كيف تؤثر الكهرباء على كلفة الإنتاج الصناعي؟

بقلم هلا يوسف
لا تزال أصداء رفع أسعار الكهرباء مستمرة نتيجة تأثيراتها الكبيرة على الأهالي والصناعيين في نفس الوقت. لكن التأثير الأكبر وقع على عاتق المنشأت الصناعية التي تعتمد بشكل كبير على الطاقة الكهربائية، وبالتالي تلقائياً تؤثر على الكلفة التشغيلية لأي مصنع. رفعت وزارة الطاقة تعرفة الكهرباء الصناعية إلى 1700 ليرة سورية للكيلوواط الساعي بعد أن كانت 1500 ليرة، وذلك عقب إلغاء رسوم مالية وإدارية بنسبة 21.5% بمرسوم رئاسي. وهذا التغيير فتح نقاشاً واسعاً حول الدور الحقيقي للكهرباء في كلفة الإنتاج، وهل المشكلة الأساسية تكمن في ارتفاع السعر، أم في طريقة استخدام الكهرباء داخل المصانع، أم في عدم استقرار التغذية الكهربائية.
موقع الكهرباء ضمن كلفة الإنتاج الصناعي
تعد الطاقة من العناصر المهمة في كلفة الإنتاج، وتزداد أهميتها في الصناعات التي تحتاج إلى كميات كبيرة من الكهرباء مثل صناعة الإسمنت والمعادن والصناعات الكيميائية. ومع ذلك، فإن التجارب الحديثة لم تعد تنظر إلى الكهرباء على أنها عبء فقط، بل مورد يمكن التحكم به وتحسين استخدامه لرفع كفاءة الإنتاج وتقليل الهدر.
تختلف نسبة مساهمة الكهرباء في التكلفة بحسب نوع الصناعة. فبحسب الخبير الصناعي محمد تيسير طرقجي أن هذه النسبة تتراوح غالباً بين 5% و20%، بينما تكون أقل في الصناعات النسيجية حيث تتراوح بين 10% و15%، وهي من أهم الصناعات في البلاد. أما في الصناعات الثقيلة مثل الإسمنت والألومنيوم وصهر المعادن، فقد تصل النسبة إلى 20% حتى 40%، في حين تنخفض في الصناعات الغذائية إلى 5%–12%، وتصل في الصناعات التجميعية الخفيفة إلى 3%–8% فقط.
توضح هذه الأرقام أن الكهرباء ليست دائماً العنصر الأكبر في التكلفة، إذ تأتي بعدها عوامل مثل المواد الأولية والأجور والإنتاجية والتمويل، إضافة إلى تأثير الهدر وسوء الإدارة.
تأثير عدم استقرار الكهرباء على الإنتاج
على الرغم من أن الكهرباء ليست دائماً أعلى بند في التكاليف، إلا أن تأثيرها يصبح كبيراً عند عدم استقرارها. ويوضح المهندس موفق فتال أن الكهرباء قد لا تكون الأغلى، لكنها الأكثر تأثيراً في الربحية عندما تكون غير مستقرة. ففي سوريا عانت المنشآت الصناعية لسنوات من انقطاع التيار بشكل متكرر، ما أجبرها على استخدام مصادر بديلة لضمان استمرار العمل.
هذا الواقع أدى إلى ارتفاع الكلفة التشغيلية وأثر على جودة الإنتاج وكفاءة العمالة، كما تسبب في زيادة أعطال المعدات وتقليل عمرها ورفع تكاليف الصيانة. كما أن الانقطاعات المتكررة تؤدي إلى خسائر غير مباشرة مثل تلف المواد الأولية وإعادة تشغيل خطوط الإنتاج وضياع الوقت، وهي خسائر لا تُحسب بدقة لكنها تؤثر بشكل واضح على أداء المصانع.
ويشير طرقجي إلى أن ساعة توقف واحدة في خط الإنتاج قد تكون كلفتها أعلى من استهلاك الكهرباء ليوم كامل، لأن التوقف يعني تأخير التسليم وربما خسارة زبائن، وهذا أمر مهم خاصة في التصدير.
وقد انعكس ارتفاع تعرفة الكهرباء بشكل واضح على قطاع مواد البناء، حيث ارتفعت تكاليف الإنتاج والأسعار. فقد وصل سعر طن الإسمنت إلى ما بين 1.1 مليون و1.2 مليون ليرة سورية، بينما تراوح سعر طن الحديد بين 6 و7 ملايين ليرة، وبلغ سعر البلوك بين 2300 و3400 ليرة للقطعة الواحدة. كما أشار بعض التجار إلى أن التكاليف التشغيلية ارتفعت بنسبة تجاوزت 6%، وهو ما دفع بعض الورش إلى تقليل الإنتاج أو رفع الأسعار، وأدى في بعض الحالات إلى توقف منشآت صغيرة ومتوسطة عن العمل مؤقتاً.
إدارة الطاقة كحل لتحسين الكفاءة
يرى الخبراء أن الحل لا يقتصر على خفض سعر الكهرباء، بل يبدأ من داخل المصنع نفسه. يؤكد المهندس موفق فتال أن التوفير الحقيقي يتحقق من خلال تحسين طريقة التشغيل وفهم كيفية استهلاك الطاقة داخل العملية الإنتاجية. كما يوضح أن التجارب العالمية تعتمد على تحسين كفاءة المعدات واستخدام أنظمة تحكم حديثة ومراقبة الاستهلاك بشكل مستمر وتطوير العمليات الإنتاجية لتقليل الهدر.
من جهته، يشير محمد تيسير طرقجي إلى أن المصانع التي تستخدم آلات قديمة يتراوح عمرها بين 15 و20 سنة تستهلك طاقة أكثر بنسبة قد تصل إلى 20% أو أكثر، ما يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية وزيادة الهدر. كما يوضح أن بعض الأنظمة المساندة مثل التكييف الصناعي في قطاع النسيج قد تستهلك نحو ربع الطاقة، لكن استخدام تقنيات حديثة يمكن أن يخفض الاستهلاك بنسبة تصل إلى 30% مع تحسين جودة الإنتاج.
أما الباحث الاقتصادي أكرم الحلبي، فيرى أن هناك حاجة إلى دور حكومي لدعم القطاع، خاصة في مجال مواد البناء، لأن ارتفاع أسعار الكهرباء يضعف القدرة التنافسية للمنتجات المحلية مقارنة بالمستوردة. ويقترح الحلبي الاعتماد على الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية، وتقديم دعم موجه للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، إضافة إلى تحديث التقنيات الصناعية واستخدام الأتمتة وأنظمة التحكم الذكية لتقليل الهدر وزيادة الإنتاجية. كما يؤكد أن تدريب العمال ورفع مهاراتهم يلعب دوراً مهماً في تحسين الكفاءة، لأن العامل المدرب يمكن أن يساهم في تقليل الاستهلاك دون الحاجة إلى استثمارات كبيرة.
في النهاية، يبدو من خلال المعلومات السابقة أن مشكلة الكهرباء في الصناعة السورية لا تتعلق بالسعر فقط، بل ترتبط بشكل أكبر باستقرار التغذية وكفاءة الاستخدام داخل المصانع. فالكهرباء المستقرة، حتى لو كانت أعلى سعراً، قد تكون أقل كلفة من الكهرباء المتقطعة بسبب الخسائر الناتجة عن توقف الإنتاج. لذلك من الأفضل وجود كهرباء مستقرة مع سياسات دعم مناسبة مما يمهد الطريق الأساسي لتستطيع الصناعة السورية منافسة المواد المستوردة.
اقرأ أيضاً: ماذا تبقّى من الصناعة في حلب اليوم؟









