أعمال واستثمار

كم سنة تحتاج سوريا لإعادة الإعمار؟ سيناريوهات محتملة لمسار التعافي

بقلم هلا يوسف

تظهر مسألة إعادة الإعمار كتحدي حقيقي يواجه الحكومة السورية بعد أربعة عشر عاماً من حرب دمرت البشر والحجر. وضمن هذه المسألة هناك الكثير من التحديات، لأنها لا تشمل فقط مباني وطرق، بل تعد نواة لإعادة إحياء الاقتصاد الذي يشكل عصب الحياة لأي دولة، والذي يترافق معه الاستقرار الاجتماعي تلقائياً. ومع أن الحديث عن إعادة الإعمار يرتبط غالباً بتأهيل البنية التحتية والمدن، فإن هذه العملية في الحالة السورية تتجاوز الجانب المادي لتشمل إعادة بناء المؤسسات الاقتصادية، واستعادة الثقة في البيئة الاستثمارية، وتهيئة الظروف لعودة النشاط الاقتصادي. لذلك فإن فهم حجم الدمار وتقدير تكلفة إعادة الإعمار يمثلان الخطوة الأولى لفهم التحديات التي تواجه سوريا في مرحلة ما بعد الحرب.

حجم الدمار وكلفة إعادة الإعمار في سوريا

تشير التقديرات الصادرة عن البنك الدولي في تقريره حول تقييم الأضرار المادية وإعادة الإعمار في سوريا للفترة بين 2011 و2024 إلى أن البلاد تعرضت لخسائر مادية واسعة النطاق. فقد تضرر نحو ثلث الأصول الإنتاجية الثابتة في الاقتصاد السوري، بما في ذلك المصانع والمباني والآلات وشبكات الكهرباء والمياه، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على القدرة الإنتاجية للاقتصاد.

وبلغت الخسائر المادية المباشرة في المباني والبنية التحتية نحو 108 مليارات دولار. وكانت البنية التحتية القطاع الأكثر تضرراً، إذ شكلت ما يقارب 48% من إجمالي الأضرار بقيمة تقدر بنحو 52 مليار دولار. وتلتها المباني السكنية بخسائر بلغت حوالي 33 مليار دولار، ثم المباني غير السكنية بنحو 23 مليار دولار. وقد تركزت أكبر مستويات الدمار في محافظات حلب وريف دمشق وحمص، وهي مناطق كانت من أهم المراكز السكانية والاقتصادية في البلاد، مما يجعل إعادة تأهيلها أولوية أساسية في أي خطة لإعادة البناء.

أما فيما يتعلق بتكاليف إعادة الإعمار، فتشير التقديرات الصادرة عن البنك الدولي إلى أن إجمالي الكلفة قد يتراوح بين 140 و345 مليار دولار، بمتوسط يقارب 216 مليار دولار. وتتوزع هذه التكاليف على عدة قطاعات رئيسية، إذ يتوقع أن تتطلب إعادة بناء المباني السكنية نحو 75 مليار دولار، بينما تحتاج المباني غير السكنية إلى حوالي 59 مليار دولار، في حين تتطلب البنية التحتية نحو 82 مليار دولار.

وتتضح ضخامة هذا التحدي بشكل أكبر عند مقارنته بحجم الاقتصاد السوري الحالي. فتكلفة إعادة الإعمار تعادل تقريباً عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لعام 2024. فقد تراجع الاقتصاد السوري بشكل حاد خلال سنوات الحرب، حيث انخفض الناتج المحلي الحقيقي بنحو 53% بين عامي 2010 و2022.

محاولات إنعاش الاقتصاد

في محاولة لتحفيز التعافي الاقتصادي، بدأت الحكومة السورية اتخاذ خطوات لتخفيف القيود التجارية وتنشيط النشاط الاقتصادي. فقد جرى تخفيض الرسوم الجمركية على بعض السلع بنسبة تصل إلى 60% بهدف تنشيط التجارة عبر الحدود، إلى جانب العمل على إلغاء بعض القيود المفروضة على الاستيراد. كما ظهرت مؤشرات على تحسن العلاقات التجارية مع تركيا، حيث يتم اجراء محادثات لإحياء اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين الموقعة عام 2005 والتي توقفت عام 2011. وقد انعكس ذلك في زيادة الصادرات التركية إلى سوريا بنحو 40% في مطلع عام 2025، إضافة إلى استئناف النقل البري المباشر بين البلدين. وفي بعض المناطق مثل إدلب، ساهم تخفيض الضرائب والرسوم الجمركية في تنشيط الحركة التجارية.

إلى جانب هذه الخطوات، تسعى سوريا إلى جذب الاستثمارات الخارجية والمساعدات الدولية لدعم عملية إعادة الإعمار. فقد بدأت تركيا بتزويد الأسواق السورية بالغاز القادم من أذربيجان، كما وقع تحالف تقوده قطر مذكرة تفاهم بقيمة 7 مليارات دولار لإعادة بناء قطاع الطاقة. وفي مؤتمر بروكسل الذي قاده الاتحاد الأوروبي، تعهد المانحون الدوليون بتقديم 5.8 مليار يورو لدعم التعافي الاقتصادي والاجتماعي في سوريا. كما أعلنت وفود تجارية إماراتية عن خطط لتطوير شبكة حافلات وطنية قد تضم ما يصل إلى 3000 مركبة، في حين أطلقت السعودية مبادرات إغاثية واستثمارية في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والتجارة.

ورغم هذه المبادرات، لا تزال عملية التعافي تواجه تحديات كبيرة. فالتفاوت الاقتصادي بين المناطق يمثل أحد أبرز العقبات، حيث شهدت بعض المناطق مثل إدلب انتعاشاً نسبياً نتيجة تحرير الأسواق وزيادة التجارة، بينما لا تزال المناطق الأخرى التي كانت خاضعة لسيطرة النظام السابق مثل دمشق وحلب تعاني من ركود اقتصادي وتأخر في إعادة الإعمار.

كما تبرز تحديات تتعلق بالفساد والمحسوبية في إدارة الاقتصاد وإعادة توزيع الأصول، إذ تشير بعض التقارير إلى تركز النفوذ الاقتصادي في أيدي مجموعات محدودة تتحكم في بعض الاستثمارات الكبرى. وقد ظهرت هذه المخاوف في مشاريع مثل تطوير الموانئ وتوسعة مطار دمشق الدولي، حيث أثيرت تساؤلات حول مستوى الشفافية في هذه الاتفاقيات ومدى استفادة المجتمع منها.

وتتفاقم هذه التحديات بسبب ضعف القطاع المالي والمصرفي نتيجة سنوات طويلة من الحرب وسوء الإدارة، إضافة إلى نقص السيولة النقدية والقيود المفروضة على السحب المصرفي. كما أن تدمير السجلات العقارية وفقدان الوثائق أدى إلى نزاعات متزايدة حول حقوق الملكية، وهو ما يخلق حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين ويؤثر في قدرة البلاد على جذب الاستثمارات.

وفي الوقت نفسه، لا تزال الأزمة الإنسانية تشكل ضغطاً كبيراً على الاقتصاد، إذ يحتاج نحو 16.5 مليون سوري إلى مساعدات إنسانية، في ظل تدهور الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء والرعاية الصحية. كما تأثر الإنتاج الزراعي بشكل كبير بسبب الحرب والجفاف، ما يزيد من صعوبة تحقيق تعافٍ اقتصادي شامل.

اقرأ أيضاً: حقّاً 107 سنوات؟! كم تحتاج سوريا زمناً لإعادة الإعمار دون الخارج؟!

سيناريوهات إعادة الإعمار

تختلف التقديرات حول المدة التي قد تستغرقها عملية إعادة إعمار سوريا، إذ تعتمد هذه العملية على مجموعة معقدة من العوامل السياسية والاقتصادية والأمنية. وبشكل عام يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار إعادة الإعمار، تتراوح بين سيناريو متفائل وآخر واقعي وثالث متشائم.

السيناريو المتفائل (10–15 سنة): يفترض تحقيق قدر من الاستقرار السياسي ووجود دعم دولي واسع النطاق لعملية إعادة البناء. في هذه الحالة يمكن أن تبدأ مشاريع إعادة الإعمار بوتيرة سريعة، مع تدفق الاستثمارات الأجنبية والمساعدات الدولية. ويعد إعادة تأهيل الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والرعاية الصحية خطوة أساسية لتسريع التعافي الاقتصادي والاجتماعي. كما أن عودة ملايين اللاجئين السوريين إلى البلاد يمكن أن تسهم في تنشيط الاقتصاد وإعادة بناء المجتمعات المحلية.

ويمكن الاستئناس في هذا السياق بتجربة ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث واجهت البلاد دماراً واسعاً في المدن والبنية التحتية، لكن عملية التعافي تسارعت نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة. فقد اعتمدت ألمانيا إصلاحات اقتصادية عميقة شملت إطلاق عملة جديدة عام 1948 وإلغاء القيود على الأسعار، إلى جانب تبني نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي الذي جمع بين آليات السوق ودور الدولة في تنظيم الاقتصاد. كما ساهم الدعم الخارجي، ولا سيما من خلال خطة مارشال، في توفير الموارد اللازمة لإعادة تشغيل الصناعة والبنية التحتية. ومع مشاركة مجتمعية واسعة في إزالة الأنقاض وإعادة بناء المدن، تمكنت ألمانيا الغربية خلال عقد واحد من تحقيق نمو اقتصادي سريع عرف لاحقاً بالمعجزة الاقتصادية. وتظهر هذه التجربة أن الجمع بين الاستقرار السياسي والإصلاحات الاقتصادية والدعم الدولي يمكن أن يسرع عملية التعافي حتى في الدول التي تعرضت لدمار واسع.

أما السيناريو الوسطي (15–20 سنة): فيفترض استمرار بعض التحديات السياسية والاقتصادية، ما يؤدي إلى تباطؤ نسبي في عملية إعادة الإعمار. ففي ظل مشكلات مثل ضعف التنسيق بين الجهات الدولية والفساد ونقص التمويل، قد تسير عملية إعادة البناء بوتيرة أبطأ. ويمكن مقارنة هذا السيناريو بتجربة إعادة إعمار العراق بعد عام 2003، حيث شهدت البلاد جهوداً دولية كبيرة لإعادة بناء البنية التحتية، إلا أن التحديات الأمنية والإدارية أدت إلى تأخير العديد من المشاريع واستغراق عملية التعافي سنوات طويلة.

أما السيناريو المتشائم (20–30 سنة أو أكثر): فيفترض استمرار عدم الاستقرار السياسي وتراجع الدعم الدولي، وهو ما قد يؤدي إلى بطء شديد في عملية إعادة الإعمار. في هذه الحالة قد تواجه سوريا وضعاً مشابهاً لما حدث في بعض الدول التي عانت نزاعات طويلة مثل أفغانستان، حيث أدى ضعف التمويل وتراجع اهتمام المانحين إلى تأخير مشاريع إعادة البناء الأساسية.

في النهاية، تظهر التجارب أن إعادة إعمار سوريا ليست مجرد مشروع هندسي لإعادة بناء المدن والبنية التحتية، إنما هي عملية إعادة هيكلة الاقتصاد بكامله. وهذا الأمر يعد تحدي كبير، يحتاج إلى موارد مالية ضخمة وإصلاحات مؤسسية واقتصادية عميقة. وسيظل نجاح عملية إعادة الإعمار مرتبطاً بمدى قدرة البلاد على تحقيق الاستقرار السياسي، وتعزيز الشفافية الاقتصادية، وجذب الاستثمارات الدولية. وبدون هذه العوامل، قد تستغرق عملية التعافي عقوداً طويلة قبل أن تتمكن سوريا من استعادة مستوياتها الاقتصادية والاجتماعية التي كانت قائمة قبل اندلاع الحرب.

اقرأ أيضاً: حين يبدأ العالم بالابتعاد عن الدولار: ما الذي ينتظر الاقتصادات الهشة مثل سوريا؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى