مناسبات وأحداث

كيف سيؤثر معرض “ناس تكس 2026” على صناعة النسيج السوري؟

بقلم هلا يوسف

عندما نقول صناعة سورية، يقفز النسيج لأعلى القائمة، ليسجل حضوره كواحد من الصناعات التي اشتهرت بها سوريا لسنوات طويلة، فالأقمشة السورية مثل البروكار والحرير الدمشقي، خرجت من معامل حلب ودمشق إلى العالم، وعرفت بجودتها المميزة. لذلك تعود هذه الصناعة بقوة مع العمل على استعادة الاقتصاد والصناعة السورية عبر معرض “ناس تكس 2026” في دمشق.

من معرض للمنتجات… إلى منصة لإعادة بناء الصناعة

يختلف معرض “ناس تكس 2026” عن كل ما يخطر في بال أي شخص حول النسيج السوري، فلا يعرض الأقمشة أو الملابس فقط، بل كان مصنعاً صغيراً يرى فيه الزوار صناعة الملابس خطوة بخطوة.

فالمعرض الذي أقيم في مدينة المعارض الجديدة بدمشق، جمع أكثر من 300 شركة وجهة عارضة من أكثر من 25 دولة عربية وأجنبية، على مساحة وصلت إلى 150 ألف متر مربع، ليصبح واحداً من أكبر التجمعات المتخصصة بصناعة النسيج في المنطقة.

وما يلفت الانتباه أن الزائر لا يشاهد المنتجات النهائية فقط، بل يتعرف أيضاً إلى كل ما يتعلق بهذه الصناعة، بداية من الخيوط والمواد الأولية، مروراً بالآلات الحديثة وخطوط الإنتاج، حتى يصل إلى أحدث تقنيات التحول الرقمي التي أصبحت جزءاً أساسياً من صناعة النسيج في العالم.

كما وفر المعرض مساحة لتبادل الخبرات بين المصنعين والخبراء والمستثمرين، وهو ما يجعله أقرب إلى ملتقى اقتصادي وصناعي، يبحث في مستقبل القطاع أكثر مما يكتفي بعرض ما أُنتج بالفعل.

وخلال افتتاح المعرض، أكد الرئيس أحمد الشرع أن صناعة النسيج ليست مجرد مهنة، بل صفحة مهمة من تاريخ سوريا، مشيراً إلى أن القماش السوري كان يوماً سفيراً للبلاد، وأسهم في ازدهار التجارة والاقتصاد، وأن المرحلة الحالية تمثل فرصة لإحياء هذا الإرث وتحويله إلى قوة اقتصادية جديدة قادرة على خلق فرص العمل ودعم إعادة الإعمار.

قطاع كبير… لكنه يحتاج إلى فرصة جديدة

ورغم الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد، فإن صناعة النسيج ما زالت تعد من أكبر القطاعات الإنتاجية في سوريا، وهو ما تؤكده الأرقام الرسمية. فالقطاع يضم أكثر من 24 ألف منشأة صناعية وحرفية، يعمل منها نحو 14 ألف منشأة، بينما لا تزال أكثر من عشرة آلاف منشأة متوقفة عن الإنتاج. وتتركز معظم هذه المنشآت في محافظتي حلب ودمشق، اللتين حجزتا مكانهما في تاريخ صناعة النسيج السوري.

وبالنظر إلى الأرقام السابقة، نكتشف أن البنية الأساسية للصناعة ما زالت موجودة، وأن الخبرات لم تختفِ بالكامل، وإنما تحتاج إلى بيئة مناسبة حتى تعود للعمل بطاقتها الكاملة. لذلك أكد وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار أن معرض “ناس تكس” جاء ليعيد الثقة بعودة سوريا إلى موقعها الطبيعي كمركز للإنتاج والصناعة والتجارة في المنطقة.

وأوضح أن الحكومة تعمل على بناء بيئة استثمارية منفتحة، من خلال إزالة العقبات أمام الإنتاج، وتشجيع الابتكار، وتحديث الصناعة، وزيادة الصادرات، حتى تستعيد المنتجات السورية مكانتها في الأسواق العالمية.

ويرى الشعار أن سوريا تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لتكون مركزاً إقليمياً للصناعات النسيجية، سواء من حيث الموقع الجغرافي أو الخبرات البشرية المتراكمة أو تاريخها الطويل في هذا المجال.

الاستثمار والتكنولوجيا… الطريق إلى المنافسة من جديد

إذا كانت صناعة النسيج السورية تريد العودة إلى الأسواق العالمية، فإن الاعتماد على التاريخ وحده لا يكفي، فقد تغيرت معايير المنافسة اليوم، إذ أصبحت تقوم على التكنولوجيا، وسرعة الإنتاج، وجودة التصنيع، والقدرة على مواكبة التطورات العالمية. لذلك ركز معرض “ناس تكس” على عرض أحدث الآلات الصناعية، وتقنيات الإنتاج الذكية، والحلول الرقمية التي تساعد المصانع على تقليل التكاليف ورفع الجودة.

ويرى مؤسس المعرض فادي المحميد أن الهدف لم يكن تنظيم معرض تقليدي، بل إنشاء منصة تلتقي فيها الصناعة بالاستثمار، لأن الدول اليوم تُقاس بقدرتها على الإنتاج، والاقتصادات القوية هي التي تنجح في تحويل المعرفة والتكنولوجيا إلى مصانع وفرص عمل وصادرات.

بينما يؤكد رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها المهندس أيمن مولوي أن المشاركة الكبيرة للشركات المحلية والدولية تعكس وجود اهتمام حقيقي بالسوق السورية، لافتاً إلى أن صناعة النسيج كانت قبل عقود من أبرز الصناعات المنافسة في المنطقة، قبل أن تتراجع نتيجة السياسات الاقتصادية السابقة ثم سنوات الحرب.

ويشير مولوي إلى أن المرحلة الحالية تشهد عودة اهتمام من رجال أعمال ومستثمرين سوريين في الخارج، بالإضافة إلى مستثمرين أجانب، وهو ما قد يسهم في إطلاق مشاريع جديدة تعيد النشاط إلى هذا القطاع.

كما يرى ممثلو غرف التجارة والصناعة أن اطلاع الصناعيين على أحدث المعدات والتقنيات يمنحهم فرصة لتطوير مصانعهم، ورفع جودة منتجاتهم، والدخول مجدداً إلى أسواق خارجية كانت تعتمد لسنوات طويلة على المنتج السوري.

ويؤكد رئيس غرفة تجارة دمشق عصام الغريواتي أن قطاع النسيج يشكل نحو نصف القطاع الصناعي السوري، وهو ما يجعله أحد أهم القطاعات القادرة على زيادة الصادرات وتحريك عجلة الاقتصاد إذا توفرت له الظروف المناسبة.

التفاؤل وحده لا يكفي… فهناك تحديات يجب تجاوزها

على الرغم من وجود مؤشرات إيجابية في المعرض تعطينا أمل باستعادة وجودنا في صناعة النسيج، إلا أن ذلك لا يعني عدم وجود تحديات كبيرة لا تزال موجودة. فالخبيرة الاقتصادية الدكتورة زبيدة القبلان ترى أن المشاركة الواسعة في المعرض تعكس بداية عودة الثقة الاستثمارية بالاقتصاد السوري، كما تمثل فرصة لإعادة المنتج النسيجي السوري إلى الأسواق العالمية واستعادة مكانته التي عرف بها لعقود.

لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن نجاح هذه الخطوة يعتمد على معالجة مجموعة من التحديات التي ما تزال تواجه القطاع، وفي مقدمتها تأمين الكهرباء والطاقة بأسعار مناسبة، لأن تكلفة الإنتاج تبقى من أكبر العقبات أمام المصانع.

كما تلفت إلى وجود حاجة لإعادة تأهيل الكوادر البشرية وتعويض النقص في العمالة الماهرة الذي نتج عن سنوات الحرب، إلى جانب حماية المنتج المحلي من المنافسة غير العادلة للسلع منخفضة الجودة، وتسهيل الإجراءات المالية والتحويلات البنكية أمام المستثمرين الأجانب.

وتؤكد القبلان أن المرحلة المقبلة تتطلب شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص، مع التوسع في استخدام التكنولوجيا الذكية، وأتمتة خطوط الإنتاج، وفتح أسواق تصديرية جديدة، لأن نجاح الصناعة لا يقاس فقط بحجم الإنتاج، وإنما بقدرتها على المنافسة والاستمرار.

في النهاية، يحمل معرض “ناس تكس 2026” رسالة افتتاحية للعالم بعودة النسيج السوري إلى حلبة المنافسة العالمية، فالإبداع والمقومات التي تسمح بالنهوض موجودة، بينما ستساعد الحكومة السورية في حل التحديات والعوائق الأخرى، ليعود اسم “صنع في سوريا” يصدح في ساحات الألبسة الدولية.

اقرأ أيضاً: بيانات غريبة: معامل النسيج التركية قد تنتقل إلى سوريا بدل الخروج منها!

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى