قفزة في صادرات المجوهرات وحركة الشحن: كيف تستعيد التجارة بين سوريا وتركيا حيويتها؟

تطورات متسارعة واتفاقيات مهمة شهدتها سوريا وتركيا منذ سقوط نظام الأسد وحتى اليوم… وبعد سنوات طويلة من الجمود، انتعشت العلاقات بين البلدين في مجالي التجارة والنقل البري خلال هذا العام بشكل غير مسبوق.
ومؤخراً، قفزت صادرات المجوهرات التركية إلى سوريا إلى مستوى جديد، إذ بلغت قيمتها خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري نحو 3.861 مليون دولار، وفقاً لأرقام رسمية، ويعكس هذا الرقم نمواً لافتاً ضمن زيادة أوسع في صادرات تركيا إلى دول الجوار، والتي ارتفعت بنسبة 4.8%، فيما سجلت الصادرات إلى سوريا تحديداً أعلى نسبة نمو بلغت 45% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
حركة الشحن البري تنتعش بين سوريا وتركيا
وتشهد حركة النقل البري بين البلدين نمواً ملحوظاً، حيث ارتفعت شحنات النقل البري من تركيا إلى سوريا بنسبة 60% خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2025، لتصل إلى 113 ألف شحنة، بحسب شرف الدين أراس، رئيس اتحاد وكلاء الشحن الدولي التركي
“عدد الشحنات العابرة لسوريا قبل عام 2011 لم يكن يتجاوز 50 ألف شحنة”.
وقال أراس تعليقاً على وضع التجارة خلال سنوات الحرب، أن الشاحنات التركية، طوال تلك السنوات كانت تفرغ حمولاتها عند بوابة “جيلوه غوزو” دون الدخول إلى الأراضي السورية، إلا أن تحسّن الظروف الميدانية والاقتصادية في سوريا فتح الباب أمام استئناف الحركة المباشرة.
جدير بالذكر أنه تم توقيع اتفاقية جديدة بين دمشق وأنقرة قبل أسبوعين، تضمنت إعادة تفعيل النقل البري والترانزيت بين البلدين، بعد أكثر من 15 عاماً من الانقطاع…. الخطوة وُصفت بأنها اختراق اقتصادي إقليمي طال انتظاره، ذلك لأن الطريق البري بين تركيا وسوريا لطالما شكّل حلقة وصل حيوية بين أوروبا والخليج، ما يجعل استئناف العمل به ضرورة اقتصادية إقليمية.
كما أن الاتفاق يسهم في تقليص الكلفة التي تكبّدها التجار خلال الأعوام الماضية جراء الاعتماد على مسارات بديلة معقدة ومكلفة.
وإلى جانب التجارة، شهدت الأيام الأخيرة تسهيلات تركية لعبور فئات معينة من الأفراد، مثل الطلاب وحملة الجنسية التركية، ما يعكس توجهاً نحو انفتاح تدريجي في العلاقات، قد يمتد ليشمل قطاعات أوسع في المستقبل.
اقرأ أيضاً: تركيا تستعد لتصدير الغاز إلى سوريا بعد استكمال ربط الشبكات
وبينما تسير عجلة التجارة والنقل بخطى متسارعة بين سوريا وتركيا، وخاصة أننا ذكرنا الطفرة في صادرات المجوهرات، سنتحدث قليلاً عن الذهب، الذهب السوري والتركي، خاصة أن كليهما بات حاضراً بقوة في أسواق البلدين.
فبالعودة إلى أولى سنوات اللجوء إلى تركيا، عانى السوريون من صعوبة بيع ذهبهم داخل تركيا، رغم أن سعره كان أقل من التركي، ويعود السبب إلى أن الصاغة الأتراك لم يكونوا معتادين على عيارات وتصاميم الذهب السوري، لذا تحفظوا في التعامل معه، واعتبروه غريباً على سوقهم.
فهناك فروقات واضحة بين الذهبين من حيث العيار، اللون، وحتى الذوق العام… الذهب السوري يُصاغ عادةً من عيار 21 قيراط، بينما يفضّل الأتراك استخدام عيار 22 قيراط في أغلب المصوغات، أما بالنسبة للعيارات الأخرى، فيتوفر الذهب السوري بعياري 14 و18، ويقتصر التركي على عيار 14 فقط.
ومن حيث اللون والمظهر، يميل الذهب السوري إلى اللون الأحمر بينما يتميز الذهب التركي بلونه الأصفر الفاتح، ما يجعله أكثر جاذبية بصرياً لدى بعض الزبائن، وبالنسبة للسعر فالذهب السوري أرخص بنسبة بسيطة (حوالي 0.05%) من الذهب التركي.
ولكن رغم الاختلافات، ومع مرور السنوات وتزايد أعداد السوريين في تركيا، ظهرت ورشات تصنيع ذهب سورية في عدد من الولايات مثل إسطنبول، غازي عنتاب، ومرعش، ونجحت في الوصول إلى شريحة واسعة من الزبائن، حتى أن الذهب السوري يشكّل اليوم نحو ثلث السوق في بعض المناطق.
واليوم، ومع عودة عدد كبير من السوريين إلى البلاد، من المرجح أن تدخل كميات من الذهب التركي إلى السوق السورية، سواء عبر التجارة أو على شكل مدخرات شخصية.
وحول كيفية التعامل مع هذا الذهب في سوريا، أوضح سابقاً مسؤول في نقابة الصاغة بدمشق وريفها أن السوق المحلية منفتحة على كل العيارات، والنقابة تتيح للصائغ عدة خيارات، مثل إعادة صهر الذهب وتصنيعه من جديد، استخدامه كتسديد ذهب للورشات، أو دمغه وإعادة بيعه إذا كان مطابقاً للمواصفات.
اقرأ أيضاً: إجراءات جديدة تنظم عبور الطلاب السوريين من تركيا لزيارة ذويهم
احتياطي الذهب في سوريا
يشكّل الذهب أحد أعمدة الاقتصادات الوطنية عموماً، والاقتصاد السوري مشمول بهذا الكلام أيضاً، فالذهب يعدّ ملاذاً آمناً خلال الأزمات، خاصةً مع تراجع قيمة العملة المحلية وانكماش الاحتياطي النقدي الأجنبي.
أما بالنسبة لاحتياطي الذهب في سوريا، فقد كان يُقدّر بنحو 25 طناً في مطلع عام 2000، وارتفع قليلاً إلى أكثر من 30 طناً بحلول 2010، ليكون مؤشراً جيداً على استقرار نسبي.
لكن مع بداية سنوات الحرب في 2011 وتدهور الاقتصاد، تراجع الاحتياطي إلى نحو 15 طناً في 2014، قبل أن يستقر لاحقاً عند 22 طناً بحلول 2020.
وشهد الاحتياطي تحسناً طفيفاً بين عامي 2021 و2024، ليصل إلى 26 طناً، وهي نفس الكمية التي كانت موجودة قبيل الحرب، وتُقدّر قيمته اليوم بحوالي 2.2 مليار دولار وفقاً لأسعار السوق الحالية.
وبعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، بدأت الجهود تتكثف لحماية هذا المخزون المهم عبر تعزيز الإجراءات الأمنية والتعاون مع جهات دولية لتأمينه.
ختاماً، تشير التطورات التجارية إلى بداية فصل جديد في العلاقات السورية – التركية، إذ يشكل الانتعاش التجاري وحركة النقل البري خطوة مهمة نحو تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، سواء من حيث كمية الصادرات أو حركة النقل البري رغم التحديات، يحمل هذا الانفتاح فرصة حقيقية لتعزيز الاستقرار والنمو في المنطقة، ما يعيد سوريا إلى دورها الحيوي في التجارة الإقليمية.
اقرأ أيضاً: انفتاح اقتصادي متسارع بين سوريا وتركيا: مصالح مشتركة في جهود إعادة الإعمار









