سياسة

عن توقيف حسان عقاد و“هاتوا الفلوس اللي عليكم”

الكاتب: أحمد علي

ظهر بوضوح لكل من يتابع ويقرأ، أن قضية حسان عقاد لم تبقَ قضية شكوى شخصية بين إعلاميين وناشطين، بل صارت اختباراً صغيراً وحساساً لطريقة عمل العدالة الجديدة في سوريا. وهي على هذا النحو ليس لأن عقاد فوق القانون، ولا لأن موسى العمر لا يملك حقّ الادعاء إذا رأى أنه تضرر.. يبدو في الواقع أن المسألة أبسط وأخطر في آن واحد، فكيف يتحول خلاف منشور على الإنترنت إلى توقيف من مكان عام، ثم إلى ضجة واسعة، ثم إلى سؤال عن القانون والشفافية والاطمئنان إلى الإجراء؟

الوقائع المنشورة تقول إن التوقيف جرى في 17 حزيران 2026 في دمشق، بعد شكوى تقدم بها الإعلامي موسى العمر إلى النيابة العامة في 3 حزيران، تتعلق بالقدح والذم والتشهير عبر الشبكة. وقال المحامي العام بدمشق القاضي حسام خطاب، في تسجيل نشرته عدلية دمشق، إن الملف أحيل إلى فرع مكافحة الجريمة الإلكترونية، وإن عقاد بُلّغ عدة مرات للمراجعة ولم يحضر، ثم صدرت إذاعة بحث بحقه وخُتم الضبط في 9 حزيران، قبل إحضاره لاحقاً والاستماع إلى أقواله بانتظار استكمال التحقيقات.

ولمن لا يعرف، فهذه هي الرواية الرسمية، لكنها ليست الرواية الوحيدة في النقاش العام، فمنصات اجتماعية وناشطون قالوا إن عقاد أُوقف من مقهى أو مطعم في دمشق، وتساءلوا عن طريقة الإحضار، وعن حق المحامي والعائلة في معرفة مكانه والتواصل معه. وهنا بدأت القضية تخرج من اسم صاحبها، وتحولت إلى سؤال أوسع عن شكل العدالة، لا عن حسان عقاد وحده.

توقيف حسان عقاد وسؤال الإجراء

تصرفت السلطات السورية، وفق بيان العدلية، على أساس شكوى قضائية قائمة، وهذا مهم، فلا يجوز تصوير كل إجراء قضائي بوصفه استهدافاً سياسياً قبل التحقق. وفي الوقت نفسه، لا يجوز الاكتفاء بوجود شكوى كي تُغلق الأسئلة عن طريقة التوقيف والاحتجاز وحق الدفاع.

القضية بدأت قبل التوقيف الأخير، في 8 حزيران، نشر عقاد رسالة مقتضبة قال فيها إنه بخير، وإن لديه ما يقوله عندما يصبح بأمان، بعد ساعات من الجدل حول انقطاع التواصل معه إثر مراجعته الأمن الجنائي على خلفية شكوى مرتبطة بحملة “هاتوا الفلوس اللي عليكم”. الحملة نفسها كانت تطالب رجال أعمال وشخصيات عامة بالإيفاء بتعهدات مالية أُعلنت لصالح مدن سورية أو مشاريع عامة. وهذا الجانب هو الذي جعل التفاعل أوسع من خلاف شخصي، فالناس رأت في الحملة سؤالاً عن المال العام والوعود والشفافية.

حسان عقاد، بحسب “الذاكرة السورية”، صانع أفلام وثائقية وكاتب وناشط حقوقي من دمشق، شارك في مظاهرات عام 2011 واعتقل مرتين، ثم غادر سوريا لاحقاً، وعمل في مشاريع وثائقية دولية بينها سلسلة فازت بجائزة بافتا عام 2017. وهذه الخلفية لا تمنحه حصانة قضائية، لكنها ربما تفسر سبب الحساسية العالية تجاه طريقة توقيفه. فالناس لا تقرأ الاسم وحده، بل تقرأ الذاكرة التي يحملها الاسم أيضاً.

وردود الفعل جاءت من اتجاهات مختلفة، بعض الناشطين والصحفيين رأوا أن القضية تثير خوفاً من عودة أدوات قديمة في التعامل مع الرأي العام. وآخرون قالوا إن الشكوى حق قانوني، وإن التشهير ليس نقداً. وبين هذين الموقفين ظهرت المشكلة الحقيقية، فهل توجد معايير واضحة تفصل النقد العام عن الإساءة الشخصية؟ وهل تطبق هذه المعايير بالقدر نفسه على الجميع؟

القانون لا يكفي وحده

قانون الجريمة المعلوماتية هو قلب الجدل، حيث ذكّرت مصادر حقوقية وصحفية بأن القانون رقم 20 لعام 2022 أعاد تنظيم قواعد الجريمة المعلوماتية التي تضمنها المرسوم التشريعي رقم 17 لعام 2012. منتقدو القانون يقولون إن مواده المتعلقة بالذم والقدح والتشهير فضفاضة، ويمكن أن تتحول إلى باب واسع لملاحقة التعبير، خصوصاً حين يتعلق الأمر بشخصيات عامة أو ملفات فساد أو أموال معلنة للرأي العام.

ولا يعني ذلك أن الفضاء الإلكتروني يجب أن يبقى بلا ضوابط، لأن القذف والتهديد والتشهير جرائم حقيقية حين تتحقق شروطها القانونية. لكن السؤال ليس هل نحتاج قانوناً؟ نعم، نحتاج. السؤال هو أي قانون، وبأي ضمانات، وبأي رقابة قضائية، وبأي حق للمحامي، وبأي زمن احتجاز، وبأي مستوى من العلنية عندما تصبح القضية قضية رأي عام.

وفي تفاعله على المسألة، نشر الصحفي إياد شربجي، نقلاً عمن قال إنه من العاملين على قضية عقاد، أن آخر تواصل مع حسان بعد توقيفه كان عند العاشرة مساء الأربعاء، وأن العائلة والمحامين لا يملكون بعد ذلك معلومات عنه ولا يُسمح لهم بالتواصل معه. كما نقل إن المحامين طالبوا بالإفراج عنه وملاحقته طليقاً، وأن الأمن الجنائي رفض ذلك، مع ربط المسار بإسقاط موسى العمر ادعاءه من عدمه.

وذكر كثيرون، ومنهم شربجي في منشور آخر له، وضمن السياق نفسه، أنه كان قد رفع دعوى على المحامي الذي شهّر به في وقت سابق، والذي تسبّب باعتقاله أثناء زيارته للبلد، موضحاً أن الدعوى مقدمة منذ ستة أشهر، ورغم ذلك لم تقم السلطات المسؤولة بأي إجراء على حدّ قوله.

وهذه رواية منشورة من طرف صحفي، وليست بياناً قضائياً بطبيعة الحال، لكنها تفرض سؤالاً مشروعاً على الجهات المختصة.. لماذا لا يصدر توضيح أدق حول وضعه القانوني وحق الدفاع وموعد عرضه على القضاء، والسبب الذي دفعهم لتوقيفه دوناً عن بقية البلاغات؟

والتوضيح هنا لا يضعف السلطة، بالعكس تماماً. فالسلطة التي تريد بناء ثقة جديدة لا تخسر حين تشرح، ولا تتراجع حين تصحح، ولا تهتز حين تعلن أن للموقوف حقاً واضحاً في المحامي والعائلة والإجراء العلني. الخطر الحقيقي أن تترك الفراغ يتكلم عنها، فحين يغيب التوضيح، تدخل الشائعة، وحين تدخل الأخيرة، يصبح كل إجراء قابلاً للتأويل، حتى لو كان في أصله قانونياً.

الضجة ليست ضد الدولة

ضمن هذا النقاش، يجب الانتباه إلى نقطة مهمة، جزء واسع من الضجة لا يبدو موجهاً ضد الدولة بوصفها دولة، بل ضد احتمال أن تُفهم جهودها بطريقة خاطئة، فالناس تعبت من “الخيار والفقوس”، تعبت من شعور أن القوي ينجو والضعيف يُستدعى، وأن صاحب الصوت العالي يُحاسب أسرع من صاحب المال أو النفوذ. ولذلك جاءت قضية عقاد حساسة، لأنها لامست وجعاً قديماً في لحظة يُفترض أنها جديدة.

الأسئلة التي طُرحت لا تعني تبرئة عقاد مسبقاً، ولا إدانة العمر مسبقاً، ولا الطعن بجهد القضاء. هي أسئلة عن التناسب. إذا كان هناك ادعاء بالقدح والذم، فلماذا التوقيف لا الملاحقة طليقاً؟ إذا وُجدت بلاغات مراجعة، هل أُبلغت أصولاً وبطريقة قابلة للإثبات؟ إذا كان الموقوف لدى جهة أمنية، ما حدود زمن الاحتفاظ به قبل عرضه على القضاء؟ وإذا كان كل شيء قانونياً، لماذا لا يُقال ذلك بتفصيل يطمئن الناس؟

هذا هو الحرص الحقيقي، ليس التصفيق وليس الهجوم، فالحرص ألا تضيع جهود الدولة في ضبط الأمن وبناء القضاء بسبب إجراء غامض أو خطاب ناقص أو صمت غير مفهوم، فالسلطة الجديدة تحتاج إلى النقد أكثر مما تحتاج إلى المديح السهل، فالنقد يقول أين قد تنزلق الأمور، قبل أن تصبح المشكلة أكبر من صاحبها.

والقضية أيضاً تكشف حاجة أكبر إلى مراجعة قانون الجريمة المعلوماتية، ولا يمكن لمرحلة جديدة أن تحمل معها قانوناً ارتبط في ذاكرة كثيرين بمرحلة قديمة، ثم تطلب من الناس أن تثق به بلا نقاش. المطلوب ليس إلغاء فكرة حماية السمعة والحقوق الشخصية، فالمطلوب تضييق النصوص، ورفع الضمانات، وفصل النقد العام عن التشهير الشخصي، وتثبيت حق الدفاع، ومنع تحويل الخلافات الإعلامية إلى أدوات ضغط على النقاش العام.

في النهاية، لا تقف المسألة عند حسان عقاد، فقد يخرج وقد تُحال القضية إلى القضاء، وقد تُسوى الشكوى، لكن السؤال سيبقى إذا لم يُجب عنه بوضوح، فهل تستطيع العدالة الجديدة أن تفصل بين القضاء والرأي العام، وبين حماية الأفراد وخنق النقد، وبين هيبة الدولة وحق الناس في السؤال؟

الشفافية هي الجواب الأول، فهذه القضية أخذت ضجة لأنها لامست شيئاً محقاً في وجدان الناس، فلا أحد يريد أن يصطاد في الماء العكر، ولا مصلحة للسلطة في أن تترك الماء عكراً أصلاً. التوضيح العلني، احترام حق الدفاع، وتطبيق القانون على الجميع بالمعايير نفسها، هي الطريق الأسلم. غير ذلك سيحوّل كل توقيف إلى معركة ثقة، وكل شكوى إلى امتحان دولة.

اقرأ أيضاً: لا تنقذوا الجلاد.. عن مؤثري السوشال ميديا وحقوق المظلومين والطريق إلى العدالة!

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى