سياحة

كاتدرائية سيدة النياح: من رماد الدمار إلى أكبر كنائس العالم

بقلم هلا يوسف

في قلب دمشق القديمة، حيث تختلط الحجارة العتيقة بروح التاريخ، تبدأ حكاية كنيسة الزيتون، أو كاتدرائية سيدة النياح كمكان احتضن بين أسواره تاريخ طويل من الفرح والألم، وروح إيمانية عادت من الرماد أقوى مما كانت. وعلى رخامها نُقشت عبارة تقول: “على المقادس من تظاهر نورها أرختها مظهرة الأنوار”، وكأنها رسالة خفية تخبر الزائر أن هذا المكان لم يكن حجراً فقط، بل نوراً وإيماناً.

البداية والهوية والبحث عن الأرض

تُعد كنيسة الزيتون واحدة من أقدم وأهم كنائس سورية، وأكبر الكنائس الملكية الكاثوليكية في العالم، وأكثرها قرباً إلى الفن الكنسي البيزنطي. وهي مقر أبرشية دمشق للروم الملكيين الكاثوليك، والمركز البطريركي الذي انطلقت منه هذه الطائفة في المشرق. ومنذ تأسيسها ارتبط اسم الكنيسة بتاريخ الطائفة نفسها، حتى بات يصعب الفصل بين الحكايتين.

عرفها أهل دمشق باسم كنيسة الزيتون بسبب أشجار الزيتون التي كانت تملأ فناءها قديماً، فأصبحت هذه التسمية الشعبية جزءاً من ذاكرة المكان، تماماً كما أصبحت الكنيسة جزءاً من نسيج المدينة الروحي والاجتماعي.

بعد أن نال الروم الكاثوليك حريتهم الدينية سنة 1830 في عهد السلطان العثماني محمود الثاني، بدأ أبناء الطائفة يبحثون عن مكان يجمعهم للصلاة. لم يكن العثور على أرض مناسبة أمراً سهلاً، حتى وقع اختيارهم على بقايا كنيس يهودي مهجور لطائفة القرائين، تحيط به أرض واسعة وبستان في حارة الزيتون، قرب باب شرقي، وعلى مقربة من الموضع الذي هرب منه القديس بولس ليلاً كما ورد في أعمال الرسل.

كان البناء متهالكاً، ولم يبقَ منه سوى أجزاء من الجدران والسقف، وقد خلا المكان من سكانه بعد انقطاع وجود طائفة القرائين في دمشق. حضر مندوب عنهم من القدس لإتمام عملية البيع، لكن الطريق لم يكن ممهداً، فقد واجه الروم الكاثوليك عراقيل ودسائس عديدة كادت توقف المشروع. وبعد صبر طويل، تم دفع الثمن وتثبيت الملكية، لتشمل الأرض الكنيسة والدار البطريركية والحديقة والمدرسة المجاورة.

ولادة الكنيسة الأولى بين الماء والنار

لم يكن بناء كنيسة في دولة إسلامية آنذاك مسألة بسيطة، إلا أن الظروف السياسية ساعدت، فحصل الروم الكاثوليك على الترخيص الرسمي بفضل علاقات نافذة في السلطة المصرية. وفي عام 1832، بدأت عملية البناء.

شارك أبناء الرعية جميعهم في العمل، يحملون الحجارة بأيديهم، ويشيدون جدران الكنيسة بفرح يشبه الحلم المتحقق. بُنيت الجدران من الحجر، وصُنع الإيقونسطاس من الحجر الأصفر الممزوج بالرخام، ورُصفت الأرضية بالحجر الشامي المعروف بالمزي. وبعد عامين من الجهد اكتمل البناء عام 1834، ودُشنت الكنيسة رسمياً في الرابع من نيسان، يوم أحد الشعانين، على يد البطريرك مكسيموس الثالث مظلوم.

