ثقافة وتراث

كيف تتخلص من إدمان مواقع التواصل الاجتماعي؟ الدليل العلمي يجيب

بقلم هلا يوسف

أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي جزءاً أساسياً من الحياة اليومية. فملايين الناس يبدأون يومهم بتفقد الإشعارات وينهون يومهم بتصفح الصفحات والمنشورات. وتحول هذا الاستخدام العادي إلى اعتماد مفرط يصعب التحكم فيه. لكن الحقيقة أن هذا الإدمان لا يرتبط فقط بعاداتنا اليومية، بل أيضاً بطريقة تصميم هذه المنصات التي تعتمد على آليات نفسية تجعل المستخدم يعود إليها باستمرار. وقد بدأت الدراسات تُظهر الآثار النفسية التي تخلفها مواقع التواصل الاجتماعي على الأفراد، كما بدأ الناس أنفسهم يشعرون بتبعات هذا الإدمان، مما دفعهم للبحث عن طرق لتقليل استخدامها أو التوقف نهائياً عنها.

لماذا تبدو مواقع التواصل شديدة الجاذبية؟

يصف بعض الباحثين طريقة عمل مواقع التواصل الاجتماعي بأنها تشبه إلى حد كبير آلية المقامرة. فعندما يقوم المستخدم بتفقد إشعاراته أو الصفحة الرئيسية، قد يحصل على مكافأة اجتماعية مثل إعجاب أو تعليق إيجابي على منشور له. هذه المكافأة تعزز السلوك وتشجعه على تكراره.

لكن ما يجعل الأمر أكثر إدماناً هو أن هذه المكافآت لا تأتي بشكل منتظم. فالمستخدم لا يعرف مسبقاً إن كان منشوره سيحصل على عدد قليل من الإعجابات أو سيحقق انتشاراً واسعاً. وبذلك يتعلق الفرد بالموقع، حيث إن هذا النوع من التعزيز غير المنتظم يجعل الأشخاص يعودون مراراً إلى المنصة لمعرفة ما إذا كانت المكافأة قد ظهرت أم لا.

ورغم أن التفاعل الكبير مع منشور ما قد يمنح شعوراً بالسعادة، فإن المنشورات التي لا تلقى التفاعل المتوقع قد تترك شعوراً بالإحباط. هذه التقلبات بين الشعورين تخلق حالة من التوتر لدى بعض المستخدمين.

ما الذي تقوله الدراسات عن التوقف عن وسائل التواصل؟

رغم أن الدراسات في هذا المجال ما زالت محدودة، فإن بعض الأبحاث بدأت تقدم مؤشرات مهمة حول تأثير الابتعاد عن هذه المنصات.

تشير إحدى الدراسات إلى أن أخذ فترات قصيرة من الراحة من استخدام فيسبوك يمكن أن يساهم في خفض مستويات التوتر، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يستخدمون وسائل التواصل بشكل مفرط. ويعتقد الباحثون أن الابتعاد المؤقت قد يساعد في التخلص من الضغوط المرتبطة بانتظار التفاعلات أو مقارنتها.

وقد لاحظ بعض المعلمين أيضاً أن عدداً من الطلاب يشعرون بتوتر شديد عندما يطلب منهم إبعاد هواتفهم قبل الامتحانات، وهو ما يعكس درجة الاعتماد النفسي على هذه الأجهزة والمنصات.

لكن النتائج ليست كلها إيجابية. فقد أظهرت دراسة أخرى شملت 68 مشاركاً أن التوقف عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي قد يؤدي لدى بعض الأشخاص إلى زيادة الشعور بالوحدة. في هذه الدراسة تم تقسيم المشاركين عشوائياً إلى مجموعتين: مجموعة استمرت في استخدام وسائل التواصل، وأخرى توقفت عنها.

وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين امتنعوا عن استخدامها شعروا بزيادة في الوحدة، كما سجلوا انخفاضاً في مستوى الرضا عن الحياة وارتفاعاً في بعض المشاعر السلبية مثل الحزن والخوف والغضب والشعور بالذنب.

تشير هذه النتائج إلى أن تأثير الابتعاد عن وسائل التواصل الاجتماعي لا يكون واحداً لدى الجميع، بل يعتمد إلى حد كبير على طبيعة العلاقة التي تربط الشخص بهذه المنصات.

لماذا قد يشعر بعض الأشخاص بالوحدة بعد تركها؟

إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي تمثل وسيلة أساسية للتواصل مع الآخرين، فمن الطبيعي أن يشعر الشخص بشيء من العزلة عندما يتوقف عن استخدامها فجأة. لذلك لا يمكن القول ببساطة إن حذف الحسابات سيجعل الجميع أكثر سعادة.

كما أن المشاركين في الدراسة السابقة لم يختاروا بأنفسهم الانضمام إلى مجموعة التوقف عن وسائل التواصل، بل تم توزيعهم عشوائياً. وهذا يعني أن القرار الشخصي يلعب دوراً مهماً؛ فالشخص الذي يفكر في تقليل استخدام هذه المنصات غالباً ما يكون قد قيم مسبقاً مزاياها وعيوبها.

في بعض الحالات قد لا يكون التوقف الكامل مناسباً، خاصة إذا كانت هذه المنصات مرتبطة بالعمل أو تمثل وسيلة رئيسية للتواصل مع الأصدقاء والعائلة. في مثل هذه الحالات قد يكون من الأفضل الاكتفاء بفترات انقطاع مؤقتة تساعد على تقليل التوتر دون قطع التواصل تماماً.

خطوات عملية لتقليل الاعتماد على وسائل التواصل

1. تقوية العلاقات في الحياة الواقعية

من أهم الطرق للتعامل مع الشعور بالوحدة بعد تقليل استخدام وسائل التواصل هو تعزيز العلاقات في الواقع. يمكن تحقيق ذلك عبر التواصل مع الأصدقاء والعائلة بشكل مباشر، سواء من خلال الرسائل أو المكالمات الهاتفية أو اللقاءات الشخصية. كما قد يكون من المفيد التخطيط للقاءات اجتماعية قبل تقليل استخدام وسائل التواصل حتى لا يشعر الشخص بفراغ اجتماعي مفاجئ.

2. التفكير في سبب استخدامك لهذه المنصات

قبل اتخاذ قرار التوقف، من المفيد أن يسأل الشخص نفسه بعض الأسئلة البسيطة: لماذا أستخدم وسائل التواصل؟ لماذا أنشر المحتوى؟ وما الذي أتوقع الحصول عليه منها؟ كما ينبغي التفكير في تأثيرها على الحياة اليومية، سواء كان إيجابياً أو سلبياً.

3. تجربة فترات انقطاع قصيرة

بدلاً من حذف الحسابات بشكل مفاجئ، يمكن البدء بتجربة فترات استراحة قصيرة من وسائل التواصل. هذه الفترات تساعد على ملاحظة الفرق في المزاج ومستوى التركيز وإدارة الوقت. ومع مرور الوقت قد يكتشف الشخص أنه يشعر براحة أكبر بعيداً عنها.

4. إيجاد طرق أخرى للبقاء على اطلاع

يخشى بعض الأشخاص فقدان القدرة على متابعة الأخبار أو الثقافة الشعبية إذا توقفوا عن استخدام وسائل التواصل. لكن يمكن تعويض ذلك بطرق أخرى مثل قراءة الأخبار عبر المواقع المتخصصة، أو البحث من حين لآخر عن الموضوعات الرائجة، أو حتى التعرف على الجديد من خلال الحديث مع الآخرين. هذا الأسلوب يجعل متابعة المعلومات أكثر انتقائية ووعياً بدلاً من التصفح المستمر والعشوائي.

الوقت الذي يمكن استعادته

تشير بعض الإحصاءات إلى أن الناس يقضون في المتوسط أكثر من ساعتين يومياً على مواقع التواصل الاجتماعي. وإذا تم حساب هذا الوقت على مدار عام كامل، فإن ذلك يعادل تقريباً شهراً كاملاً من الوقت.

هذا الوقت يمكن استثماره في أنشطة كثيرة، مثل تعلم مهارة جديدة أو ممارسة الرياضة أو القراءة أو قضاء وقت أطول مع العائلة والأصدقاء. بالنسبة لكثير من الأشخاص، قد يكون هذا المكسب الزمني أحد أقوى الأسباب التي تدفعهم إلى تقليل استخدام هذه المنصات.

في النهاية، تحول تأثير مواقع التواصل الاجتماعي إلى حديث العلماء يعني مساؤه قد تعادل حسناته. وإذا كنت ممن لا يستطيعون الإقلاع تماماً عن السوشال ميديا، تستطيع تنظيم أوقاتك بحيث تخرج من دائرة الإدمان. فالهدف هنا ليس الابتعاد عن التكنولوجيا بحد ذاته، بل الوصول إلى توازن يسمح لنا باستخدامها دون أن تتحكم في وقتنا أو حياتنا.

اقرأ أيضاً: الألعاب الإلكترونية: بين التنظيم الحكومي وحقائق الإدمان!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى