كيف ستسهم الشركات الأمريكية في إنعاش قطاع الطاقة في سوريا؟

إعداد: لمى ابراهيم
تشهد سوريا تحركات جديدة تهدف إلى تغيير مستقبل قطاع الطاقة بعد سنوات طويلة من الحرب، فهناك شركات أمريكية بدأت تخطط للاستثمار في الغاز والنفط والكهرباء، في وقت تعاني فيه البلاد من نقص شديد في الطاقة.
هذه الشركات هي “بيكر هيوز” (Baker Hughes) و”هانت إنرجي” (Hunt Energy) و”أرجنت للغاز الطبيعي المسال” (Argent LNG) ويستعدون لإطلاق مشروع طموح لتحسين قطاع الطاقة في سوريا.
وكالة “رويترز” كشفت عن تفاصيل الخطط الجديدة، نقلاً عن Jonathan Bass، الرئيس التنفيذي لشركة “أرجنت”، الذي أوضح أن تحالف الشركات الثلاث يضع حالياً أولى اللمسات على خطة إستراتيجية تهدف إلى إحياء قطاعي النفط والغاز، إضافة إلى تعزيز إنتاج الكهرباء داخل البلاد، مؤكداً أن هذا التحرك يأتي ضمن خطوة ضمن مبادرة أوسع لإعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية للطاقة في سوريا.
وقال باس: “بدأنا فعلياً بوضع خريطة طريق لتطوير الطاقة وتوليد الكهرباء، انطلاقاً من تقييمنا الأولي للإمكانات والفرص التي يمكن الاستفادة منها في المستقبل القريب لتحسين الأداء وتوسيع القدرة الإنتاجية”، وتحفّظ عن ذكر تفاصيل إضافية.
هكذا كان تعليق شركة “أرجنت” بينما امتنعت شركة “هانت للطاقة” -مقرها تكساس- عن التعليق على الخطة، في حين لم ترد شركة “بيكر هيوز للخدمات النفطية”، المزود العالمي لخدمات الطاقة، على استفسارات “رويترز” المرسلة عبر البريد الإلكتروني.
اقرأ أيضاً: ألواح الطاقة الشمسية: كيف تؤثر على المناخ.. وما واقعها في سوريا؟
وبشأن التفاصيل الإضافية، كشف تقرير “رويترز” أن هذه الخطة ستبدأ من المناطق الواقعة غرب نهر الفرات، الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية، في وقت لا تزال فيه المناطق الشرقية -التي تضم الجزء الأكبر من موارد النفط في البلاد- تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، المدعومة من الولايات المتحدة، والتي كانت -الأخيرة- قد دعت مؤخراً إلى اندماجها مع الحكومة السورية الجديدة.
أما من الجانب السوري، فقد أعلن وزير المالية، يسر برنية، عبر حسابه على “لينكد إن”، أن الشركات الأميركية الثلاث بصدد تشكيل ائتلاف استثماري، ورأى أن هذه الخطوة تعكس “اهتماماً متزايداً من قبل المستثمرين الأميركيين بالتعامل مع سوريا”، ومؤكداً أن بلاده منفتحة على الاستثمارات الأجنبية، وخصوصاً في قطاعات إستراتيجية كقطاع الطاقة الذي يحتاج إلى تحالفات دولية قوية لإعادة بنائه -بحسب قوله-.
وفي سياق مشابه، كانت الحكومة السورية قد أعلنت في نهاية أيار الماضي، عن توقيع اتفاق طاقة إستراتيجي مع تحالف شركات تقوده “يو سي سي القابضة” (UCC Holding) القطرية، بقيمة نحو 7 مليارات دولار، ويهدف هذا المشروع إلى التخفيف من أزمة الكهرباء الخانقة في البلاد، من خلال تطوير بنية تحتية حديثة للطاقة.
وتتضمن الاتفاقية القطرية – السورية إنشاء أربع محطات لتوليد الكهرباء تعمل بالغاز الطبيعي، ومحطة طاقة شمسية بقدرة 1000 ميغاواط في جنوب البلاد، لتصل القدرة الإنتاجية الإجمالية للمشروع إلى نحو 5000 ميغاواط.
ومن التحركات الجديدة أيضاً، كان وزير الطاقة محمد البشير، قد عقد منذ أيام اجتماعاً مع وفد من “شركة أميركية خاصة” لبحث فرص الاستثمار في مجال الغاز، وقد أكد الوزير خلال الاجتماع أن الحكومة السورية تسعى لجذب الاستثمارات الأجنبية، لا سيما في مشاريع الطاقة والبنية التحتية، في إطار خطة أوسع لإعادة تأهيل القطاع وتحديثه.
تأتي هذه الخطط الجديدة بعد قرار رفع العقوبات الذي اتخذه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أواخر حزيران 2025، حين وقّع الأمر التنفيذي رقم 14312، واضعاً حداً لأحد أطول برامج العقوبات الصارمة في تاريخ السياسة الأميركية.
اقرأ أيضاً: ما معاني نماذج BOO وBOT المعتمدة في اتفاقية الطاقة السورية؟
قطاع الطاقة السوري: خسائر بالجملة
تواجه سوريا أزمات حادة في قطاع الطاقة ككل، وقطاع الكهرباء يعاني من مشاكل كبيرة، حيث لا يتجاوز إنتاج الكهرباء السنوي 2600 ميغاواط، في حين أن الطلب الحقيقي يفوق 9000 ميغاواط، ما يعني أن البلاد تنتج أقل من ثلث احتياجاتها الفعلية من الطاقة.
بيانات حديثة بينت أن إنتاج الكهرباء في عام 2023 سجل تراجعاً بنسبة 29% مقارنة بالعام السابق، ليبلغ 12.9 مليار كيلوواط/ساعة، بعدما كان 18.22 مليار كيلوواط/ساعة في 2022، وهذا الرقم يمثل انخفاضاً بنسبة 74% عن مستويات الإنتاج في عام 2011، ليعود إنتاج الكهرباء في سوريا إلى ما يقارب مستواه في عام 1993.
“بلغت خسائر قطاع الكهرباء السوري المباشرة نحو 40 مليار دولار، في حين تجاوزت الخسائر غير المباشرة 80 مليار دولار”.
وتعتمد سوريا على محطات توليد حرارية تعمل بالفيول والغاز، إلا أن النقص المزمن في الوقود، إضافةً إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية خلال سنوات الحرب، تسببا في تراجع كبير بالإنتاج، أما مشاريع الطاقة المتجددة، فهي لا تزال في بداياتها وتشكل نسبة هامشية من إجمالي الطاقة المنتجة.
تصل تداعيات هذه الأزمة إلى مختلف جوانب الحياة اليومية والاقتصادية، وتعيق أي محاولات حقيقية للنهوض الاقتصادي أو تحسين الخدمات الأساسية.
اقرأ أيضاً: دمشق تحت رحمة الأمبيرات.. تلوث بيئي وتكاليف ترهق كاهل الأسر
ومؤخراً بعد سقوط نظام الأسد ورفع العقوبات، بدأ الأمل يظهر بأن تأتي دفعة دعم مهمة لبلد يعاني من أزمة كهرباء خانقة، حيث لا تتوفر الكهرباء إلا لساعة أو ساعتين في اليوم في كثير من المناطق.
ورغم أهمية رفع العقوبات، إلا أن خبراء يرون أن مشاكل قطاع الطاقة في سوريا أعمق من ذلك، إذ تعود جذورها إلى تدهور طويل الأمد في البنية التحتية، ما يتطلب استثمارات ضخمة وجهوداً كبيرة لإعادة التأهيل.
وفي محاولة لتخفيف الأزمة، لجأت الحكومة السورية إلى استيراد شحنات من الغاز الطبيعي من قطر وتركيا، إلا أن هذه الحلول مؤقتة وأثرها محدود، ذلك لأن إصلاح البنية التحتية للطاقة قد يستغرق سنوات، أما البدائل مثل المولدات الخاصة أو الألواح الشمسية، فهي إما باهظة الثمن أو غير ملائمة لغالبية السوريين.
ومن بين المقترحات التي طرحها الخبراء، استخدام سفن طاقة عائمة في موانئ بانياس وطرطوس، حيث يمكن لكل سفينة أن تولّد نحو 400 ميغاواط، أي ما يعادل إنتاج محطة طاقة متوسطة، وتتوفر سفينتان من هذا النوع، وتعهدت قطر وتركيا بتغطية تكاليف الوقود والتشغيل.
ولكن رغم ذلك يظل هناك قلق بشأن كمية الكهرباء التي يمكن إيصالها إلى دمشق، التي تبعد نحو 160 كيلومتراً، بسبب الأضرار التي لحقت بخطوط النقل.
إلى جانب ذلك، تركز الحكومة السورية حالياً على إصلاح منشآت الوقود الأحفوري بهدف تحسين ظروف المعيشة، وتنشيط الاقتصاد، وجذب المستثمرين، في المقابل، أشار برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أنه سيتم إعداد خطة وطنية للطاقة المتجددة خلال العام المقبل، وتهدف هذه الخطة إلى تقييم الطلب المستقبلي على الطاقة، وتحديد مدى إمكانية تغطيته عبر مصادر متجددة.
وكان Sudipto Mukherjee -الممثل المقيم للبرنامج في سوريا- قد أكد في بيان له على أهمية التحرك السريع نحو حلول مستدامة، قائلاً: “نظراً للدور الحيوي الذي تلعبه الطاقة في تعافي سوريا، يجب معالجة فقر الطاقة بشكل عاجل، وتسريع الوصول إلى مصادر الطاقة المتجددة تدريجياً”.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي السوري – السويسري جوزيف ضاهر في تصريح إعلامي إن “أي تعافٍ اقتصادي حقيقي يتطلب وجود قطاع طاقة فعّال”، لافتاً إلى أن البدائل المؤقتة مثل المولدات الخاصة أو الألواح الشمسية تبقى مقتصرة على من يستطيع تحمل تكلفتها، وأضاف أن هناك حاجة ملحّة لخفض تكلفة الكهرباء في سوريا، التي تعدّ من بين الأعلى في المنطقة.
ختاماً، يوجد الكثير من الخطط والمشاريع التي تبدو وكأنها ستنعش قطاع الطاقة في سوريا بسرعة كبيرة، ولكن لا يمكن التعويل عليها حتى البدء بتنفيذها ورؤية النتائج الإيجابية، ولكن مع استمرار تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية في البلاد، قد تبقى هذه الاتفاقيات مجرد كلام حتى استقرار الأوضاع.
اقرأ أيضاً: عقد جديد مع STE لتزويد حلب بالكهرباء المعزولة









