كشف الزيف علمياً: هل يؤثر الامتناع عن القهوة الصباحية في رمضان على إبداعنا؟

بقلم هلا يوسف
يبدأ ملايين الناس حول العالم صباحاتهم بفنجان قهوة، حيث تحول الأمر بفعل العادة إلى طقس شخصي مرتبط باليقظة والاستعداد للعمل. إذ تشير التقديرات إلى أن البشر حول العالم يستهلكون ما يزيد على 140 مليون جالون من القهوة يومياً، مما يعني ارتباطها بشكل واضح بنمط حياتنا المعاصر. لكن مع حلول شهر رمضان، وطول ساعات الصيام دون كافيين، يطرح سؤال نفسه: هل يؤثر الامتناع عن القهوة صباحاً في قدرتنا على الإبداع؟ سنحاول في هذا المقال الإجابة بالاستناد إلى العلم.
القهوة والدماغ: يقظة أكثر… ولكن هل إبداع أكثر؟
تعمل القهوة بفضل الكافيين على تعطيل مستقبلات الأدينوزين في الدماغ، وهي المادة المسؤولة عن الشعور بالنعاس. ونتيجة لذلك نشعر بزيادة في اليقظة، وتحسن في سرعة الاستجابة، ودعم للذاكرة العاملة والانتباه. هذه عناصر أساسية في أي عملية ذهنية منتجة.
لكن العلاقة بين الكافيين والإبداع أكثر تعقيداً مما نظن. فقد أجرت University of Arkansas دراسة على 88 بالغاً، حيث تلقى بعضهم 200 ملغ من الكافيين بينما حصل آخرون على دواء وهمي. ثم تم تقسيم المشاركين إلى مجموعتين:
- مجموعة اختُبرت في مهام التفكير التقاربي (حل المشكلات ذات الإجابة الواحدة الصحيحة).
- وأخرى في مهام التفكير التباعدي (توليد أفكار جديدة ومبتكرة).
أظهرت النتائج أن الكافيين عزز أداء التفكير التقاربي، أي ساعد المشاركين على حل المشكلات المحددة بكفاءة أكبر. بينما لم يكن له أي تأثير على التفكير التباعدي، المرتبط بابتكار أفكار أصلية.
وفي تقرير نشره موقع ScienceDaily عام 2020، تم التوصل إلى أن الكافيين يزيد القدرة على التركيز وحل المشكلات، لكنه لا يحفز الإبداع بحد ذاته. كما لم يظهر تأثيراً كبيراً على الذاكرة العاملة، رغم أن من تناولوه أفادوا بشعور أقل بالحزن والإرهاق.
وهناك أيضاً مراجعة أخرى نشرتها Science News أشارت إلى أن الكافيين هو أكثر المواد النفسية استهلاكاً في العالم، وأن تأثيره على اليقظة والانتباه مثبت علمياً، بينما يبقى تأثيره على الإبداع أقل وضوحاً. وبالتالي فإن القهوة تساعدنا على تنظيم الأفكار وصقلها، لكنها لا تضمن شرارة الفكرة الأولى.
حين نتوقف عن القهوة في رمضان
مع دخول رمضان، يختبر الجسم فجأة غياب الكافيين خلال ساعات النهار، ما قد يؤدي إلى صداع الانسحاب، والتعب، وتراجع التركيز في الأيام الأولى. تشير توصيات خبراء التغذية إلى أن التوقف المفاجئ قد يفاقم الأعراض، بينما يساعد التقليل التدريجي قبل رمضان بأسابيع على تخفيفها.
كما أن شرب كميات كافية من الماء بين الإفطار والسحور، والحصول على نوم جيد، يساهمان في تقليل آثار الانقطاع. بعض الخبراء يقترحون أيضاً الحفاظ على “طقس” المشروب الدافئ إن كان خالياً من الكافيين لأن الطقوس نفسها قد تلعب دوراً نفسياً محفزاً، بمعنى أننا نربط القهوة بالاستيقاظ وخطوات غليها وشربها قد تؤثر علينا، فمن الممكن أن نشرب أنواع أخرى لا يوجد بها كافيين.
هل نحن يقظون فعلاً بفضل القهوة؟
أبحاث حديثة عرضتها German Society for Sleep Research and Sleep Medicine أوضحت أن الكافيين يعزز الشعور باليقظة خصوصاً عند من يعانون قلة النوم. لكن عندما يكون الشخص مرتاحاً ونال قسطاً كافياً من النوم، فإن تأثير القهوة لا يجعله أكثر يقظة مما هو عليه بالفعل.
من جهة أخرى، أظهرت أبحاث من University of Zurich أن الامتناع عن الكافيين لعدة أيام قد يؤثر في جودة النوم العميق مؤقتاً، ما يعني أن العلاقة بين القهوة والنوم ليست بسيطة. كما تشير النتائج إلى أن الإفراط في استهلاك القهوة يقلل حساسيتنا لتأثيرها المنشط، ما يجعلها أقل فاعلية بمرور الوقت.
الصيام والإبداع: فرصة لإعادة الضبط
إذا كان الكافيين يعزز التفكير التقاربي أكثر من التباعدي، فإن الامتناع عنه لا يعني بالضرورة تراجع الإبداع. بل قد يمنحنا الصيام فرصة لإعادة تنظيم إيقاعنا الذهني. فالإبداع لا يعتمد فقط على اليقظة اللحظية، بل على صفاء الذهن، وجودة النوم، والاستقرار المزاجي.
صحيح أن القهوة تحسن المزاج وتقلل الإرهاق الذهني، لكن الإفراط فيها قد يزيد القلق ويؤثر سلباً في المرونة المعرفية، وهي عنصر مهم في توليد الأفكار الجديدة. ومن هنا قد يكون رمضان فرصة لاختبار توازن جديد، حيث يعتمد الإبداع أكثر على إدارة الطاقة والنوم الجيد بدل الاعتماد على المنبهات.
كما أن الطقس المرتبط بالقهوة تحضيرها، شم رائحتها، احتساءها قد يكون بحد ذاته محفزاً نفسياً لدخول “وضع العمل”. في رمضان يمكن استبدال هذا الطقس بعادة أخرى تعلن للعقل بدء مرحلة التركيز، كالمشي الخفيف بعد الإفطار أو جلسة تأمل قصيرة.
في النهاية، الاعتقاد بأن القهوة شرط أساسي للإبداع يبدو مبالغاً فيه. هي تساعدنا على التركيز وحل المشكلات، لكنها لا تخلق الأفكار من العدم. أما الصيام في رمضان، ورغم ما قد يرافقه من أعراض انسحاب مؤقتة، فلا يعني بالضرورة تراجعاً في قدرتنا على الابتكار. بل قد يكون فرصة لإعادة اكتشاف مصادر طاقتنا الحقيقية، وقد يكون رمضان اختبار سنوي يعيد إلينا توازننا ويذكرنا بأن الفكرة الجيدة لا تحتاج دائماً إلى كافيين كي تولد.
اقرأ أيضاً: من أزقة دمشق إلى حارات حلب.. قصة الصوت الذي يسبق الفجر في رمضان المسحراتي









