ثقافة وتراث

كنيس دورا أوربوس.. جداريات الفرات وذاكرة التعدد

بقلم: ريم ريا

في قلب البادية السورية، وعلى ضفاف الفرات، تقف دورا أوربوس كشاهدٍ صامت على تعاقب الحضارات وصراع الإمبراطوريات وتنوع المعتقدات. ومن بين أطلالها يبرز كنيس دورا أوربوس بوصفه أحد أهم الاكتشافات الأثرية في القرن العشرين، ليس فقط لقيمته المعمارية، بل لما يحمله من دلالات دينية وثقافية وفنية نادرة. الحديث عنه ليس مجرد استذكار لحجارة قديمة، بل قراءة في ذاكرة مكانٍ شكّل نقطة التقاء بين الشرق والغرب، وبين السياسة والعقيدة والفن.

كنيس دورا أوربوس.. الاكتشاف والعمارة

اكتشف كنيس دورا أوربوس عام 1922، أثناء أعمال التنقيب في المدينة الأثرية ، على السور الداخلي المواجه البادية. وقد حفظته ظروف استثنائية. فقد عمد السكان عند هجوم الفرس في منتصف القرن الثالث الميلادي ، إلى ردم المنازل المحاذية السور من أجل تدعيم التحصينات، فبقيت هذه الردميات بعد سقوط المدينة، ما أدى إلى حفظ الكنيس وجدارياته. اللافت أن الكنيس لم يبنَ ابتداءً كمعبد، بل كان بيتاً عادياً حُوّل إلى كنيس عام 245 ميلادي.

يعكس مخططه الطابع السكني الشائع في تلك المرحلة، إذ تألف في مرحلته النهائية من قاعة رئيسة للعبادة، وساحة داخلية، وعدة غرف محيطة.

تم نقل الكنيس لاحقاً إلى المتحف الوطني بدمشق، حيث أُعيد بناؤه وترميمه، في خطوة اعتبرت آنذاك إنجازاً  علمياً لافتاً في مجال حفظ الآثار.

اقرأ أيضاً: حين يلتقي التاريخ بالروح .. دير مار يعقوب “مار موسى الحبشي” في سوريا

أهم ما يميز الكنيس وما قصة المدرسة الفراتية

تعتبر جداريات الكنيس من أهم مميزاته، فهي تحوي ذروة تطور فن الرسم الجداري في وادي الفرات خلال تلك الفترة. جدرانه الداخلية مزينة بمشاهد دينية متنوعة موزعة ضمن صفوف أفقية في بناء بصري متكامل.

ما ميز هذه الرسومات هو كونها تابعة لما اتفق على تسميته بالمدرسة الفنية الفراتية، وهي مدرسة نشأت في بيئة حضارية ازدهرت فيها الجداريات منذ زمن ماري والأموريين.

الرسومات تكشف تداخل العناصر المحلية والتقاليد الهلنستية من حيث توزع الشخصيات واستخدام الألوان. لا يلفت في الكنيس الجران فقط بل سقف دورا أوربوس يجذب الإنتباه بزخرفته الشديدة التي تضم رموزاً نباتية وأشكالاً فنية وأبراجاً سماوية، ما يضيف بعداً كونياً لهذا المركز التعبدي.

رمزية  الكنيس الدينية والاجتماعية

لم تسجل المصادر التاريخية عنه صراعات داخلية تُذكر، ما يعكس طبيعة المدينة بوصفها نقطة تلاقي تجاري وثقافي بين الشرق والغرب.

فلا تكمن أهمية الكنيس في قيمته الفنية فحسب، بل في رمزيته التاريخية والاجتماعية. فقد وجد ضمن مدينة صغيرة المساحة نسبياً، ضمت في الوقت ذاته معابد وثنية، وكنيسة مسيحية مبكرة، ومعبداً مجوسياً، ما يشير إلى واقع تعددي عاشته دورا أوربوس في القرن الثالث الميلادي.

أبرز قرارات مديرية الٱثار بشأن الكنيس

أعلنت المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية، عن إطلاق مشروع لترميم كنيس ًدورا أوربوس” في متحف دمشق الوطني، بالإضافة إلى بعض القطع الأثرية القادمة من تدمر

وبحسب البيان، فإن المشروع المقرر أن تبدأ أعماله الفعلية مطلع الشهر القادم، سيركز على جرد القطع الأثرية وترميم بعضها إضافة إلى تأهيل وترميم اللوحات الجدارية لكنيس دورا أوربوس باتباع أحدث الأساليب العلمية والتقنيات العالمية في مجال الترميم والصيانة.

وأكدت المديرية العامة للآثار والمتاحف في ختام بيانها، أنها “ستواصل توفير كل سبل الدعم اللوجستي والفني لضمان نجاح هذا المشروع الحيوي، انطلاقاً من مسؤوليتها الوطنية والدولية في الحفاظ على الإرث الحضاري لسوريا”.

في سياقٍ متصل، في كانون الأول 2025، نظمت مديرية الآثار دورة تدريبية متخصصة في التوثيق ثلاثي الأبعاد لكنيس دورا أوربس الأثري في المتحف الوطني بدمشق. وذلك ضمن مشروع شامل لترميم الكنيس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى