قلعة سمعان تروي حكاية معلم ديني وتاريخي في حلب.. ماذا تعرف عنه؟

بقلم هلا يوسف
تناغمت الديانات السماوية على الأرض السورية بطريقة مميزة جداً، حتى أصبحت الأماكن التراثية والدينية مرجعاً تاريخياً لعصور وحضارات مرت عليها، وكانت شاهدة على السلام والتآمُر الذي حافظ على مواقع تحولت إلى مقصد سياحي وديني لأبناء الوطن والعالم. ومنها قلعة سمعان وديرها، اللذان أعادت وزارة السياحة افتتاحهما، معلنةً عهداً جديداً من الصمود في وجه عوامل التاريخ.
صفحة جديدة تروي حكاية القلعة
بعد أن أغلقت أبوابها أمام الزوار لمدة خمسة عشر عاماً، تعود اليوم قلعة سمعان لتكون واجهة للسياحة في منطقة جبل سمعان بريف حلب الشمالي الغربي، فمع مكانتها السياحية والدينية العالمية الخاصة بالروم الأرثوذكس، من المتوقع أن تجذب القلعة زواراً من أنحاء العالم كافة.
فالمبادرة التي تعاونت فيها محافظة حلب مع مديرية الآثار والمتاحف في حلب ومجلس رؤساء الطوائف المسيحية في حلب، وبحضور راعي أبرشية حلب للروم الأرثوذكس المطران أفرام معلولي وعدد من رؤساء الطوائف المسيحية ومسؤولين محليين، جاء افتتاحها في يوم السياحة العالمي، ليتوج جهوداً قامت بها الجهات السابقة.
فقد استمرت أعمال الترميم لمدة ستة أشهر، وشملت قلعة ودير سمعان العامودي، وعملت فيها مديرية الآثار والمتاحف على فتح مسارات سياحية جديدة، مع منحها وجهاً عابقاً بالحياة عبر ترحيل الأنقاض والتنظيف، بالإضافة إلى تعبيد الطرقات المؤدية إلى الموقع وتأهيل الكتل الإدارية.
ومن خلال الافتتاح، عبر العديد من العاملين في القطاع السياحي عن رغبتهم في وجود دعم حقيقي للقلعة، عن طريق حملات تسويقية عالمية ضمن السوق السياحي، لتستعيد المنطقة بأكملها، ومن ضمنها القلعة، مجدها وألقها الذي طالما عُرفت به.
قلعة سمعان وديرها
لا تستحوذ قلعة سمعان وديرها على الاهتمام الكبير لكونها معلماً سياحياً فقط، لأن تاريخها الديني أكبر من فكرة السياحة، فالقلعة كانت ولا تزال الأكبر بين كنائس الروم في سوريا والمشرق على الإطلاق، وهذا ما أعطاها أهميتها الدينية.
فالموقع يحمل آثار اجتماع أثرياء أنطاكيا ورهبانها، بفضل نسماته النقية وموقعه المميز، ونبيذه المعتق من حقول ومزارع المكان، بالإضافة إلى الطريقة المعمارية وملحقاتها من فلل وكنائس، التي أعطت المكان ميزاته الجغرافية ليكون موطناً لبعض التجمعات السكنية.
وتحمل قلعة سمعان بين ثنايا موقعها حكايا تاريخ يعود إلى عام 476 للميلاد، عندما أمر إمبراطور الروم زينون ببنائها حول العمود الذي كان القديس سمعان العامودي يتنسك عليه.
فالعامود الذي وقف عليه الناسك سمعان العامودي لمدة 37 عاماً كان سبباً في بناء أضخم كنيسة في زمن حكم الروم للمنطقة، فمساحتها وصلت إلى أكثر من 12 ألف متر مربع، لتتجاوز بذلك طول كنيسة آيا صوفيا في إسطنبول.
ويعود الحجم الكبير الذي اتسمت به الكنيسة إلى التوسعات التي أُجريت بعد تدشينها عام 490م، حيث أُلحقت بها العديد من المباني والكنائس والفنادق والباحات بين عامي 526 و528م.
بينما أعطى الناسك سمعان العامودي للمكان روحه المقدسة، فيقال إن سمعان ولد عام 389 ميلادي في بلدة سيسان جنوب جبل سمعان، الذي يعد جزءاً من جبل الزاوية، ثم لجأ إلى دير ثلانيسوس، المعروف اليوم باسم دير وقلعة سمعان، عام 412 ميلادي.
وفي قلعة سمعان خُلقت قصته التي شُيدت بسببها القلعة، حيث يشير التاريخ إلى أن سمعان عاش لمدة قاربت 40 عاماً فوق عامود بلغ طوله أربعين ذراعاً، دون طعام أو شراب لمدة أيام، متفرغاً فقط لعبادة الله، بينما كان له تلاميذ وزوار يزورونه فوق هذا العامود.
وخلال الحكم الإسلامي، حافظ المسلمون على قلعة سمعان لتكون مكان إقامة الأمير المعين على المنطقة من قبل عمر بن عبد العزيز، خامس الخلفاء الراشدين، ليبقى بذلك والياً عليها حتى وفاته، حيث دُفن فيها. بينما كانت القلعة الحصن المنيع الذي وقف في وجه المعتدين خلال حكم صلاح الدين الأيوبي للمنطقة.
اقرأ أيضاً: عيد الصليب في معلولا.. يحكي تنوع سوريا
الطراز المعماري يأخذ شكل الصليب
بأسلوب معماري مختلف عما كان موجوداً في كاتدرائيات ذلك الزمن، اتخذت قلعة سمعان لنفسها أسلوباً معمارياً مميزاً، حيث بُنيت خلال فترة قصيرة، واستوحت من الصليب شكلها المكون من أربعة مجمعات بازيليكية مميزة، والمجهزة لاستيعاب الكثير من الحجاج الذين اتخذوا من الكنيسة وعمود القديس سمعان وجهة للصلاة.
وتعود الأفكار المعمارية التي صُممت بها الكنيسة، والقائمة على البازيليكا ذات الممرات الثلاثة، في جذورها إلى الأسلوب المعماري الروماني، فالبازيليكا الرئيسية والمعمودية كانتا أول أجزاء المجمع التي تم بناؤها، ثم أُضيف الدير والتجهيزات الخاصة بالمعمودية.
ولعل أكثر الأجزاء المشهورة في القلعة هو القوس الضخم الموجود في بداية طريق “فيا ساكرا” المؤدي إلى الكاتدرائية على الجبل، وعبر إطلالة الكنيسة يمكن رؤية ديرين وسوق يحتوي على بقايا مساكن صغيرة ومقبرة الكنيسة وعدد من المباني الأخرى التي كانت تشكل المجتمع المحلي للقلعة.
أما اليوم، فلا تزال بقايا عمود القديس سمعان قائمة، بالرغم من تناقص طوله الذي أصبح عدة أمتار فقط نتيجة اقتطاع الحجاج والزوار أجزاء منه وأخذها كتذكارات، بينما بقيت الأجزاء الكبيرة منه صامدة حتى أواخر القرن السابع عشر، كما تمكنت القبة الموجودة في أعلى العمود من الصمود حتى القرن التاسع عشر.
باختصار، عاشت قلعة سمعان وديرها فصولاً عديدة من التاريخ، وكل منها كتب قصته بأسلوبه الخاص، لتعود لنا اليوم بحلة جديدة، ولتكتب القلعة قصة ترميمها وافتتاحها من جديد في كتاب عمرها القديم. بينما يشهد شهر آب من كل عام ذكرى احتفالات عيد مار سمعان التي تقوم بها أبرشية حلب والإسكندرون للروم الأرثوذكس، إحياءً لذكرى ناسك متعبد، وتأكيداً على استمرار الإرث الثقافي والتاريخي في المنطقة.
اقرأ أيضاً: قلعة الحوايس في حماة.. أطلال تحرس ذاكرة الهضاب البازلتية منذ قرون









