتب وبين شريك رقمي لا يكلّ ولا يملّ.
المسار الثالث يتحدث عن تقنيات كانت معقّدة، ومهارات كان يحتكرها المتخصصون، فجعلها هذا المسار أمرا بسيطا ومذهلا، وهو أن تكتب ما تريد، فتتحوّل كتابتك إلى ما تحلم به، إلى صوتٌ يُلقي كلماتك، ولوحةٌ ترسم أفكارك، وفيديو يروي قصتك، وعرضٌ يأسر مَن أمامك، حيث يختتم المسار بعالم العروض التقديمية التي يجتمع فيها كل ما تعلمته في مشهد واحد يأسر العقول ويُحرّك المشاعر. هذه العوالم التي كنا نتمنى دائماً أن نُتقنها ولم نجد طريقاً إلى ذلك، يجعلنا هذا الكتاب نحقق هذه الأمنية.
وقد جعلت كل مسار يختتم بتطبيقات عملية تنقل ما تعلمه القارئ من الفكرة إلى أرض الواقع.
أنت الحَكَم: دليلك العملي لاختبار نماذج الذكاء الاصطناعي وتقييمها
جاء كتاب “أنت الحكم: دليلك العملي لاختبار نماذج الذكاء الاصطناعي وتقييمها” منفصلاً عن الدليل الشامل، إذ في يدك الآن أداة لا تشبه أي أداة عرفتها البشرية من قبل. نموذج ذكاء اصطناعي يُجيب على أسئلتك في ثوانٍ، ويكتب لك ما كان يستغرق ساعات، ويُحلّل ما كان يحتاج فريقاً كاملاً. لكن هذه الأداة ليست واحدة، إنها مئات، بل آلاف، من النماذج المتنافسة، كل واحد منها يدّعي أنه الأذكى والأسرع والأدق. وأنت واقف في المنتصف، تسأل السؤال الذي يسأله كل من يدخل هذا العالم: أيها أختار؟
هذا الكتاب لا يُجيب عن هذا السؤال نيابةً عنك. بل يفعل شيئاً أهم بكثير: إنه يُعلّمك كيف تُجيب عنه بنفسك: اليوم، وبعد ستة أشهر، وبعد سنوات، حين تكون كل الأسماء التي تعرفها اليوم قد تغيّرت.
في كل مرة تقرأ فيها تصنيفاً يضع نموذجاً في القمة، عليك أن تتأكد أن ثمة من قرّر خلف هذا الترتيب: ما الذي يُقاس، وكيف يُقاس، ومن يُقيّم. وهذه القرارات، مهما بلغت من الجدية والاحتراف، ليست قرارات محايدة تماماً. إنها انعكاس لمنهجية بعينها، ولأولويات جهة بعينها، ولحظة زمنية بعينها.
لهذا فإن هذا الكتاب يضعك في موقع مختلف تماماً عن موقع القارئ السلبي الذي يبحث عن إجابة جاهزة. يضعك في موقع الحَكَم، الذي يسمع الأدلة، ويزن الشهادات، ويُصدر حُكمه بناءً على معيار يعرفه هو، لا بناءً على ما يُقال له.
هذا التحوّل: من مستخدِم لتصنيفات الآخرين، إلى حَكَم يبني حُكمه بنفسه، هو محور كتاب سلس، يعلمك كيف تختار نموذج الذكاء الاصطناعي الأفضل لحالتك التي تريد أن تستخدمه فيها.
وإذا كنتُ قد استخدمت المفاتيح والمنارات والومضات في الكتاب السابق، فقد أطلقت هنا مصطلحات المحطة والنواة والإشراقة. فالفصول هنا ليست بالمعنى التقليدي، بل محطات في رحلة، كل واحدة منها تُنزلك في مكان مختلف من عالم نماذج الذكاء الاصطناعي، وتُهيّئك للمحطة التالية. وفي داخل كل محطة هناك عدد من النوى، كل نواة تُركّز على فكرة واحدة محددة، وتُغذّيك بها بعمق كافٍ لتستوعبها وتُطبّقها. وأسميتها “نواة” لأنها جوهر يحمل في داخله كل ما تحتاجه عن موضوعها. وفي نهاية كل نواة، هناك إشراقة، جملة أو جملتين تُلخّصان جوهر ما قرأته، لا كخلاصة باردة، بل كضوء يبقى معك بعد أن تُقلّب الصفحة. والإشراقات وحدها، لو جمعتها كلها، فإنها تُشكّل خريطةً مصغّرةً لكل ما تعلّمته في الكتاب.
كتاب هلوسة نماذج الذكاء الاصطناعي
في كتابي الشامل عن الذكاء الاصطناعي تحدثت عن ظاهرة الهلوسة في هذه النماذج، لكن كان الحديث عنها فقرة ضمن فقرات، وجانباً من جوانب متعددة. لكنني لاحظت، أنها تستحق كتاباً بأكمله، لنجيب على السؤال المهم: “متى لا نثق بما يعطينا إياه نموذج الذكاء الاصطناعي؟”، فجاء هذا الكتاب بعنوان: “حين يتكلم الوهم بثقة: عدسات لفهم هلوسة الذكاء الاصطناعي واختبارها“.
هلوسة نماذج الذكاء الاصطناعي ليست عيباً هامشياً بين عيوب أخرى، إنما هي الخطر الأكثر خداعاً في هذه التقنية، لأنه لا يأتي متنكراً في هيئة خطأ واضح، بل في هيئة إجابة رصينة واثقة، لا تختلف في نبرتها قيد أنملة عن الإجابة الصحيحة الأكيدة.
نموذج الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بنسج معلومة خاطئة؛ بل قد يتشبّث بخطئه الأول ويبرره بتفاصيل إضافية بدل التراجع عنه. الهلوسة نفسها تتكرر بالمنطق ذاته في سطر الكود البرمجي، كما تتكرر في الصورة والصوت، حيث تكتسب واقعية بصرية تُضاعف قدرتها على الخداعِ. ومن أغرب أوجه الهلوسة نموذج يهلوس ليس عن العالم، بل عن نفسه هو، فيَعِد بإنجازٍ لم يحدث، باللباقة نفسها التي يَعِد بها بحقيقة صادقة.
يسير بك الكتاب، عبر محطات، وقد سمّيتُ كل واحدة منها “إشارة”، لأن الإشارة، من الناحية التقنية والمعرفية، هي ما نبحث عنه وسط ضجيج الوهم. وبُني الكتاب من الداخل على ثلاث وحدات متدرجة: “الإشارة” هي الفصل الكبير، الذي يضم بداخله عدة “عدسات”، وكل عدسة هي زاوية واحدة محددة ننظر من خلالها إلى جانب من الظاهرة، وتُختم كل عدسة بـ”بؤرة” تُلخص جوهرها في عنوان مختصر. وقد اخترتُ هذه المصطلحات لتحاكي جوهر الكتاب نفسه: التمييز بين الرؤية الواضحة والرؤية المشوَّهة، والتركيز الحاد على الحقيقة وسط ضجيج الاحتمال.
تبدأ الرحلة بفهم ما هي الهلوسة؟ ولماذا تحدث من الأساس؟ ثم تصنفها إلى أوجهها المختلفة، ثم تتحدث عن معايير الحكم على المخرج ومتى نثق بها، ثم الإجراءات العملية الملموسة للحماية منها، ثم منهجية تصميم اختبارات فردية ومعايير مرجعية تكشف الهلوسة قبل وقوعها، ثم دراسة قضايا من الحياة. ثم كان الانتقال من النصوص إلى مجال الهلوسة في أكواد البرمجة، وتبعتها الهلوسة في الوسائط المتعددة. ثم عكفنا على الهلوسة في سياق اللغة العربية، لنعطف بعدها على دراسة نماذج الاستدلال وهلوستها، وهلوسة الترجمة الآلية والسياقات الطويلة والأنظمة الوكيلة، لنصل إلى ما أسميته أنا بالهلوسة الإجرائية. ثم أوصلنا القارئ إلى ورشة تطبيقية ليُجرّب فيها اكتشاف الهلوسة بنفسه، قبل أن نختم برحلة أخيرة تستشرف المستقبل، وتجيب عن السؤال المهمً: هل ستُحل هذه المشكلة يوماً؟
كتب أخرى؟
هناك جوانب أخرى حول “الذكاء الاصطناعي”، وما زلت أبحث عن موضوعات تستحق أن يُكتب فيها كتاب، وأسأل الله أن تكون كتبي من العلم الذي يُنتفع به بعد رحيل كاتبه.
موقع توفر الكتب: https://payhip.com/NahasBooksOnline
اقرأ أيضاً: إدارة الأزمات في شركات المحاماة: هل تُختبر الإدارة في أوقات الاستقرار أم الأزمات؟








