كيف تؤسس لشركتك وأعمالك في سوريا؟

بقلم هلا يوسف
يعد الاستثمار هو الحديث الأبرز الطاغي في سوريا، سواء على وسائل التواصل الاجتماعي، أو في أروقة الحكومة السورية التي تحاول بناء شبكات علاقات قادرة على مواكبة مرحلة إعادة الإعمار والنهوض بالاقتصاد. إذ تشهد السوق السورية كل يوم إعلانات عن ولادة شركات جديدة، بفضل البيئة الاستثمارية التي تسهل اجراءاتها الحكومة. وبناءً عليه وصل عدد الشركات التي تم تسجيلها لدى مديرية الشركات في وزارة الاقتصاد والصناعة منذ بداية العام الحالي إلى 1846 شركة جديدة، مما يعكس حجم النشاط في قطاع تأسيس الأعمال والمشاريع. لذلك في هذا المقال سنتعرف على طريقة تأسيس الأعمال والشركات، وأنواعها، وأفضل المنصات التي تسهل رحلة التأسيس.
ما المقصود بتأسيس الأعمال في سوريا؟
قبل التعرف على أنواع الشركات والأعمال، لا بد من تصحيح المعلومة الخاطئة لدى الكثيرين حول معنى تأسيس الشركة. إذ يعتقد الكثيرون أنها تنطوي على استخراج سجل تجاري أو الحصول على ترخيص فقط، لكن الحقيقة أن تأسيس الأعمال يحتاج إلى إنشاء كيان قانوني معترف فيه رسمياً من قبل الدولة.
وهذا الكيان القانوني يمنح صاحب المشروع القدرة على ممارسة نشاطه بشكل رسمي، ويمنحه الكثير من المزايا مثل فتح حسابات مصرفية باسم الشركة، وتوقيع العقود القانونية، والتعامل مع الجهات الحكومية، وإجراء عمليات الاستيراد والتصدير، بالإضافة إلى الحصول على حماية قانونية لحقوقه ومصالحه التجارية. بمعنى آخر تسجيل الشركة يعني تحويل المشروع من فكرة إلى همل قانوني ومنظم يعطيه الحق في التوسع والنمو.
وعليه فإن اختيار الشركة الأنسب هو الخطوة الأكثر أهمية، لأنه يعني اختيار الشكل القانوني الذي ستظهر عليه الشركة أو الأعمال، وبالتالي سيترتب عليه طبيعة المسؤوليات القانونية، وكيفية توزيع الأرباح، وطريقة الإدارة، وحجم الالتزامات المالية التي قد يتحملها أصحاب المشروع.
أنواع الشركات والأعمال في سوريا
حتى يتم توفير حاضنة قانونية للجميع، أتاح القانون السوري عدة أنواع من الشركات، مع إعطاء حرية الاختيار للمستثمر.
الشركة محدودة المسؤولية.. الخيار المفضل لمعظم المستثمرين
عند النظر إلى أعداد الشركات الجديدة المسجلة هذا العام، نلاحظ أن الشركات محدودة المسؤولية جاءت في المرتبة الأولى مع فرق كبير بينها وبين الأنواع الأخرى، فبحسب مديرية الشركات بلغ عددها 1349 شركة.
بالتأكيد هذا الأمر غير عشوائي. بل مبني على سبب رئيسي يقف وراء التوجه نحو اختياره، إذ يوفر هذا النوع توازناً جيداً بين الحماية القانونية والمرونة في الإدارة. كما أن الشركة فيه تتمتع بشخصية قانونية مستقلة عن أصحابها، بمعنى أن أموال الشركة منفصلة عن الأموال الشخصية للشركاء.
وهذا الأمر يوفر حماية للشركاء في حال تعرضت الشركة للخسارة أو واجهة صعوبات مالية. وبالتالي لا يتحملون أعباء الديون من ممتلكاتهم الخاصة، ولذلك يفضل الكثير من المستثمرين هذا النوع من الشركات، خصوصاً أصحاب المشاريع التجارية والصناعية الصغيرة والمتوسطة.
كما يسمح القانون في بعض الحالات بتأسيس شركة محدودة المسؤولية من شخص واحد فقط، وهو خيار مناسب لأصحاب المشاريع الفردية الذين يرغبون في الاستفادة من مزايا هذا الشكل القانوني.
الشركات المساهمة.. للمشاريع الكبيرة والطموحة
في هذا النوع من الشركات يلجأ إليه أصحاب المشاريع الكبيرة التي تحتاج إلى تمويل من أكثر من جهة. حيث يتم تقسيم رأس المال إلى أسهم متساوية، ويمكن أن يمتلك هذه الأسهم عدد كبير من المستثمرين.
وتتميز الشركات المساهمة بقدرتها على جمع رؤوس أموال كبيرة، وهو ما يجعلها مناسبة للمشاريع الضخمة التي تحتاج إلى استثمارات مرتفعة، مثل شركات الاتصالات والطاقة والمصارف والمشاريع الصناعية الكبرى.
وتنقسم الشركات المساهمة في سوريا إلى عدة أنواع، منها الشركات العامة التي يمكن طرح أسهمها للاكتتاب، والشركات الخاصة التي تبقى ملكيتها محصورة بعدد محدد من المساهمين، والشركات القابضة التي يكون دورها الأساسي امتلاك وإدارة حصص في شركات أخرى.
فرع الشركة الأجنبية.. بوابة دخول المستثمرين الدوليين
بعد التحرير وجد الكثير من السوريين أفرع لشركات عالمية داخل سوريا خصوصاً في قطاع السيارات. وهنا تظهر فروع الشركات الأجنبية. فبدلاً من تأسيس شركة جديدة بالكامل، قد تلجأ الشركة الأجنبية على العمل من خلال فرع تابع لها.
في هذه الحالة يبقى الفرع مرتبطاً مباشرة بالشركة الأم الموجودة خارج البلاد، ويعمل باسمها وتحت إدارتها وإشرافها. ومن أهم مميزات هذا النوع هو إتاحة المجال للشركات الدولية الدخول إلى السوق السورية مع حفاظها على اسمها وعلامتها التجارية. ويستخدم هذا النموذج بشكل واسع في المشاريع الكبرى المتعلقة بالبنية التحتية والطاقة والخدمات الهندسية والتقنية.
شركات التضامن.. عندما تكون الثقة أساس الشراكة
مع عودة الكثير من المغتربين السوريين الذين قد يمتلكون مبالغ مالية معينة يريدون استثمارها بعمل معين تبدأ الكثير من المشاريع الجماعية بين أفراد العائلة أو الأصدقاء، وهنا يلجأون إلى تأسيس شركة تضامن.
تعتمد هذه الشركات على الثقة المتبادلة بين الشركاء، حيث يكون كل شريك مسؤولاً عن التزامات الشركة بشكل كامل على الرغم من أن هذا النوع يحمّل الشركاء مسؤولية كبيرة. لكن يعد مناسباً للعديد من الأنشطة التجارية الصغيرة والعائلية بسبب بساطة إجراءاته وسهولة إدارته.
شركة التوصية البسيطة.. الجمع بين المستثمر والمدير
هذا النوع يعتمد على تبادل الخبرة والمال. فقد يمتلك شخصاً ما المال اللازم للمشروع لكنه لا يرغب في إدارته، بينما يمتلك شخص آخر الخبرة والإدارة لكنه يحتاج إلى التمويل. وهنا يأتي دور شركة التوصية البسيطة.
فهذا النوع يجمع بين شركاء متضامنين يديرون المشروع ويتحملون المسؤولية القانونية، وشركاء موصين يساهمون في رأس المال فقط دون التدخل في الإدارة اليومية. ولذلك يعد هذا النوع مناسباً للمشاريع العائلية أو المشاريع الصغيرة التي تحتاج إلى ممولين دون إشراكهم في الإدارة.
المؤسسة الفردية.. البداية الأسهل لأصحاب المهن الصغيرة
فكر القانون السوري بأصحاب المهن الصغيرة، وكيفية تأمين البيئة القانونية المناسبة لهم، ومن دون طلب رأس مال. فالكثير من الأعمال تبدأ بشكل فردي، مثل مكاتب الخدمات، والورش الحرفية، والمهن اليدوية المختلفة. لذلك سمح القانون السوري بتأسيس المؤسسة الفردية، وهي كيان اقتصادي يملكه شخص واحد ويتولى إدارته بنفسه.
وتتميز المؤسسة الفردية بسرعة الإجراءات وقلة التكاليف ومرونة اتخاذ القرار، ما يجعلها خياراً مناسباً لمن يرغب في بدء مشروعه الخاص بإمكانات محدودة.
خطوات تأسيس الشركات والأعمال
بالرغم من الأنواع المختلفة السابقة للشركات، إلا أن خطوات التأسيس الأساسية متشابهة إلى حد كبير. إذ تبدأ العملية باختيار نوع الشركة المناسب للنشاط، ثم إعداد النظام الأساسي والعقود والوثائق القانونية المطلوبة.
بعد ذلك يتم تسجيل الشركة لدى الجهات الرسمية المختصة والحصول على الموافقات اللازمة، ثم فتح حساب مصرفي وإيداع رأس المال المطلوب بحسب نوع الشركة. وفي حالة الشركات محدودة المسؤولية، يبدأ الحد الأدنى لرأس المال عادة من 50 مليون ليرة سورية، أي ما يعادل نحو 5000 دولار تقريباً.
وبعد استكمال الإجراءات والحصول على الموافقات النهائية، تستطيع الشركة مباشرة أعمالها بشكل قانوني ورسمي. وتتراوح مدة التأسيس غالباً بين 25 و35 يوم عمل بحسب نوع النشاط والوثائق المطلوبة.
منصات متخصصة تسهل رحلة تأسيس الشركات
مع افتقار الكثير من الأشخاص للخبرة الإدارية والقانونية في تأسيس الشركات والأعمال، خصوصاً المستثمرين القادمين من الخارج. ظهرت منصات وشركات متخصصة تقدم خدمات متكاملة للمستثمرين، بدءاً من مرحلة دراسة الفكرة واختيار الشكل القانوني المناسب، وصولاً إلى تسجيل الشركة والحصول على التراخيص اللازمة ومتابعة الأعمال بعد التأسيس.
ومن بين هذه المنصات، تبرز بوابة الاستثمار السورية (SIG)، التي تقدم خدمات تتعلق بتأسيس الشركات وتوفير الاستشارات القانونية والإدارية للمستثمرين المحليين والأجانب. حيث تساعد المستثمرين في إعداد دراسات الجدوى الاقتصادية ودراسات السوق، وتقدم لهم الدعم في الجوانب المحاسبية والضريبية والإدارية، عدا عن المساعدة في استكمال المعاملات الرسمية والتواصل مع الجهات المعنية.
والجدير بالذكر أن الدعم لا يقتصر على مرحلة التأسيس فقط، بل يمتد إلى مرحلة تشغيل المشروع وإدارته، مما يساهم في تقليل العقبات التي قد تواجه المستثمرين خلال انطلاق أعمالهم.
كما ظهرت منصة “Syria Startups” لدعم رواد الأعمال والشركات الناشئة، حيث تقدم عبر منصتها الكثير من الخدمات الموجهة للمشاريع الجديدة.
وتشمل هذه الخدمات المساعدة في تأسيس الأعمال وتسجيل الشركات، إلى جانب الخدمات التقنية، والخدمات المالية والمحاسبية، وتدقيق الملفات، والخدمات اللوجستية، وتوفير مساحات العمل، بالإضافة إلى خدمات التوظيف واستقطاب الكفاءات وتصميم الهويات والعلامات التجارية.
كما تقدم المنصة برامج مخصصة لدعم المشاريع الناشئة، مثل حاضنات الأعمال ومسرعات الأعمال وبرامج التمويل الأولي، بهدف مساعدة أصحاب الأفكار والمشاريع على تحويلها إلى شركات قادرة على النمو والاستمرار. وتقدم خدمات استشارية متخصصة في مجالات تأسيس الأعمال والشؤون القانونية والإدارة المالية والتسويق.
في الختام، الجدير بالذكر أن سوريا اليوم ساحة استثمارية جذابة ومغرية للمستثمرين الخارجيين والداخليين. وبما توفره من تسهيلات في إنشاء وتسجيل الأعمال الشركات، يمكن أن تكون بوابتك أنت لبناء مشروعك الخاص. ومن خلال البيئة القانونية التي توفرها، يمكن أن يكون مستقبل المستثمر مضمون وقابلاً للنمو.
اقرأ أيضاً: إدارة القضايا في شركات المحاماة: من الممارسة إلى المنهجية









