سياحة

قلعة جعبر في ريف الرقة: ما قصة الضريح التركي المخفي؟

بقلم: ديانا الصالح

سيدة قلاع الفرات ومعشوقة ريف الرقة، قلعة جعبر أحد أبرز الأماكن التراثية ذات الأهمية السياحية والتاريخية في سوريا، أثبتت مقاومتها للزمن وتصديها للخضات المتعاقبة عليها بقوة وأصالة جذورها.

قلعة جعبر لؤلؤة فراتية فريدة

تتربع قلعة جعبر بشموخ أبراجها على ضفة نهر الفرات اليسرى ضمن الجزيرة السورية وهي المكان الذي تشغله اليوم بحيرة الطبقة المعروفة باسم “بحيرة الفرات”، وتبعد عن مدينة الرقة حوالي 53 كيلو متراً و13 كم عن مدينة الثورة، تتميز بشكلها البيضوي حيث أُنشئت فوق نتوء حجري مرتفع قرب المضيق الصخري الذي يمرّ عبره النهر.

تحظى القلعة بأهمية عسكرية كبيرة مستمدة من موقعها الاستراتيجي، حيث كونت مع مسكنة بالس وحصن يوسف باشا إلى جانب رحبة مالك بن طوق خطوطاً دفاعية رئيسية عن سوريا في وجه الغزاة على مر العصور، لا سيما الأطماع البيزنطية والمغولية فضلاً عن الفرنجية.

تُنسب تسميتها إلى جعبر سابق القشيري قبل أن يستولي عليها لاحقاً السلطان ملكشاه بن ألب رسلان السلجوقي، فيما تقول الروايات التاريخية أن الحصن القائم بُني على أنقاض قلعة أقدم شيدها ملك الحيرة دوسر غلام النعمان بن المنذر قبل العصر الإسلامي.

قلعة جعبر

جزيرة وسط البحيرة

تطل القلعة من هضبتها الكلسية البيضاوية على بحيرة الفرات التي أُنشئت عام 1974 وترتفع عما حولها بحوالي 50 متراً، فيما تميز بوجود سورين يحتويان على أكثر من 35 برجاً بأشكال متنوعة منها المضلع والنصف دائري، إلا أن أغلبها مهدم، كما تتضمن مسجداً تاريخياً لم يبق من أثره سوى مئذنة شاهدة على عراقة الحضارات المتعاقبة على الموقع، الذي يحتضن أيضاً عدداً من الأبنية التي أخفاها التاريخ ولكنه لم يستطع محو أثرها.

وتغدو قلعة جعبر اليوم جزيرة ساحرة وسط مياه بحيرة الطبقة التي تشكلت بعد تشييد سد الفرات، وقد خضعت مداخلها لعمليات ترميم شاملة، جعلت منها مقصداً بارزاً للسياحة في سوريا يتباهى بموقعه الاستراتيجي الذي يجمع بين العراقة المعمارية التاريخية وحداثة المنظر الجمالي المتمثل بالمياه المحيطة.

ضريح سليمان شاه

تشتهر القلعة برواية غرق سليمان شاه في نهر الفرات، الذي يُقال أنه دُفن قربها، ليشكل فيما بعد مزاراً تركياً، حيث تم الاستيلاء على تلك المنطقة وتحويلها إلى أرض تركية بموجب معاهدة أنقرة عام 1921، فقد سُمح للعسكر الأتراك بحراسة هذا القبر عقب إعلان سوريا بوصفها قوة فرنسية.

ومع حلول 1973، نُقِل ضريح سليمان شاه مع المقبرة المتعلقة به إلى موقع آخر في الجهة الشمالية للقلعة نتيجة لارتفاع منسوب مياه البحيرة الصناعية الناجمة عن سد الفرات، ليصبح موقعها من ذلك الحين أرضاً سورية بالكامل.

اقرأ أيضاً: تدمير جسري الرقة.. حين يدفع المدنيون ثمن المواجهات العسكرية

قلعة جعبر في ريف الرقة

ملامح تاريخية مقاومة للزمن

تبلغ مساحة قلعة جعبر حوالي 43 دونماً، ولابد من الحديث عن أجزائها المعمارية الفريدة، حيث يتم الدخول إليها عبر نفق محفور بالصخر، وتتجسد منشآتها بسلسلة من المباني السكنية والمرافق العامة التي سبق وذكرنا أنها مخفية العمران ولكنها خالدة الأثر، فضلاً عن مئذنتها التي تشبه مئذنة الجامع الكبير في مدينة الرقة ولكنها أكبر حجماً، حيث يصل ارتفاعها إلى 27 متراً تقريباً وقطرها حوالي خمسة أمتار، فيما شُيّدت غالبية هذه المنشآت بالطوب.

كما تتميز القلعة بمتحفها الذي بُني عام 1973م، ضمن أحد أبراجها التاريخية (برج عليا)، ليخبئ داخله الكثير من المقتنيات الأثرية التي تم اكتشافها في القلعة.

وتصور الهياكل الداخلية التي تقبع ضمن الأسوار الحياة اليومية لساكنيها، وتتجسد بالغرف الخاصة بالتخزين والأقبية المستخدمة للماء والغذاء خلال الحصارات والمعارك، إضافة إلى الثكنات والأماكن المخصصة لعاملي وحامية القلعة، إلى جانب ملامح المساجد المصغّرة وقاعات الصلاة، مع برج المراقبة الذي أضفى بعداً معمارياً حديثاً يُرجح أنه شُيّد خلال الحقبة الإسلامية الأخيرة.

تبقى قلعة جعبر اليوم شاهداً حياً على تعاقب الحضارات التي توالت على سوريا، فهي لم تكتفِ بتحدي عوامل الزمن، بل صمدت بوجه العواصف التي مرت بها في العصر الحديث، متجاوزةً سنوات الحرب القاسية وما شهدته من معارك، لتشكل بأسوارها العتيقة رمزاً للأصالة، وقصةً للصمود تأبى أن تطويها صفحات النسيان.

اقرأ أيضاً: البنية التحتية في الرقة تكشف المستور: مدينة غنية بالموارد فقيرة بالخدمات!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى