قطاع الدواجن في سوريا يترنّح: تخبّط رسمي أم وباء مخفي؟

بقلم: ديانا الصالح
تصدّر قطاع الدواجن في سوريا المشهد العام، بعد تداول صور ومقاطع فيديو تظهر نفوق الآلاف من الطيور في مناطق متفرقة من البلاد نتيجة لما تم تسميته بمرض “طاعون الدجاج“، وعلى الرغم من نفي المؤسسة العامة للدواجن وجود أمراض خطيرة أو غير معتادة، إلا أنّ مخاوف المربين والمستهلكين لم تتبدّد، لا سيّما بعد منشور التحذير المثير للجدل الذي صدر عن وزارة الطوارئ والكوارث ثم حذفته بعد ساعات بذريعة التباس المعلومات، ما شكل نوعاً من التخبط المعلوماتي الحكومي.
تزامناً مع ذلك، اشتعلتِ الأوساط الشعبية غضباً إثر ارتفاع أسعار الفروج ببعض المناطق خلال أيام معدودة، وسط اتهامات لتجار باستغلال حالة ذعر المربين لخفض سعر الشراء، وطرحها بأسعار باهظة في السوق.
وفي هذا السياق تثور عدة تساؤلات ملحّة حول تأثير هذه الأنباء على السوق المحلية و الآلية المتّبعة للتنسيق بين الجهات المختصة، ومدى الأثر الذي شكله غياب البيان التفصيلي على الرؤية العامة للحدث.
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..
معضلة قطاع الدواجن في سوريا
في ظل تباين الأنباء والتقارير الميدانية المتداولة، ينفي مدير المؤسسة العامة للدواجن فاضل حاج هاشم، رصد إصابات أو اشتباه بأوبئة خطيرة بين قطعان الدواجن في البلاد، مؤكداً استقرار الوضع الصحي ضمن القطاع وعدم وجود مبرر للقلق بين المواطنين.
كما يفنّد حاج هاشم صحة شائعات انتشار إصابات خطرة أو احتمال انتقال العدوى إلى البشر، مشيراً إلى أن الدواجن صالحة للاستهلاك البشري، وأن الأمراض المرصودة لا تتعدى حدودها الطبيعية والموسمية المعتادة.
وفي هذا الصدد، يوافق نقيب أطباء البيطريين في سوريا حسين البلان، موقف حاج هاشم، حيث أكد عدم تسجيل أي حالة لوباء فيروسي معدٍ للإنسان، مشدداً على ضرورة اتباع الإجراءات الصحية العامة المتعلقة بحفظ لحوم الدواجن وطهوها، كتدابير وقائية غير مرتبطة بحدوث تفشٍّ معين.
ولكن التحذير المُلغى لوزارة الطوارئ والكوارث من مرض “طاعون الدجاج” ، مع تحديدها مجموعة من الإرشادات الواجب اتباعها حفاظاً على السلامة العامة، يعمّق فجوة الثقة بين المستهلك والجهات الرسمية، فحذف المنشور كان إعلاناً صريحاً بخلل العمل والتنسيق المؤسساتي في البلاد، حسبما وصفه سياسيون محليون.
علاوة على ذلك، يشير مختصون إلى أن التصريحات الرسمية وسط انفجار الشائعات المتداولة، لم تتعدَّ كونها تطمينات نظرية لا تملك خلفية قوية للأرقام الدقيقة أو الفحوصات المخبرية كإثبات جدير بتفنيد تلك الأنباء، متسائلين: هل هذه إدارة رشيدة لمعلومات حساسة تتعلق بالأمن الغذائي؟
التأثير على السوق المحلية
تلك الشائعات لم تمرّ مرور الكرام، بل كان لها أثر بالغ على الأسواق، حيث شهدت عدة مناطق ارتفاعاً مفاجئاً بأسعار الفروج إلى جانب البيض أيضاً، مما أدى إلى مزيد من الضغوط على ميزانيات المواطنين، حيث يؤكد عضو مربي الدواجن حكمت حداد، أن تأثير تلك الأنباء لا يقتصر على الأسعار فحسب، بل يمتد ليشمل عدم وضوح اتجاه السوق، الأمر الذي ينتج عنه إنهاك قدرة المواطن الشرائية، ووضع المربي في امتحان صعب للجمع بين الالتزام بالسعر الحقيقي ورغبة المستهلكين بشرائهم المنتجات الآمنة.
ميدانياً، تؤكد جيانا شلهوب لسوريا اليوم24 أن أسعار الفروج حلّقت بشكل غير مسبوق، مشيرةً إلى خروجه عن متناول اليد ليتحول إلى رفاهية غذائية أكثر منه أساسية، قائلةً: “يمكن الجهات المعنية والتجار أكثر دراية بصحتنا لذلك حرمتنا من شرائه وحصرته بطبقة الميسورين”.
فيما ينتقد مواطن (فضل عدم ذكر اسمه) طريقة تراجع وزارة الطوارئ عن منشورها التحذيري، قائلاً: “هل من المعقول جهة رسمية بحجم وزارة أن تبني رأيها وتحذيرها على إشاعات متداولة، ثم تندم وتقوم بحذف منشورها؟!”، مضيفاً: “أن هذا المطبّ الذي وقعت فيه وزارة الطوارئ كفيل بتكريس المخاوف، فرغم النفي والتطمينات الأخيرة إلا أنه لا بد من إصدار بيان يشرح بشكل تفصيلي وبشفافية مُطلقة لنستطيع تكوين صورة مفهومة عن هذا التضارب”.
الجدير بالذكر، أن أسعار الفروج في سوريا قد شهدتِ ارتفاعاً ملحوظاً في السوق المحلية خلال الأيام الأخيرة، حيث سجل سعر الكيلوغرام الواحد أكثر من 30 ألف ليرة، مقارنة بالشهر الماضي الذي بلغ فيه نحو 22 ألف ليرة سورية.
ارتفاع تكاليف الإنتاج والتشغيل
يشير مربون إلى أن الوضع الحالي يحتاج إلى خطة حكومية وجولات ميدانية للتأكد من حجم الأضرار، وتوثيق ما يحدث على أرض الواقع بعيداً عن المكاتب والتصريحات، فاليوم قطاع الدواجن يدور ضمن دوامة الأوبئة وغلاء اللقاحات والكهرباء، وغيرها من مستلزمات الإنتاج التي باتت سبباً رئيسياً لإغلاق العديد من المداجن والتحول نحو مهن أخرى.
وهنا تبرز قضية لا تقلّ أهمية عن توضيح حدث الوباء، وهي غلاء التكاليف الإنتاجية والتشغيلية التي يتكبدها المربي، لعلّ أبرزها تلك الخاصة ببرامج التحصين كاللقاحات والأدوية، فالكثير من المربين لجؤوا إلى أدوية غير موثوقة المصدر فقط لكونها رخيصة، مما أدى إلى خسائر نفسية ومادية.
وهذا ما يؤكده عضو مربي الدواجن حكمت حداد، حيث يشير إلى تضافر عدة أسباب كامنة وراء نفوق الدجاج، أبرزها عدم الالتزام بجدول التحصين بشكل كامل، نتيجة لغلاء التطعيمات وصعوبة الحصول عليها في الوقت المناسب ببعض الأحيان، لافتاً إلى دور الكهرباء وظروف الطقس أيضاً في التأثير على بيئة التربية.
تراجع القدرة الشرائية
وفقاً لبيانات وزارة الزراعة السورية، فقد انخفضت أعداد منشآت الدواجن إلى حوالي 5300 مدجنة عاملة في الوقت الحالي، مقارنة بـ12 ألف منشأة قبل سنة 2011، كما سجل عدد المربين تراجعاً ملحوظاً نتيجة لعزوف أعداد كبيرة منهم عن السوق إزاء ارتفاع التكاليف التشغيلية والإنتاجية (طاقة، أعلاف، أدوية ولقاحات….).
وعلى الرغم من الخضّات التي تعرّض له قطاع الدواجن خلال سنوات الحرب الطويلة، إلا أنه لا يزال يشكل أحد أهم أعمدة الأمن الغذائي في سوريا، حيث تشير التقديرات الرسمية إلى تسجيل إنتاج لحوم الداجن سنوياً لحوالي 160 و170 ألف طن خلال السنوات القليلة الأخيرة، كما يبلغ إنتاج البيض سنوياً نحو 1.8 إلى ملياري بيضة.
أما متوسط استهلاك الفرد للحوم الدواجن، فقد سجل أعلى مستوى له (8.38 كيلوغرام) خلال عام 2010، وأدنى مستوياته في عام 2022 حيث قُدّر بحوالي 5.14 كيلوغرام، وفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة العالمية (الفاو).
هذه الأرقام تعكس مدى تراجع القدرة الشرائية، وما ترتب عليه من انخفاض واضح في استهلاك آخر مصادر البروتينات الاقتصادية، فيما لاتزال الأسعار تكوي جيوب المواطنين مع اقتراب شهر رمضان.
تتعدد الأنباء الرسمية والشعبية، ففي الوقت الذي تتحدث فيه الجهات الرسمية عن استقرار قطاع الدواجن دون تفاصيل واضحة، تضجّ وسائل التواصل الاجتماعي برواية أخرى مغايرة تماماً، ولكن القضية الأهم من كل الروايات هي مدى قدرة الجهات المعنية على إدارة معلومات ملف حساس دون أرقام دقيقة أو تنسيق مؤسساتي، ليبقى السؤال مفتوحاً هل فعلاً نحن أمام انهيار جديد بأعداد المداجن أم أنها محض شائعات؟؟
اقرأ أيضاً: معامل المرتديلا في قفص الاتهام.. رحلة الفروج المجمد منتهي الصلاحية إلى موائد السوريين









