كوبنهاغن تعود بحقيبة أعمال.. من ملف اللاجئين إلى الاستثمار في سوريا

الكاتب: أحمد علي
أعادت الدنمارك في 31 آب 2026 افتتاح سفارتها في دمشق بعد انقطاع دام 14 عاماً، ثم أعلنت في اليوم التالي بدء إعداد اتفاقية شراكة تشمل الزراعة والطاقة والطيران والاستثمار والهجرة. وقال وزير الخارجية لارس لوكه راسموسن إن قطاع الأعمال الدنماركي مستعد للاستثمار في السوق السورية، بينما تحدث الجانب السوري عن تفعيل مجلس الأعمال المشترك وانطلاق رحلات مباشرة بين دمشق وكوبنهاغن في 21 أيلول. كما خصصت كوبنهاغن نحو 76 مليون دولار خلال العام لدعم التعافي والاستقرار والعودة الطوعية.
تجمع الزيارة بذلك ثلاث حقائب كانت منفصلة. حقيبة دبلوماسية تعيد الحضور الرسمي، وحقيبة إنسانية ارتبطت طويلاً باللاجئين، وحقيبة أعمال تريد تحويل التعافي إلى تجارة واستثمار. لكن جمع الملفات في مؤتمر صحفي لا يعني أن الاستثمار بدأ، فلا أسماء شركات معلنة ولا قيم عقود ولا جداول تنفيذ حتى الآن. لكن أهمية التحول تكمن في انتقال العلاقة من سؤال كيفية عودة السوريين إلى سؤال ما الذي يمكن بناؤه معهم، أما صدقيته فستتحدد عندما تتحول النوايا إلى مشروعات قابلة للتمويل والعمل.
السفارة تغيّر وظيفة العلاقة
عندما أعلنت الخارجية الدنماركية في كانون الثاني 2026 قرار إعادة السفارة، وضعت التعاون على العودة وإعادة المواطنين في صلب المبررات، إلى جانب متابعة المساعدات والحوار مع الأمم المتحدة. وأشارت إلى أن المساعدة الإنمائية المرتبطة بسوريا بلغت نحو 660 مليون كرونة في العام السابق.
أما الافتتاح الفعلي فأضاف وظيفة اقتصادية واضحة، فوجود سفير وفريق على الأرض يقلل فجوة المعلومات أمام الشركات، ويساعد في التحقق من الشركاء والأنظمة والعقود، ويفتح قناة لمعالجة المشكلات مع الحكومة. والسفارة لا تستثمر بدلاً من القطاع الخاص، لكنها تخفض كلفة اكتشاف سوق خرجت من عزلة طويلة. وهذا التحول أهم من رمزية العلم المرفوع فوق المبنى، لأنه يجعل البعثة منصة دبلوماسية وتجارية لا مكتباً لملف الهجرة وحده.
حقيبة الأعمال ما زالت إطاراً
حدد الطرفان مجالات واسعة تشمل المياه والطاقة المتجددة والزراعة والنقل البحري والطيران، واتفقا على العمل لاتفاقية شراكة وإخراج مجلس الأعمال من الإطار النظري. هذه بداية مؤسسية مفيدة، لكنها لا تساوي التزاماً مالياً. إعلان استعداد الشركات يصف شهية أولية، بينما الاستثمار يحتاج دراسة جدوى وشريكاً محلياً وهيكلاً قانونياً ومصدراً للعملة الصعبة وعقد شراء أو سوقاً قادرة على الدفع.
يمكن لاتفاقية الشراكة أن تقلل المخاطر إذا عالجت حماية المستثمر وتسوية النزاعات والضرائب والجمارك وتحويل الأرباح وشفافية المشتريات. أما إذا بقيت مظلة سياسية عامة، فستفيد الزيارات من دون أن تدفع المشروع إلى الإغلاق المالي. لذلك سيكون أول اختبار عملي هو نشر برنامج عمل لمجلس الأعمال، ثم ظهور دراسات ومذكرات محددة، وبعدها عقود وتمويل وتنفيذ.
قطاعات تلتقي فيها الحاجة والخبرة
اختيار المياه والزراعة والطاقة ليس عشوائياً، إذ تمتلك الدنمارك شركات وخبرات في كفاءة المياه والضخ والطاقة الهوائية والحيوية وسلاسل الغذاء والتبريد، بينما تحتاج سوريا إلى إعادة تأهيل شبكات متضررة وخفض الفاقد ورفع إنتاجية الأرض واستعادة الكهرباء. ويمكن أن تبدأ الشراكة بمعدات وخدمات هندسية وتدريب، ثم تنتقل إلى تشغيل وصيانة أو استثمار مشترك عندما تتضح التدفقات النقدية.
لكن مشروعات البنية الأساسية لا تُموّل لمجرد أن الحاجة كبيرة، يجب أن يعرف المستثمر من يشتري الكهرباء أو المياه، وكيف تُحدد التعرفة، ومن يتحمل مخاطر العملة وعدم السداد. وفي الزراعة، لا يكفي توريد تقنيات حديثة إذا غابت حقوق استخدام الأرض والتمويل والتأمين والتخزين والوصول إلى السوق. القيمة الدنماركية المحتملة هي ربط التقنية بنموذج تشغيل قابل للاستمرار، لا بيع معدات تضاف إلى منشآت لا تستطيع صيانتها.
اللاجئون جسر لا بند مقايضة
قال راسموسن إن السوريين الذين تعلموا وعملوا في الدنمارك يملكون خبرة يمكن أن تسهم في إعادة البناء، وشدد على أن العودة يجب أن تكون طوعية. هذه الصيغة تفتح مساراً أفضل من ربط الاستثمار بعدد المغادرين. فالجالية تضم أطباء ومهندسين وطلاباً وأصحاب أعمال، ويمكنها أن تنقل المعرفة ورأس المال والعلاقات حتى عندما يختار أصحابها البقاء في الدنمارك. الرحلة المباشرة المرتقبة تجعل هذا الدور أسهل، لكنها لا تحسم قرار العودة.
العودة المستدامة تحتاج سكناً وخدمات ووثائق وفرصة عمل وأمناً قانونياً، وهي شروط يخلقها التعافي الاقتصادي ببطء. لذلك يمكن للاستثمار أن يخفف أسباب الهجرة ويمنح بعض الأسر خيار الرجوع، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مقابل سياسي لإغلاق ملف الحماية. نجاح العلاقة يقاس بقدرة السوري على التحرك والمساهمة والاختيار، لا بتحويله من لاجئ في جدول دنماركي إلى رقم عائد في جدول سوري.
المصرف والتأمين خلف باب السفارة
أقر الجانب السوري بأن قيوداً عملية ما زالت تصيب المصارف والشحن والتأمين، بينما ربط الوزير الدنماركي إطلاق إمكانات الاستثمار باستكمال بناء نظام مالي قوي. هنا تقع العقبة الأصعب. تستطيع شركة أن ترى طلباً حقيقياً، ثم تتراجع لأنها لا تستطيع تحويل دفعة أو تأمين شحنة أو التحقق من مالكها المستفيد أو حماية عائدها من تقلب العملة.
تستطيع السفارة مساعدة الشركات في فهم المخاطر، لكن لا يمكنها أن تحل محل مصرف مراسل أو شركة تأمين أو قضاء تجاري موثوق. تحتاج دمشق إلى قواعد واضحة للترخيص والتحويل والتحكيم والإفصاح، وإلى مشروعات صغيرة قابلة للتدقيق تبني سجلاً للوفاء بالعقود. كما تحتاج كوبنهاغن إلى إرشادات امتثال دقيقة حتى لا تظل الشركات شديدة الحذر بعد تغير السياسة. الانفتاح السياسي يفتح الباب، أما البنية المالية فهي التي تسمح لرأس المال بالعبور.
كيف يُقاس الانتقال إلى الاستثمار
لا يكفي عد الوفود أو توقيع مذكرات عامة. خلال العام الأول يمكن قياس التحول بعدد الشركات التي تجري دراسة جدوى، وقيمة العقود الممولة، وحصة المشتريات المحلية، والوظائف والتدريب، ونسبة المشروعات التي بدأت التشغيل. كما يمكن نشر ما أنجزته اتفاقية الشراكة في خفض زمن الترخيص والتحويل وتسوية النزاع. هذه المؤشرات تحمي الطرفين من تضخيم إعلان لم يتحول إلى أصل منتج.
وقد يكون المسار الأكثر واقعية مزيجاً من منحة للتعافي ومشروع تجريبي واستثمار خاص. تمول المنحة إصلاحاً أولياً أو تخفيفاً للمخاطر، ويثبت المشروع أن الخدمة قابلة للدفع، ثم يدخل رأس المال على نطاق أوسع. بهذه الطريقة لا تختلط المساعدة بالربح ولا يُطلب من المستثمر تحمل مخاطر دولة كاملة. إذا أنتجت الزيارة هذا التسلسل، تكون كوبنهاغن قد عادت بحقيبة أعمال فعلاً. وإذا بقيت القطاعات عناوين، ستظل العلاقة أوسع لغوياً من قدرتها الاقتصادية.
ختاماً، انتقلت الدنمارك خطوة واضحة من إدارة سوريا بوصفها ملف لجوء ومساعدة إلى التعامل معها كشريك محتمل في التعافي والتجارة. السفارة واتفاقية الشراكة ومجلس الأعمال والرحلات المباشرة أدوات تجعل هذا الانتقال ممكناً، كما أن المياه والزراعة والطاقة مجالات يلتقي فيها الطلب السوري مع خبرة دنماركية حقيقية.
لكن الاستثمار لم يبدأ بمجرد إعلان الاستعداد. سيبدأ عندما تظهر شركة وعقد وتمويل ومشروع يعمل، وعندما يستطيع المصرف والمؤمن والقضاء حمل المخاطر التي لا تحملها الدبلوماسية. حتى ذلك الحين تبقى حقيبة كوبنهاغن إشارة سياسية واعدة، واختبارها الاقتصادي مفتوحاً.
اقرأ أيضاً: لماذا تغيّر موقف العالم من اللاجئين السوريين؟