لم تمضِ سنوات طويلة حتى حلّت المحنة الكبرى. ففي عام 1860، شهدت دمشق أحداثاً طائفية دامية عُرفت بسنة “الطوشة”. تعرض خلالها المسيحيون لمجازر وخسائر فادحة، وأُحرقت الكنائس والمدارس والمنازل. ولم تنجُ كنيسة سيدة النياح ولا الدار البطريركية من النيران، حتى لم يبقَ فيهما حجر على حجر، سوى قطعة رخام واحدة تحمل أبياتاً تؤرخ لبناء الكنيسة الأولى.

لكن الدمار لم يكن نهاية القصة. فقد نهض الدمشقيون من جديد، وقرروا إعادة بناء الكنيسة على مساحة أوسع وأجمل. استُخدمت أموال المساعدات المقدمة للمتضررين، والتي بلغت 25 ألف ليرة فرنسية، إضافة إلى تبرعات أبناء الطائفة. وتحكي الروايات أن النساء قدّمن حليّهن ومجوهراتهن دعماً لإعادة البناء.

وضع المهندس يوسف بن نقولا وردة مخطط الكنيسة الجديدة، ملتزماً بالأصول البيزنطية، ومضيفاً إليها لمسة سورية محلية عُرفت لاحقاً بالفن السوري البيزنطي. وبعد نحو سنتين من العمل، اكتمل البناء عام 1864، فعادت الكنيسة لتقف شامخة من جديد.

العمارة والروح الهندسية للكاتدرائية

جاء بناء الكنيسة ممتداً بشكل عرضي، تتقدمه ساحة ورواق من الحجارة البازلتية السوداء. وفوق المبنى يرتفع برجان يعلوهما الصليب؛ أحدهما للناقوس والآخر يحمل ساعة كبيرة أضيفت عام 2003، وبينهما قبة ضخمة تتوسط البناء.
يتقدم الزائر باب خشبي مزجج، ثم باب رئيس محاط بالرخام الملون، تعلوه لوحة رخامية منقوشة باليونانية والعربية تقول:
«أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها». وعلى جانبي الباب أيقونتان قديمتان، للقديس جاورجيوس وللسيدة الحنون، تعودان إلى أواخر القرن التاسع عشر.

في الداخل، تنفتح الكنيسة على فضاء واسع وفخم، غني بالأيقونات حيث أرضيته رخامية، وجدرانه مزينة بهياكل رخامية تحوي مشاهد من حياة السيد المسيح والقديسين. تعلو الصحن قبة نصف دائرية ذات نوافذ زجاجية ملونة، وفي زواياها رسوم الإنجيليين الأربعة، بينما يتوسطها صليب بيزنطي بأذرع متساوية.

يفصل صحن الكنيسة عن قدس الأقداس إيقونسطاس رخامي أبيض رائع، له تسع فتحات وثلاثة أبواب نحاسية، أكبرها الباب المقدس في الوسط. وتضم أيقوناته، وعددها بالعشرات، أعمالاً تنتمي إلى الفن الروسي، ما يضفي على المكان عمقاً روحياً وجمالاً بصرياً فريداً.

تضم كاتدرائية سيدة النياح اليوم مجموعة من الأبنية المهمة، منها الدار البطريركية، الإكليريكية الصغرى، مركز التنشئة اللاهوتية، المحكمة الروحية، والجمعيات الخيرية. وهي ليست مجرد كنيسة للصلاة، بل مركز حيّ للتنشئة والخدمة.

وهكذا، تبقى كنيسة الزيتون أو كاتدرائية سيدة النياح أكثر من بناء حجري، لتتحول إلى قصة إيمان تاريخه طويل، وشهادة صمود، وصفحة مشرقة من تاريخ دمشق والكنيسة المشرقية، ما زالت تروي حكايتها لكل من يعبر أبوابها.

اقرأ أيضاً: أكثر من دير.. مارجرجس جزء من الهوية المحلية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى