سياسة

كسر الإرث المؤسساتي القديم يبدأ بخطوة.. الإصلاح من الموظف حتى الإدارة

إعادة بناء الدولة من الأساس.. والانتقال من الدولة التي تتحكم إلى الدولة التي تخدم

بقلم: ريم ريّا

في المراحل الانتقالية تنجذب الأنظار سريعاً إلى السياسة: دستور جديد، انتخابات، إعادة تشكيل السلطة. غير أن التجربة تظهر أن الدول لا تنهار بسبب غياب النصوص، بل بسبب ضعف المؤسسات التي تنفذها. فالدولة التي تعجز عن تنظيم مواردها، أو إنفاذ قوانينها بعدالة، أو تقديم خدماتها بكفاءة، لن تنجح في حماية أي انتقال سياسي مهما بدا واعداً على الورق.

في الحالة السورية، لا يبدو تحسين الأداء المؤسساتي ترفاً إصلاحياً، بل شرطاً أولياً للاستقرار. سنوات الصراع لم تدمر البنية المادية فحسب، بل كشفت هشاشة عميقة في الإدارة العامة، وفي منظومة المساءلة، وفي ثقافة العمل الحكومي ذاتها. ومع دخول البلاد مرحلة انتقالية معقدة، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً : هل يمكن بناء شرعية جديدة فوق جهاز إداري قديم، أم أن الإصلاح يجب أن يبدأ من إعادة تعريف وظيفة المؤسسة العامة نفسها؟

إن التركيز على الإصلاح الإداري الشامل، بما يشمله من رقمنة للخدمات، وتفعيل للمساءلة، وتأهيل للكوادر، ليس خياراً تقنياً، بل هو استثمار طويل الأمد في قدرة الدولة على البقاء. فالدولة الحديثة لا تقاس بشعاراتها، بل بكفاءة مؤسساتها، وبمدى قدرتها على تحويل السلطة إلى خدمة، والقانون إلى ممارسة يومية عادلة.

قبل التحرير.. مؤسسات شكلية ووظائف خارج الدولة

قبل التحرير يوم 8 كانون الأول 2024، لم تكن المعضلة في غياب المؤسسات من حيث الشكل. فالوزارات قائمة والقوانين نافذة نظرياً، الهياكل الإدارية مكتملة على الورق. لكن المشكلة الجوهرية كانت في طبيعة العلاقة بين هذه المؤسسات والسلطة والمجتمع. فالمؤسسة لم تكن كياناً مستقلاً ينتج القرار وفق قواعد واضحة، بل قناة تنفيذ لقرارات تصاغ خارجها.

التقارير الدولية، ومنها مؤشر الهشاشة الصادر عن صندوق السلام، وضعت سوريا في مراتب متقدمة من الهشاشة حتى قبل عام 2011، ثم ضمن فئة “الإنذار العالي” عام 2024. هذه المؤشرات لم تكن مجرد أرقام تقنية، بل كانت تعكس خللاً بنيوياً في شرعية الدولة، وفي قدرتها على تقديم الخدمات، وفي استقلالية أجهزتها. يمكن فهم أداء المؤسسات في تلك المرحلة عبر ثلاث سمات مترابطة:

أولاً: تركز السلطة وغياب المساءلة الفعلية

القرار الإداري المؤسساتي في سوريا، لم يكن من داخل المنظومة المؤسساتية. فكثير من القرارات الهامة والمفصلية كانت تُحسم من خلال شبكات غير رسمية من النفوذ، حيث تتقدم الاعتبارات الأمنية والسياسية على المهنية. هذا النمط أضعف ثقافة المساءلة، لأن المسؤول الفعلي عن القرار لم يكن دائماً هو المُوقع عليه.

فضلاً عن غياب القضاء والهيئات الرقابية، فتحولت المساءلة إلى إجراء شكلي لا يغير سلوك المؤسسة فقط يحافظ عليها كمجسم خارجي، فارغ من الداخل يتم توجيهه خارجياً.

ثانياً: بيروقراطية للضبط لا للخدمة

كثيراً ما عانى الشعب، من الإجراءات المعقدة، وتعدد الموافقات، والغموض التشريعي. وهذه الإجراءات لم تكن مجرد تراكم إداري تقليدي، بل جزءاً من فلسفة حكم. فكل معاملة تمر عبر حلقات طويلة من التوقيعات والانتظار، ما يخلق بيئة مثالية للوساطة والرشوة.

المواطن لم يكن يتعامل مع إدارة عامة هدفها تسهيل الخدمة، بل مع منظومة تتعامل بوصفه طالب إذن دائم. هكذا تحولت البيروقراطية إلى أداة ضبط اجتماعي واقتصادي، لا إلى وسيلة تنظيم.

ثالثاً: تآكل الكفاءة المؤسسية

حين يصبح معيار التعيين والترقية هو الولاء لا الجدارة، تتراجع المهنية تدريجياً. الكفاءات إما تُهمش أو تغادر، بينما تتضخم الأجهزة بأعداد موظفين لا يرتبط وجودهم بحاجات فعلية. هذا الترهل لم يكن عددياً فقط، بل معرفياً أيضاً. إذ غابت ثقافة التخطيط الاستراتيجي، وضعف جمع البيانات وتحليلها، وأصبحت القرارات ردات فعل ظرفية أكثر منها سياسية مبنية على أدلة.

النتيجة، كانت هناك مفارقات واضحة، دولة بهيكل إداري ضخم، لكن بقدرة تنفيذية محدودة. مؤسسات تبدو مستقرة من الخارج، لكنها تعتمد داخلياً على شبكات شخصية لتسيير الأعمال. ومع تصاعد الصراع بعد 2011، ظهرت هشاشة هذه البنية سريعاً.

بعض المؤسسات انهار مباشرةً في مناطق معينة، وبعضها استمر شكلياً لكن مع فقد القدرة على التنسيق والرقابة. في مناطق عدة كذلك، تولت قوى محلية أو شبكات غير رسمية وظائف كانت من صميم عمل الدولة، من توزيع الخدمات إلى فرض النظام.

هنا تكمن النقطة المفصلية، عندما تخرج “الوظيفة الحقيقية” للدولة من إطارها الرسمي، وتُمارس عبر قنوات موازية، تصبح المؤسسة مجرد واجهة. إن إعادة بناء الدولة في هذه الحالة لا يعني إعادة فتح المكاتب أو استبدال الأسماء، بل استعادة الوظيفة ذاتها إلى إطار قانوني ومؤسساتي واضح، مع إعادة ربط السلطة بالمسؤولية، والخدمة بالمحاسبة.

من دون فهم هذا الخلل البنيوي، قد يتحول أي إصلاح لاحق إلى عملية تجميل سطحية، تعيد إنتاج الشكل القديم بأدوات جديدة. الإصلاح الحقيقي يبدأ من الاعتراف بأن المشكلة لم تكن في نقص القوانين، بل في طريقة عمل المؤسسة، وفي الثقافة التي حكمتها، وفي العلاقة المختلة بينها وبين المجتمع.

اقرأ أيضاً: ما بين الفساد والبيروقراطية.. كيف يمكن تطبيق الإصلاح في المؤسسات الحكومية؟

الواقع الحالي.. محاولة إدارة إرث مؤسساتي ثقيل بأدوات غير مكتملة

الحكومة السورية اليوم، وجدت نفسها أمام مؤسسات مهترئة، وخزينة شبه فارغة، وملفات فساد وانتهاكات تحتاج معالجة قانونية ومؤسساتية في آن معاً. بعض القرارات اتخذت على عجل ثم تم العدول عنها، وبعض المؤسسات الجديدة تأسست قبل استكمال هياكل الضبط والرقابة، ما أظهر الحاجة لإعادة هيكلة عميقة، خاصةً في القطاعين الأمني والقضائي.

بالمقابل، ثمة إدارك متزايد بأن الإصلاح يجب أن يبدأ من الإدارة العامة. وأن يتوافق مع متطلبات العصر الحالي، لذلك على الطروحات أن تتضمن، رقمنة الخدمات للحد من الاحتكاك البشري وتقليص فرص الفساد، التركيز على استقطاب الكفاءات السورية في الداخل والخارج، ولتدعيم ذلك يجب تفعيل المعهد الوطني للإدارة العامة كمركز لإعادة تأهيل الكوادر. إضافةً إلى بناء أنظمة رقابة ومساءلة قابلة للتطبيق لا للاستهلاك الإعلامي.

لكن التحدي الحقيقي ليس في إعلان هذه الأهداف، بل في تحويلها إلى سياسات قابلة للقياس بزمن وتكلفة ومسؤوليات محددة.

أي استراتيجيات إدارية نحتاج في سوريا؟

في الواقع، الإصلاح الإداري والمؤسساتي في الحالة السورية لا يحتمل استنساخ نماذج جاهزة من دول أخرى، ثم إسقاطها على واقع مختلف ثقافياً ومؤسسياً. التجارب تظهر أن أستيراد القوالب دون فهم البنية المحلية ينتج مؤسسات أنيقة شكلياً، لكنها معطلة عملياً.

لذلك، أي استراتيجية إصلاح يجب أن تنطلق من سؤالين واضحين، ما الذي نريد من الدولة أن تفعله؟ وهل تملك أدوات تنفيذ ذلك؟. انطلاقاً من هذه المعطيات، يمكن تحديد استراتيجيات مترابطة، تعمل ضمن رؤية واحدة، وليست منفصلة عن بعضها:

أولاً: تقوية المؤسسات وإعادة هيكلتها

الفكرة الأساسية هنا بسيطة،لكنها فعالة، لا يمكن توسيع الانفتاح السياسي أو الاقتصادي في بيئة مؤسساتها ضعيفة. فإجراء انتخابات سريعة أو تحرير السوق دون جهاز قضائي مستقل، وأجهزة رقابية فعالة، وإدارة مالية منضبطة قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الفساد أو احتكار السلطة بأشكال جديدة. فبناء المؤسسات يعني:

  • إعادة هيكلة الإدارة العامة بحيث تكون واضحة الصلاحيات والمسؤوليات.
  • تحصين القضاء والرقابة من التدخلات السياسية.
  • بناء أجهزة أمنية مهنية خاضعة للقانون لا للأشخاص.

الهدف ليس تأجيل السياسة، بل حماية السياسة من الانهيار تحت ضغط الفوضى المؤسسية. الدولة القادرة هي التي تستطيع تطبيق القانون بعدالة، لا التي تملك شعارات إصلاحية فقط.

ثانياً: الإدارة القائمة على الأداء

أحد أعمق اختلالات الإدارة السابقة، كان في غياب معيار واضح لتقييم النجاح أو الفشل. كانت الخطط تُعلن، لكنها دون مؤشرات قياس دقيقة. هنا تأتي الإدارة القائمة على الأداء، والتي تقوم على مبدأ بسيط، كل وزارة يجب أن تعرف ماذا تريد أن تحقق خلال سنة أو ثلاث سنوات، وكيف سيقاس ذلك. وهذا يتطلب:

  • نشر مؤشرات أداء دورية.
  • ربط جزء من التمويل أو الحوافز بتحقيق النتائج.
  • تحديد أهداف محددة وقابلة للقياس لكل قطاع.

يجب الانتقال من إدارة “تنفذ الإجراءات” إلى إدارة “تحقق النتائج”، ما يغير من الثقافة المؤسسية بالكامل. الموظف يصبح مسؤولاً عن مخرجات عمله، لا عن عدد المعاملات التي مرت من مكتبه.

ثالثاً: حوكمة متعددة المستويات

المركزية المفرطة في العمل المؤسساتي، أضعفت الكفاءة وأبطأت القرار. بالمقابل اللامركزية غير المنضبطة قد تخلق فوضى وتفاوتاً خطيراً بين المناطق. المطلوب ليس تفكيك الدولة، بل توزيعاً مدروساً للصلاحيات. وهذا يتطلب:

  • تحديد ما يجب أن يبقى قراراً مركزياً (كالسياسات المالية الوطنية).
  • تفويض صلاحيات خدمية وتنفيذية للمحافظات أو البلديات.
  • إنشاء أنظمة رقابة وتدقيق تضمن أن التفويض لا يتحول إلى فساد محلي.

بهذا الشكل، تُقرب الخدمة من المواطن دون أن تفقد الدولة قدرتها على الإشراف والتنسيق.

رابعاً: التعلم المؤسساتي المستمر

من أخطر أمراض الإدارة التقليدية، التعامل مع الخطأ بوصفه فضيحة يجب إخفاؤها، لا تجربة يجب تحليلها. الإصلاح الحقيقي يتطلب ثقافة مختلفة: جمع البيانات، تقييم الأداء بانتظام، الاعتراف بالأخطاء، تعديل السياسات بناءً على الأدلة. والتعلم المؤسساتي يقوم على ثلاث خطوات هي:

  • تحويل التقارير الروتينية إلى أدوات تحليل.
  • توثيق الخبرات وعدم فقدانها بتغيّر الأشخاص.
  • جعل التدريب جزءاً دائماً من العمل لا حدثاً استثنائياً.

وتوضيحاً لما طُرح، هذه الاستراتيجيات ليست وصفات تقنية معزولة، بل رؤية متكاملة الغاية منها إعادة تعريف معنى الدولة. دولة قادرة، لكنها مقيدة بالقانون. مرنة لكنها خاضعة للمساءلة. حديثة، لكنها منسجمة مع سياقها المحلي. فالإصلاح الإداري ليس مشروعاً قصير الأجل، ولا يقاس بعدد المراسيم الصادرة، بل بمدى تغيّر سلوك المؤسسة وعلاقتها بالمواطن.

خارطة طريق تنفيذية للإصلاح.. وفق مقترحات مركز الحوار السوري

بدايةً نحن لا نتبنى المقترحات، فقط نطرحها بما تستند إليه من معطيات. استناداً إلى المقاربة التي طرحتها ورقة السياسات الصادرة عن مركز الحوار السوري، فإن الإصلاح المؤسسي لا ينبغي أن يبدأ بقرارات متفرقة أو إجراءات جزئية، بل بخارطة طريق واضحة تُقسم إلى مراحل مترابطة، تراعي تعقيد المرحلة الانتقالية وحساسية السياق السوري. والخارطة على الشكل التالي:

المرحلة الأولى: جمع المعرفة والتقييم الشامل

هذه المرحلة الأولية، يجب أن تمتد تقريباً من سته أشهر إلى سنة. وحسب المركز، في هذه الفترة يجب أن يتم فهم كيفية عمل المؤسسات القائمة فعلياً، لا كما هو ظاهر على الورق. يشمل ذلك، تحليل الهياكل التنظيمية، وتدفقات القرار، وآليات الصرف المالي، وتحديد الفجوات القانونية والإدارية. الهدف هنا بناء قاعدة بيانات دقيقة تسمح باتخاذ قرارات مبنية على أدلة، لا على استعجال سياسي أو انطباعات.

المرحلة الثانية: إعادة الهيكلة وبناء القدرات

يمكن لهذه المرحلة أن تمتد من سنتين إلى ثلاث سنوات. في هذه المرحلة تبدأ عملية تبسيط الهياكل الإدارية، وتوضيح الصلاحيات، وإلغاء التداخل بين المؤسسات. وبها يتم الاستثمار في تدريب الكوادر، وتفعيل المعهد الوطني للإدارة العامة، واستقطاب الكفاءات السورية، إلى جانب البدء بالرقمنة للخدمات الأولية تدريجياً.

المرحلة الثالثة: ترسيخ المساءلة والتعلم المؤسسي والاستدامة

ربما تكون هذه المرحلة، هي الأطول نسبياً، وقد تمتد من ثلاث إلى خمس سنوات. في هذه المرحلة يتم اعتماد مؤشرات أداء واضحة، ونشر تقارير دورية من أجل الشفافية، وتفعيل أنظمة الرقابة الداخلية والخارجية بشكل عملي. إلى جانب تطوير آليات للتعلم من الأخطاء وتعديل السياسات بناءً على النتائج. لضمان عدم العودة للأنماط السابقة.

وفق هذا التصور، فإن الوصول إلى أداء مؤسسي مستقر وفعال ليس مسألة أشهر قليلة، بل عملية قد تمتد بين خمس إلى سبع سنوات لتحقيق تحول ملموس. غير أن تحقيق نتائج سريعة في بعض الخدمات الأساسية خلال السنة الأولى يبقى ضرورياً لبناء الثقة العامة وإثبات جدية المسار الإصلاحي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى