مقالات

رأي: كروغمان والدحيح ومازن ديروان… بائعو وهم «العمل الرخيص»

مقال رأي – عروة درويش – كروغمان والدحيح ومازن ديروان… بائعو وهم «العمل الرخيص»

من السهل أن تبدو عبارة من قبيل «العمل السيء أفضل من البطالة» منطقية. في الواقع قد تبدو هذه العبارة في لحظة فقر عام وانهيار طويل شديدة المنطقية والبراغماتية، فلا أحد يريد أن يبقى الناس دون دخل حتى لو تطلب ذلك احتمال عمل بشروط سيئة وأجور متدنية. لكنّ المشكلة تبدأ من تحويل هذه العبارة إلى ذريعة سياسية لتبرير خفض سقف الأجور، وتدويم عدم منح العمال حقوقهم. بل والأسوأ من ذلك حتى، تقديم الفقر والعوز الذي يدفع الناس للقبول بهكذا عمل، على أنه ميزة تنافسية كفيلة بجلب المستثمرين الأجانب، وتعزيز الاقتصاد الكلي.

ربّما أبرز من دافع عن هذه الفكرة السياسية في جوهرها، الاقتصادي بول كروغمان في مقاله الشهير: «في مديح العمل الرخيص In Praise of Cheap Labor: Bad Jobs at Bad Wages Are Better Than No Jobs at All» في 1997. ومنذ ذلك الحين، وجد الساعون للدفاع عن النموذج التصديري الرخيص في ذلك ضالتهم، مستخدمين لغات تبدو وكأنها تتحدث عن مسلّمات، سواء كانوا صنّاع محتوى أو معلقين أو ورجال أعمال ناطقين باسم مجموعات، مثل الدحيح ومازن ديروان، مع اختلاف المواقع والدوافع والصياغات. الخلاصة واحدة تقريباً: ليس لديكم ترف الحديث عن أجور وحقوق، فالدول الفقيرة تحتاج إلى أن تعرض يدها العاملة الرخيصة كي تدخل السوق العالمية.

ربّما الأهم في مقالنا هو مازن ديروان، رئيس اتحاد غرف الصناعة في سوريا، والذي لم يستخدم عبارة «في مديح العمل الرخيص» حرفياً، لكنه قدّم الفكرة نفسها بصيغتها السورية حين رأى أن انخفاض كلفة العامل السوري، مقارنة بالعامل الصيني، يمنح صناعة الألبسة السورية ميزة تنافسية. ففي نقاشه حول قدرة سوريا على منافسة الصين في الألبسة، أشار إلى أن كلفة العامل في الصين لا تقل عن 1000 دولار، بينما تبلغ في سوريا نحو 300 دولار، معتبراً أن هذه الفجوة في الكلفة يمكن أن تمنح «القطاع قدرة على المنافسة».

رغم البراغماتية التي تبطن هذا الكلام، فباطنه يخفي سلسلة متواصلة من الأوهام الانتقائية والمغلوطة الخبيثة. فالمتحدثون هنا تغيب عنهم على الدوام شروط جذب المستثمر الهامة الأخرى، فلا يتحدث واحدهم عن المصانع والكهرباء والنقل والتمويل والقضاء، ولا عن توزيع القيمة داخل سلسلة الإنتاج، ولا عن القيمة الزائدة التي يقدمها رأس المال البشري الماهر، ولا عن العلاقة الاجتماعية بين أرباب العمل والدولة والعمال…الخ. يغفل هذا الطرح أيضاً عن الجوانب التي ينبغي أن يمولها المال العام كشرط مسبق: البنى التحتية والتعليم الفني والنقل والطاقة والحماية الاجتماعية.

عروة درويش - كاتب ومحلل جيو-استراتيجي
عروة درويش – كاتب ومحلل جيو-استراتيجي

صناعة الألبسة مثال واضح

تكشف صناعة الألبسة العالمية زيف ادعاء «ميزة الفقر» أكثر من غيرها، فهي القطاع الذي بقي أنصار «العمل الرخيص» يستشهدون به لفترة طويلة. لكن قصة صناعة الألبسة، بعد كل هذا الزمن الذي مرّ عليها، وعندما ننظر إليها عن قرب، تثبت لنا عكس ما يطرحون.

في بنغلاديش، قبلة قطاع الألبسة العالمية رخيصة التصنيع، وثاني أكبر مصدّر للألبسة في العالم بعد الصين، بلغت قيمة قطاع الألبسة في 2021/2022 نحو 42.6 مليار دولار، وفي السنة المالية 2024/2025 بلغت 39.35 مليار دولار. وبحسب منظمة العمل الدولية، يعمل في هذا القطاع في بنغلاديش نحو 4.2 مليون عامل وعاملة، نحو 60٪ منهم من النساء.

لكن في المقابل، تقول حملة «الملابس النظيفة» إن أقل من 2٪ من عمال صناعة الألبسة يحصلون على أجر معيشي يكفيهم، وإن عمال القطاع يتقاضون وسطياً 45٪ أقل من الأجر اللازم للمعيشة. وأن 91٪ من عمال الملابس في بنغلاديش لا يمكنهم تأمين ما يكفيهم من الغذاء.

لا يأتي الاعتراض على هذا النوع من المعاملة السيئة من منطلق أخلاقي فقط، بل من منطلق اقتصادي أيضاً، فالأجر ليس مجرد كلفة، بل هي جزء من سلسلة اقتصادية مترابطة. فالدخل الذي يحصل عليه العامل يتحول إلى طلب في السوق، وحين يكسب العامل أكثر، يشتري أكثر، فيحرك المتاجر والنقل والغذاء والخدمات والورش الصغيرة والتعليم والصحة. أما في نظرية التصدير الجوفاء فالافتراض بأنّ الاقتصاد الضيق قادر على إعادة إنتاج العمالة الرخيصة بشكل دائم، وبالتالي الحفاظ على مستوى ربح مرتفع جرّاء التصدير المستمر.

في هذه النقطة تحديداً، يمكننا أن نتلمس وهم ما يسوقه اقتصاديو «مديح الأجور المنخفضة»، والأهم لصالح أي اقتصاد يعملون.

في مراجعة واسعة للأدلة الدولية حول الحد الأدنى للأجور، كتب الاقتصادي أريندراجيت دوبي أن سوق العمل لا يعمل وفق النموذج البسيط للعرض والطلب، وأن الأدلة الحديثة من الولايات المتحدة وبريطانيا ودول متقدمة أخرى تشير إلى أثر محدود جداً للحد الأدنى للأجور على عمليات التشغيل، مقابل زيادة واضحة في دخول العمال ذوي الأجور المنخفضة.

تقدّم تجربة أثيوبيا مثالاً واضحاً على حدود نموذج «الأجور المنخفضة». حاولت الحكومة هناك جذب مستثمري صناعة الألبسة العالمية عبر مناطق صناعية جديدة، وفقر وأجور منخفضة أيضاً. لكن تقرير مركز «ستيرن» للأعمال وحقوق الإنسان في جامعة نيويورك، وجد بأنّ سعي سلطات أثيوبيا إلى جذب الاستثمار قادها إلى الترويج لأدنى أجر أساسي في أي بلد منتج للألبسة، بما يعادل 26 دولار شهرياً «مقارنة بـ 340 دولاراً في الصين و207 دولار في كينيا و95 دولار في بنغلاديش». لكن بدلاً من أن يصنع هذا الأجر قوة عمل مستقرة، أظهر التقرير مشكلات في الرضا الوظيفي، ودوران شديد في اليد العاملة وصعوبة في الاحتفاظ بالعمال، مع ضعف في مراكمة المهارات بما يمنع بناء وتطوير أي قاعدة صناعية مستقرة.

الصين كمثال انتقائي!

مع الانتقال المستمر للاقتصاد الصيني من كونه «ورشة تجميع للعالم» إلى اقتصاد قوي ونوعي، يطيب لأنصار ادعاء العمل الرخيص الاستشهاد بتجربتها، فيقولون: انظروا إلى الصين، بدأت بأجور منخفضة، وأصبحت اليوم قوة عالمية.

لكنّ هذا ليس أكثر من «نصف الحكاية» التي يغفلون عمداً عن رواية ما تبقى منها.

لم تفتح الصين أبوابها للاستثمارات الخارجية بدءاً من 1979 وفي ذروتها في التسعينيات، وهي أرض خالية من الصناعة ورأس المال الماهر والبنية التحتية. فقبل الإصلاح والانفتاح راكمت الصين عبر عقود من التخطيط والاستثمار العام، قاعدة صناعية وتعليمية وبشرية واسعة. الكثير من المقالات البحثية والدراسات تتحدث عن ذلك، ولكن دراسة بعنوان: «التصنيع في الصين» صادرة عن «zur Zukunft der Arbeit» في 2016، أشارت إلى أن حقبة الاقتصاد المخطط بين 1949 و1978 وسعت انتشار الصناعة داخل البلاد، ولا سيما عبر سياسات «الجبهة الثالثة» التي طورت قدرات صناعية في الداخل الصيني، قبل أن تسمح إصلاحات ما بعد 1978 للمناطق الساحلية باستعادة حصتها من الإنتاج الوطني مستفيد من التعليم والمهارة وتجربة السوق والبنية التحتية. ليصبح الأجر المنخفض مجرّد عامل «مؤقت» تمكنت السلطات العامة من التعويض عنه بالكثير من مجالات الدعم الاجتماعي الأخرى.

تشير ورقة بحثية للبنك الدولي إلى أن تدفقات الاستثمار الأجنبي الصناعي في الصين بين 1990 و2005 سرّعت التحول الهيكلي المحلي وتراكم رأس المال البشري، وأن الاستثمار الأجنبي لم يعمل بمجرد الأجور المنخفضة، بل عبر توسيع الطلب وربط الصين بشبكات الإنتاج العالمية وتمكين سحب فائض العمالة الزراعية إلى الصناعة والخدمات، وزيادة الالتحاق بالتعليم الثانوي والجامعي بفضل الطلب على العمالة الأكثر مهارة، ورفع الأجور المستمر مع زيادة قدرات رأس المال البشري.

من هنا يمكننا أن ندرك بأن تحويل الصين إلى مثال على «فضيلة» الأجر المنخفض وأثره الاقتصادي، ليس أكثر من حذف سياسي لتاريخ كامل من بناء القدرات.

العودة إلى سوريا

يدور النقاش في سوريا فيما يخص الأجور المنخفضة بالادعاء بميزة تنافسية، مع تناسي أوضاع البلد المنهك بسبب الحرب، وتراجع القوة الشرائية، وتفكك شبكات العمل، وخروج غالبية السكان الساحقة من خانة الأمان الاقتصادي. يصنف البنك الدولي اقتصادات العالم سنوياً ضمن أربعة فئات دخل. وبحسب تصنيف العام الحالي 2026، تم إدراج سوريا في الاقتصادات منخفضة الدخل، مع 25 اقتصاد آخر فقط من أصل 201 اقتصاد حول العالم، مع حد أعلى قدره 1135 دولاراً لنصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي، لتحتل المرتبة 190 من أصل 201 اقتصاداً. أي أن 11 اقتصاداً فقط سجلوا دخولاً إجمالية للفرد أدنى من سوريا، وذلك على الرغم من زيادة الرواتب الأخيرة التي وصلت إلى 200٪.

الأجر المنخفض في سوريا لا يعني أن يكون الفرد فقيراً فقط، فهو يعني بالمعنى الاقتصادي أن الطلب سيكون غائباً أو شبه غائب. بعدها، كتتالى كأحجار الدومينو، ستعاني البلاد من اختناقات وركود يتلوه كساد.

كما أن لدينا مثال واضح من سوريا على عدم قدرة «انخفاض الأجر» على تصحيح أي شيء. في سوريا، في المدينة الصناعية في مدينة الباب شمال سوريا، تم تقديم انخفاض الكلفة ورخص اليد العاملة بوصفهما عوامل جذب. لكن هذا العامل لم يتمكن من جذب الاستثمارات التركية. ذكر تقرير لرويترز أنه برغم أنّ متوسط أجر العامل في تركيا يبلغ 400 دولار شهرياً، وهو أعلى بكثير من المبالغ التي يتقاضاها العمال السوريون «ربع المبلغ»، فقد واجهت الشركات تحديات كبيرة: ضعف النقل، وارتفاع تكلفة الكهرباء، والهشاشة الأمنية، وصعوبة التوسع».

من هنا ندرك أن هناك فرق بين سياسة صناعية تستخدم انخفاض الأجور النسبي في مرحلة انتقالية كميزة متممة ضمن مشروع مرتبط بالتدريب ورفع الإنتاجية والحماية الاجتماعية، وزيادة الأجر ضمن آجال واضحة. وبين سياسة تجعل هذا «الرخص» جوهر النموذج الوحيد. الأولى يمكن قبولها كعرض جانبي للتحول، بينما الثانية ليست إلا إدارة للفقر بحيث يستمر بكونه منجم استخراج للأرباح المرتفعة، ولو على حساب تنمية البشر وتطويرهم.

تحتاج سوريا إلى عمل، نعم. لكنها لا تحتاج إلى أي عمل. تحتاج إلى مصانع، نعم. لكنها لا تحتاج إلى مصانع تقوم على إعلان «رخص» السوريين. تحتاج إلى قطاع خاص، نعم. لكنها لا تحتاج إلى قطاع خاص يريد الدولة خادمة عند توزيع الامتيازات وغائبة عند حماية العمال. تحتاج إلى استثمار، نعم. لكنها لا تحتاج إلى استثمار يرى في الجوع خصماً تجارياً.

السؤال هو: من قرر أن السوري لا يستحق إلا هذين الخيارين؟ والإجابة هي: شخص لا تتفق مصالحه مع مصلحة أغلب السوريين.

—————————————————————————

يفتح موقع «سوريا اليوم 24» صفحاته لكل من يحمل رأياً ويرغب في التعبير عنه بحرّية ومسؤولية، إيماناً منا بأن الحوار هو السبيل الأمثل لفهم الواقع وصياغة المستقبل. نحن نُجري لقاءاتنا مع ضيوف من مشارب فكرية وسياسية متعددة، نستمع إليهم ونعرض ما لديهم بأمانة وموضوعية، وننقل الآراء المختلفة من مصادر متعددة. ولكن نشرنا لآرائهم لا يعني بالضرورة تبنّيها، بل يأتي في إطار رسالتنا الهادفة إلى ترسيخ ثقافة الحوار وتبادل الرؤى في فضاء من الاحترام والانفتاح.

اقرأ أيضاً: عبيدة نحاس: سوريا الجديدة مسؤولية من؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى