المجتمع السوري

قطع الكهرباء عن مستشفى الحراك الوطني.. هل حقاً السبب فواتير غير مدفوعة؟!

وقد حوّلت أجهزة الإسعاف وغرف العمليات المهددة بالتوقف قرار الفصل إلى شرارة من الغضب الواسع بعد أن وجد أكثر من 350 ألف نسمة أنفسهم أمام احتمال فقدان حقهم الأساسي في العلاج.

فهل حقاً السبب في ذلك هو تراكم فواتير وتغذية كهربائية غير نظامية على المستشفى، أم أنّ هناك سبباً آخر دفع المؤسسة العامة للكهرباء لتحذير المستشفى؟

قرار فصل الكهرباء عن مستشفى الحراك يشعل غضباً شعبياً

شهدت مدينة الحراك خلال اليومين الماضيين حالة من الاستياء الشعبي الواسع عقب فصل الكهرباء عن المستشفى الوطني، ووفقاً لشهادات وتقارير محلية فإن إدارة مستشفى الحراك كانت قد تلقت قبل نحو عشرة أيام إشعاراً صادر عن شركة كهرباء درعا يفيد بوجود قرار يقضي بفصل التيار الكهربائي عن المرفق الطبي بسبب ما وصفته الشركة بأنه وضع غير نظامي للتغذية الكهربائية.

وقال أحد وجهاء المنطقة في تسجيلات متداولة أن التواصل جرى مع مدير شركة الكهرباء في درعا لمعرفة أسباب قطع التيار، إلا أن الرد وفقاً للتسجيل أشار إلى أن الكهرباء أصبحت “استثماراً” وأن المسؤولين لا يمكنهم مخالفة التعليمات الصادرة بهذا الشأن.

أثار القرار موجة واسعة من الانتقادات خاصة وأن مستشفى الحراك يعتبر المركز الطبي الرئيسي لسكان ريف درعا الشرقي، ويستقبل يومياً حالات إسعافية ومرضى من مناطق عدة مجاورة وسط ضعف الخدمات الصحية في المنطقة.

خدمات واسعة مهددة بتوقف التشغيل

تكمن خطورة القرار بشقّين رئيسيين أولهما أن المستشفى هو المرفق الطبي الوحيد في المنطقة، بينما الشق الآخر فيتمثل بطبيعة الخدمات التي يقدمها، حيث يعتمد عليه ما بين 200 إلى 350 ألف شخص، ويضم أقساماً حيوية منها الإسعاف والعمليات والعناية المركزة فضلاً عن الخدمات المخبرية، وهي جميعها تعتمد بشكل أساسي على الكهرباء بما يضمن استمرار العمل الطبي بشكل سليم.

وقد أشارت عدة مصادر طبية إلى أن انقطاع الكهرباء عن المستشفى من شأنه أن يهدد قدرة الكوادر الطبية على تشغيل الأجهزة والمعدات، كما يصل تأثيره إلى حفظ الأدوية واللقاحات التي قد تفسد خاصة مع اقتراب فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة.

فيما حذرت إدارة مستشفى الحراك من أن الاعتماد على المولدات الكهربائية لا يمكنه أن يكون حلاً دائماً نظراً لنقص المحروقات بشكل كبير، فضلاً عن ارتفاع تكلفة التشغيل مما يعني أن خدمات المستشفى ستقل أو يتوقف بعضها بشكل كامل في حال استمرت الأزمة دون حل.

رسوم مرتفعة تعرقل عودة التيار وتفتح جدل الاستثمار

ازداد الجدل في القضية بعد الكشف عن المبالغ المالية المطلوبة لإعادة وصل الكهرباء إلى المستشفى بشكل نظامي، وتداولت صفحات محلية أخباراً تفيد بأن شركة الكهرباء طالبت المستشفى برسوم اشتراك أولية تصل إلى 600 مليون ليرة سورية كشرط لإعادة التغذية الكهربائية.

وأشارت معلومات محلية أخرى إلى اشتراط وزارة الطاقة تسديد رسوم تصل إلى 40 ألف دولار أمريكي لإتمام عملية الربط على خط كهرباء قريب من المستشفى، وهي رسوم تفوق قدرة مديرية الصحة أو حتى الجهات المحلية على تأمينه في الوقت الحالي.

أثارت هذه الأرقام موجة كبيرة من الانتقادات بين الأهالي والناشطين لاسيما أن الحديث عن منشأة صحية ذات خدمات واسعة لعدد كبير من الأهالي بواقع الرسوم والاستثمارات من شأنه أن يهدد الخدمات الصحية خاصة أن المنطقة عانت خلال السنوات الماضية من تراجع كبير في البنية التحتية الطبية.

المجتمع المحلي أعاد بناء المستشفى بجهود ذاتية

شهد مستشفى الحراك عملية إعادة تأهيل واسعة بجهود ذاتية استمرت سنوات، وذلك بعد أن خرج من الخدمة بشكل شبه تام نتيجة الأضرار التي لحقت به في سنوات الحرب، وساهم الأهالي والمجتمع المحلي في ترميمه وتجهيزه.

وبلغت تكلفة إعادة تأهيل المستشفى 6 مليارات ليرة سورية جُمعت من خلال التبرعات والمبادرات المجتمعية، وقد ساهمت هذه المبادرة في تغطية جزء من رواتب العاملين والكوادر الطبية لضمان استمرار الخدمات الصحية في المنطقة، الأمر الذي جعل من قرار فصل الكهرباء كتهديد لجهود مجتمعية استمرت سنوات لإعادة تشغيل المرفق الطبي.

قطاع صحي متدهور

أعادتِ الأزمة التي يشهدها مستشفى الحراك تسليط الضوء على واقع القطاع الصحي في محافظة درعا، والذي يشهد حالة من التراجع الحاد بسبب الدمار الذي نتج عن سنوات الحرب بالإضافة إلى نقص الكوادر والأجهزة والدعم الحكومي.

ووفقاً لتقارير محلية تضم محافظة درعا حالياً سبعة مشافٍ حكومية فقط وتعاني معظمها من ضعف في التجهيزات ونقص الكوادر الطبية والأدوية، مما يدفع العديد من المرضى إلى اللجوء للمستشفيات الخاصة أو السفر إلى دمشق ومحافظات أخرى لتلقي العلاج.

وعلى الرغم من بعض الخطوات الخجولة المُعلن عنها مؤخراً لدعم القطاع الصحي في المحافظة، والتي كان آخرها افتتاح قسم القثطرة القلبية في مستشفى درعا الوطني، إلا أن الواقع الطبي يواجه تحديات أكبر تتعلق بتأمين الكهرباء والتجهيزات الحديثة لضمان استمرار الخدمات الأساسية خاصة أن أزمة مستشفى الحراك تعكس صورة أوسع عن الواقع الصحي الهش، الذي يعتمد بشكل متكرر على المبادرات المجتمعية المحلية والتبرعات أكثر من اعتماده على الدعم الحكومي المستقر.

عودة مؤقتة للكهرباء

أصدر أهالي المنطقة بياناً محلياً طالبوا فيه بإعادة وصل التيار الكهربائي بشكل دائم إلى المستشفى، خاصة وأنه المنشأة الطبية الأساسية التي يعتمد عليها آلاف المرضى لتلقي الخدمات العلاجية والإسعافية.

واعتبر البيان أن استمرار انقطاع الكهرباء أو فرض تقنين على المرفق سينعكس بشكل مباشر على قدرة المستشفى على تقديم خدماته الحيوية خاصة ضمن الأقسام الحرجة التي تحتاج إلى تغذية كهربائية مستمرة.

ودعا الأهالي الجهات المعنية إلى إعادة النظر في القرار والعمل على إيجاد حلول عاجلة، بما يضمن استمرار العمل دون انقطاع محذرين من تداعيات صحية واجتماعية قد تترتب على استمرار الأزمة دون معالجة تامة.

وكشف مدير الشركة العامة للكهرباء في محافظة درعا غازي شريفة أنه تمّ تغذية المستشفى بالكهرباء من خلال “الديزل” وبشكل مؤقت إلى حين استكمال عملية إزالة “التعديات” عن خط المستشفى المعفى من التقنين.

وأوضح شريفة وفقاً لما نشرته مديرية إعلام درعا، أن الفصل الكهربائي لم يكن نتيجة مستحقات مالية مترتبة على المستشفى وإنما نتيجة قيام الشركة بإزالة “التعديات” على الخط، مؤكداً أنه بعد الانتهاء من ذلك سيتم وصل الأحياء المجاورة للمستشفى بمحوّلة كهربائية مشمولة بالتقنين وإعادة خط المستشفى إلى المحوّلة المعفية من التقنين.

وفي ظل استمرار هذا الوضع يبرز التساؤل حول مدى قدرة المنظومة الخدمية في المحافظة على تأمين الحد الأدنى من استقرار الكهرباء للمرافق الصحية، وكيف يمكن تفادي تكرار أزمات مشابهة من شأنها تضع حياة آلاف المرضى رهينة قرارات إدارية أو فنية متبدلة؟

اقرأ أيضاً: الالتهاب الذي يضرب بلدة محجة في ريف درعا الشمالي؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى