كيف نرفع الحد الأدنى للأجور في سوريا…المكسيك نموذجاً

إعداد: هلا يوسف
قضى السوريون أكثر من عقد خلال الحرب السورية بين طوابير الغاز والمازوت والخبز ساعين للقمة عيش لم تسد رمقهم، هذه الدوامة الطويلة رافقتها تدني كبير في الأجور ونقص كبير في الموارد، مما ضاعف الأسعار، فكيف لراتب لا يتجاوز 250 ألف ليرة سوريا أن يفي بمتطلبات العائلة السورية.
لكن وبعد سقوط النظام السابق ورفع العقوبات عن سوريا، استطاع السوريون تنفس الصعداء مع زيادة الرواتب من قبل الحكومة السورية بنسبة 200%، ليصبح الحد الأدنى للأجور 800 ألف ليرة سورية، وعلى الرغم من هذه الزيادة التي حسنت نوعاً ما من معيشة المواطنين إلا أنها لا تزال غير كافية، فتحتاج العائلة السورية ما بين 5 و6 ملايين ليرة سورية شهرياً، وقد تزيد أو تنقص بحسب المواسم والفصول، فمثلاً مع بداية المدارس يتضاعف هذا المبلغ نتيجة شراء الاحتياجات المدرسية واقتراب فصل الشتاء.
والجدير بالذكر أن الزيادات السابقة في زمن النظام السوري لم تكن تتجاوز 100% على الرغم من التضخم الموجود حينها في الأسواق، وعلى الرغم من انتشار السوق السوداء التي توفر كافة الموارد المفقودة لكن بأسعار تفوق راتب الموظف.
ومع هذه اللمحة السريعة حول واقع الأجور في سوريا قبل وبعد سقوط النظام، كان لا بد من طرح تساؤل: كيف تزيد الدول التي يتشابه وضعها مع وضع سوريا أجورها، وكيف تنتشل مواطنيها من غياهب الفقر؟ لذلك سنطرح هنا تجربة المكسيك في ذلك، على الرغم أنّه من الظلم مقارنتها بسوريا في وضعها الحالي، إذ استفادت المكسيك خلال العقدين الماضيين من الاتجاه الكثيف نحو التصنيع، في الوقت الذي كانت السلطة السابقة في سوريا تبيع التصنيع وتضعفه. إلا أن التشابه بين البلدين يكمن في معدلات الفقر الكبيرة، والتوترات الداخلية التي ترقى لمرحلة الحرب، والمستمرة في الصراع مع عصابات المخدرات بشكل أو بآخر.
المكسيك نموذج ناجح لزيادة الأجور
شهدت المكسيك خلال السنوات الست الماضية تضاعف الحد الأدنى للأجور بالقيمة الحقيقية، ويُحسب هذا الإنجاز لصالح السياسة الاقتصادية التي اتبعتها الحكومة هناك، خصوصاً أن هذه السياسة لم تؤدِ إلى فقدان الوظائف أو ارتفاع ملحوظ في الأسعار، ويعود ذلك إلى أن الحد الأدنى للأجور في المكسيك كان من بين الأدنى مقارنة بدول أمريكا اللاتينية، ومع الزيادات الأخيرة، تجاوزت المكسيك نصف دول المنطقة من حيث مستوى الحد الأدنى للأجور.
وقد استفاد من هذه الزيادات عدد متزايد من العمال، فبينما شملت الزيادة الأولى نحو 13.3% من القوى العاملة الرسمية، ارتفعت النسبة بحلول عام 2025 إلى 37.4%، أي ما يعادل حوالي 8.4 مليون عامل.
هذا التحول الكبير في سياسة الأجور ساهم في رفع متوسط الدخل بنسبة 25% بالقيمة الحقيقية، كما أدى إلى تراجع الفقر وعدم المساواة، إلا أن تأثيرات هذه الزيادات السلبية لم تكن كبيرة، إذ لم تتغير قوة الشركات كثيراً، فقد بقيت حصتها من الأجور محدودة، وظهرت زيادة طفيفة في معدلات البطالة والتضخم، ويعكس ذلك طبيعة سوق العمل في المكسيك، الذي يهيمن عليه عدد قليل من الشركات الكبرى، إلى جانب ضعف تطبيق قوانين العمل وضعف النقابات، هذه العوامل منحت أصحاب العمل سلطة واسعة للتحكم في الأجور، ما أدى إلى أرباح مرتفعة على حساب تحسين ظروف العمل.
تاريخ الحد الأدنى للأجور في المكسيك
نستطيع من خلال تتبع تاريخ الحد الأدنى للأجور في المكسيك فهم كيف تحولت سياساتها إلى نموذج ناجح في مكافحة الفقر وتحسين الدخل، رغم المخاوف التقليدية من أن رفع الأجور قد يؤدي إلى تضخم أو بطالة واسعة.
في عام 1976، وبعد عقود من الزيادات التدريجية، بلغ الحد الأدنى للأجور ذروته عند 20.76 دولار يومياً (بحساب أسعار 2025)، لكن لم يستمر الحال طويلاً حتى واجهت البلاد أزمة اقتصادية حادة في العام التالي التي تميزت بتضخم مرتفع وبطالة واسعة، وكان الرد الحكومي عبر تجميد الأجور عند مستويات أقل من معدل التضخم، وربطت الكثير من الأجور الأخرى بالحد الأدنى، ما أدى إلى تآكل القوة الشرائية بنسبة وصلت إلى 75% خلال العقود التالية.
منذ الثمانينيات وحتى التسعينيات، تبنت المكسيك سياسات نيوليبرالية ركزت على الانفتاح التجاري والاندماج في الاقتصاد العالمي، ولتعزيز التنافسية، أبقت الحكومة الأجور عند مستويات منخفضة بشكل مصطنع، إذ بقي الحد الأدنى اليومي عند نحو 5.25 دولار (وفق أسعار اليوم) بين 1990 و2017، مع زيادة حقيقية طفيفة لا تتجاوز 4% قرب نهاية الفترة، جاءت نتيجة ضغوط اجتماعية متزايدة أدت إلى فصل الحد الأدنى للأجور عن بعض الالتزامات القانونية.
لكن التحول الكبير جاء عام 2018 مع حكومة أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، وجاءت نتيجة لمطالب شعبية واسعة، فقد أطلق فريق اقتصادي من “كلية المكسيك” استراتيجية مدروسة لرفع الأجور بشكل تدريجي وبصورة مستدامة، بحيث تحقق التوازن بين العدالة الاجتماعية واستقرار الاقتصاد الكلي، وبفضل هذه السياسة، استعادت الأجور قوتها الشرائية المفقودة في غضون سبع سنوات.
سياسة الحد الأدنى للأجور الجديدة في المكسيك
بدأت المكسيك في ديسمبر 2018 تطبيق سياسة جديدة للحد الأدنى للأجور، شهدت أول زيادة كبيرة بنسبة مزدوجة، فقد ارتفع الحد الأدنى بنسبة 16.2% على المستوى الوطني، بينما تضاعف بنسبة 100% في المنطقة الحرة للحدود الشمالية التي تضم البلديات المتاخمة للولايات المتحدة وولاية باخا كاليفورنيا.
ومرّت هذه السياسة بمرحلتين الأولى بدأت عام 2016 في عهد الرئيس إنريكي بينيا نييتو، عندما تم إلغاء ربط الحد الأدنى للأجور بمؤشرات قانونية واقتصادية أخرى، مثل الغرامات والقروض وبعض عقود العمل، هذا الربط كان يُعد عائقاً أمام رفع الأجور خشية أن يؤدي إلى موجات تضخمية، وبعد ضغوط اجتماعية وسياسية، جرى فصل الأجور عن هذه المؤشرات، مما فتح المجال لإصلاحات لاحقة، لكن حتى عام 2017 لم تتجاوز الزيادات 4.7% بالقيمة الحقيقية.
في حين كانت المرحلة الثانية الأهم، إذ دمجت الحكومة بين البحوث الاقتصادية والمطالب الشعبية لتصميم سياسة أكثر شمولاً، استندت التجربة إلى دراسات قارنت تجارب دول أخرى مثل كولومبيا والبرازيل، وتوصلت إلى خطة تقوم على مضاعفة الحد الأدنى للأجور في المنطقة الحدودية الشمالية، مقابل زيادة نسبتها 16.2% في بقية البلاد، ولتفادي اعتراضات قطاع الأعمال على مضاعفة الأجور، أُرفقت السياسة بحوافز ضريبية مثل تخفيض ضريبة الدخل وضريبة القيمة المضافة في المنطقة الحدودية، بحيث يستفيد العمال مباشرة من هذه الإجراءات.
مع تطبيق الخطة، تجاوز الحد الأدنى للأجور في البلاد لأول مرة خط الفقر، مع هدف طموح بزيادته بنسبة 20% سنوياً ليصل إلى أكثر من 100% خلال ست سنوات، ورغم التحذيرات من مخاطر تضخمية، أظهرت البيانات أن الأسعار في الشمال لم ترتفع، بل سجلت انخفاض ملحوظ مقارنة ببقية البلاد، ما دحض الاعتقاد السائد بأن رفع الأجور يؤدي تلقائياً إلى زيادة الأسعار.
اقرأ أيضاً: ثلاث خطوات لهيكلة نظام الرواتب في سوريا.. هل تمتلك الحكومة الموارد اللازمة؟
رأس المال والعمالة والحكومة: موازين جديدة للمفاوضات
شهدت المكسيك خلال السنوات الأخيرة تغير كبير بين الحكومة وأطراف الإنتاج، وقد لعبت كوناسامي «اللجنة الوطنية للحد الأدنى للأجور» دور محوري في هذا التحول، بفضل دقتها الفنية وأبحاثها الموسعة التي ساعدته في إثبات عدم صحة حجج قطاع الأعمال المعتمدة على التخويف، والتي ربطت دائماً رفع الحد الأدنى للأجور بالتضخم أو فقدان الوظائف، وتحولت اللجنة من هيئة شبه صامتة إلى مؤسسة حكومية فاعلة تنشر دراسات وأدلة علمية بشكل منتظم، ما عزز موقف الدولة في مواجهة الضغوط.
في المقابل اكتسبت النقابات العمالية قوة متزايدة مع تسارع أجندة العمل، مدعومة بالإرادة السياسية للحكومة اليسارية الجديدة التي قلّصت من نفوذ الشركات، ورغم أن النقابات كانت متحفظة في البداية وأبدت مخاوف مشابهة لقطاع الأعمال بشأن تأثير زيادات الأجور، فإنها مع مرور الوقت أصبحت أكثر جرأة، حتى أنها بدأت تطالب بزيادات تفوق تلك التي تقترحها الحكومة.
وقد أظهر الواقع الجديد أن حجج قطاع الأعمال حول التضخم والبطالة فقدت مصداقيتها، خاصة مع استمرار البيانات في الإشارة إلى أن رفع الأجور لم يضر بالتوظيف، بل عزز الاستهلاك والسوق المحلية، ورغم مقاومة الشركات الأولية لارتفاع تكاليف العمالة، إلا أن الأبحاث المتاحة ساعدت في إقناعها بالفوائد غير المباشرة لهذه السياسة.
بحلول عام 2025، تغير المشهد العمالي بشكل شبه كامل، فقد ارتفع معدل الانتساب للنقابات من 12% عام 2018 إلى 12.8% عام 2024، أي بزيادة تقارب مليون عامل، كما باتت جميع الحركات النقابية الرئيسية، حتى تلك التي كانت أقرب لمصالح الشركات، تدعم زيادات الحد الأدنى للأجور، إلى جانب مطالب أخرى مثل تحسين الضمان الاجتماعي وتقليل ساعات العمل وزيادة الإجازات.
ويُعد فوز الرئيس أندريس مانويل لوبيز أوبرادور في 2018 نقطة تحول مركزية، إذ خطوات إصلاحية من الجذور في قضايا العمل والتوظيف، وعين مسؤولين حكوميين من خلفيات عمالية ومن ذوي الكفاءة العالية، وخلال المفاوضات، لعب دور مباشر إلى جانب كوناسامي ووزارة العمل لترجيح كفة زيادات الأجور في مواجهة مقاومة قطاع الأعمال.
تركّز عالٍ في سوق العمل
يُعد الحد الأدنى للأجور قضية عالمية، إذ ينقسم الباحثون حول تأثيره على التوظيف، فمنذ دراسة كارد وكروجر عام 1994، أظهرت الأدلة نتائج متباينة، فيشير بعضها إلى آثار سلبية، وأخرى إيجابية، بينما وجدت دراسات أنه لا يترك أي أثر يُذكر، لكن ما يحظى بإجماع واسع هو أن الحد الأدنى المرتفع للأجور يحسّن دخل المستفيدين منه بشكل مباشر، فيما يبقى الجدل حول انعكاساته على فرص العمل.
وقد حاول الاقتصاديون تفسير هذه التناقضات من خلال دراسات متعددة، الأولى اتخذت منحى اقتصادي بحت ركز على قياس التأثير وأهميته، والثانية اتخذت المنحى القانوني، تدرس تطبيق التشريعات، والثالثة منحى اجتماعي واقتصادي تبحث في أثره على العمالة في القطاعين الرسمي وغير الرسمي، كما توسعت الأبحاث الحديثة في دراسة أسواق العمل الاحتكارية، حيث لا تحدد الأجور عبر منافسة حرة.
في المكسيك، نُفذت دراسات عديدة حول تأثير الحد الأدنى للأجور، خصوصاً بعد إطلاق السياسة الجديدة، وما يميز التجربة المكسيكية هو اتساع أثر الحد الأدنى للأجور تدريجياً ليشمل شريحة أكبر من العمال، وكان 13.3% عام 2019، و24.3% عام 2020، وصولاً إلى 38.6% عام 2024، هذا الاتجاه يشير إلى أن الحد الأدنى للأجور بات يقترب من متوسط الأجر العام في البلاد، ويُستخدم “مؤشر كايتز” لمقارنة الحد الأدنى بالأجر المتوسط، وتضع هذه المقارنة المكسيك في موقع متوسط بين دول أمريكا اللاتينية، خلف دول مثل كولومبيا وبوليفيا والأرجنتين والإكوادور.
وتجدر الإشارة إلى أن بيانات منظمة العمل الدولية تشمل أيضاً القطاع غير الرسمي، حيث يكون متوسط الأجر أقل، مما يرفع قيمة المؤشر بشكل مصطنع، وهذا يفسر لماذا تبدو دول مثل غواتيمالا وهندوراس في مراتب متقدمة، رغم أن تطبيق الحد الأدنى للأجور فيها ضعيف، ويكسب كثير من العمال أقل منه.
منذ عام 2018، ارتفع متوسط الراتب الحقيقي للعاملين بنسبة 25.6% فوق التضخم، مما عزز الاستهلاك المحلي، وتشير الدراسات إلى أن القوة الشرائية زادت بنسبة 3.6%، بينما ارتفع الاستهلاك في المنطقة الحدودية الشمالية بنسبة 10.5% مقارنة ببقية البلاد، وهو ما يوضح العلاقة المباشرة بين الأجور والقدرة على الإنفاق.
كما ساهمت هذه السياسة أيضاً في خفض معدلات الفقر، فمن بين 5.1 مليون شخص خرجوا من الفقر بين 2018 و2022، تحسن وضع 4.1 مليون بفضل زيادات الأجور فقط، وساعدت الأجور المرتفعة الأسر على تحسين تغذيتها والوصول إلى خدمات أساسية مثل التعليم والصحة.
وأسهمت السياسة في تقليص فجوات اجتماعية واقتصادية طويلة الأمد، فقد حصل العمال ذوو الدخل المنخفض على زيادات كبيرة تجاوزت 200% في بعض المناطق، وانخفضت فجوة الأجور بين الجنسين بنسبة 29% على المستوى الوطني، وبنسبة 66% في البلديات التي تضم نساء أكثر عرضة للفقر.
ختاماً، لم يكن استعراضنا للنموذج المكسيكي سوى للاستفادة من تجربة دولة عانى مواطنوها من انخفاض حاد في الرواتب في مرحلة من المراحل، ولمعرفة سبل تفادي عواقب الزيادات غير المدروسة، إذ لطالما كانت زيادة الأجور في سوريا مصدر خوف وقلق لأنها كانت تترافق مع التضخم المستمر.
ويبدو أنّ سوريا بحاجة في الوقت الراهن لمثيل لـ «اللجنة الوطنية للحد الأدنى للأجور – كوناسامي» يبدأ بالحراك من أجل إيجاد الأسس النظرية لرفع الحد الأدنى لأجور، ويلعب الدور الذي لعبته كوناسامي في المكسيك. إضافة لذلك، بكل تأكيد، تحتاج سوريا إلى العودة إلى التصنيع كي يصبح لديها ما يؤهلها اقتصادياً للتوظيف ورفع الأجور.
اقرأ أيضاً: الخصخصة في سوريا..بين فرص التعافي الاقتصادي ومخاطر فقدان السيادة









