قضية نور الدوس.. عندما تكشف جريمة واحدة واقع حماية الأطفال

بقلم هلا يوسف
“الطفولة” كلمة شبه منسية لدى الكثير من أطفال سوريا أمام أبواب الفقر والتسول والعمل، لكن أن تُنسى أمام أبواب الاغتصاب والقتل يفتح مجالاً لأسئلة أكبر حول القوانين التي تحمي حياة الأطفال أنفسهم. نور الدوس، طفلة عرفت التعذيب والضرب بحجة التربية، حتى وصل الأمر بها إلى تعرضها للقتل على يد عمها، والتستر على الجريمة من أبيها! نعم، أبيها الذي من المفترض أن يحميها من مساوئ العالم أصبح متواطئاً مع جريمة كبيرة بحقها. ربما قد تسأل نفسك: أين القانون؟ القانون، يا عزيزي القارئ، فضفاض، غير منصف، ولا يحمي إلا في الحالات القصوى. وماذا عن الجمعيات الأسرية؟ أيضاً غير موجودة، ولا يوجد من يقدم للأهالي نوعاً من التوعية والدعم لتفادي مثل هذه الجرائم. وقضية نور الدوس هي من فتحت ملف حماية الأطفال في سوريا، بعد مقتل الطفلة فرح حمود منذ فترة وجيزة.
من الجريمة إلى التحقيقات.. كيف تكشفت القضية؟
بدأت القضية في 26 تموز من هذا العام، عندما تلقت عدلية درعا بلاغاً يتعلق بالطفلة نور الدوس في بلدة نمر. ومع انتقال الشرطة إلى المكان وبدء التحقيقات، تم العثور على جثة الطفلة، لتبدأ مرحلة كشف ما حدث خلال الأيام السابقة.
فقد أظهرت التحقيقات الأولية أن الطفلة قد فارقت الحياة قبل يوم الإبلاغ بثلاثة أيام. كما بيَّن تقرير الطب الشرعي أن الوفاة كانت نتيجة إصابات شديدة تعرضت لها بسبب الضرب المبرح، وهو ما استبعد وجود أسباب أخرى للوفاة.
وبحسب ما أعلنته عدلية درعا، فإن عم الطفلة هو المتهم الرئيسي بارتكاب الجريمة، بينما أوقف شخصان آخران بتهم تتعلق بالمساعدة في إخفاء الجثة والتستر على الجريمة. وأوضحت التحقيقات أيضاً أن والد الطفلة لم يكن موجوداً لحظة وقوع الاعتداء، إذ كان يقيم في دمشق، لكنه عاد فيما بعد، وبعد وصوله ساعد شقيقيه في دفن الجثة بدلاً من الإبلاغ عنها، في حين كان المتهمون يخططون للإعلان عن اختفاء الطفلة لإبعاد الشبهات عن أنفسهم.
وبعد أن انتهت التحقيقات الأولية، تمت إحالة المتهمين إلى النيابة العامة العسكرية، لأن أحدهم يعمل في وزارة الدفاع، وهو ما يجعل القضية من اختصاص القضاء العسكري وفق القوانين النافذة.
وخلال توضيحها لتفاصيل القضية، كشفت العدلية أيضاً عن الوضع الأسري الذي كانت تعيشه الطفلة. فوالداها منفصلان منذ سنوات، وكانت قد عاشت مع والدتها أكثر من أحد عشر عاماً، قبل أن تنتقل حضانتها إلى والدها بقرار قضائي بعد زواج والدتها منذ تسعة أشهر. إلا أن والدها كان يقيم في دمشق، بينما كانت الطفلة تعيش في منزل جدها لوالدها، برعاية جدتها وأعمامها.
كما أوضحت العدلية أن جدة الطفلة من جهة الأم كانت قد حصلت سابقاً على قرار يسمح لها بزيارة حفيدتها أسبوعياً، إلا أن تنفيذ القرار لم يستمر بسبب إجراءات قانونية انتهت بشطب مرحلة التنفيذ نتيجة عدم متابعة الجدة للإجراءات. كذلك نفت العدلية ما أثير عبر وسائل التواصل الاجتماعي حول وجود شكوى سابقة بشأن تعنيف الطفلة تم رفضها من أحد القضاة، مؤكدة أن القاضي الذي ورد اسمه لم يتلقَّ أي شكوى من هذا النوع، وأن مراجعته اقتصرت على ملف يتعلق بحق الزيارة فقط.
بينما أكدت العدلية أن التحقيقات الجنائية لا تزال بحاجة إلى الوقت الكافي لجمع الأدلة والوصول إلى الحقيقة كاملة، وحذرت من تداول معلومات غير دقيقة حول الحادثة قد تؤثر على التحقيق والرأي العام.
ماذا تقول الدراسات عن العنف ضد الأطفال؟
إذا بدت قضية نور الدوس صادمة، فإنها للأسف ليست حالة وحيدة. فالعنف الذي يتعرض له الأطفال يحدث في كثير من البيئات البعيدة عن الأنظار، ولا يصل إلى القضاء أو الجهات المختصة إلا بعد وقوع كارثة.
وبحسب دراسة منشورة في المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، أشار المركز إلى أن العنف ضد الأطفال يبقى في كثير من الحالات مخفياً لعدة أسباب. فالطفل قد يخاف من الإبلاغ عما يتعرض له، خاصة إذا كان المعتدي أحد أفراد الأسرة أو شخصاً يملك سلطة عليه مثل عم الطفلة نور، في حين تلتزم الأسرة الصمت، بينما ينظر بعض الناس إلى الضرب أو الإهانة على أنهما وسيلة للتربية، رغم ما يتركانه من آثار خطيرة على الطفل.
ويضيف المركز أن غياب الطرق الآمنة لتقديم البلاغات، أو ضعف الثقة أحياناً بالجهات القادرة على التدخل، يجعل الكثير من الأطفال يعيشون العنف لفترات طويلة من دون أن يعرف أحدٌ بهم. كما أن الفقر، وتراجع المستوى التعليمي، والظروف الاجتماعية الصعبة مثل طلاق الوالدين أو المشكلات الأسرية، كلها عوامل قد تزيد من احتمالات وقوع العنف، لكنها لا يمكن أن تكون مبرراً له.
ويستند المركز إلى تقديرات منظمة الصحة العالمية التي أظهرت أن معدلات قتل الأطفال في البلدان منخفضة الدخل أعلى من مثيلاتها في البلدان مرتفعة الدخل، كما أن المراهقين بين 15 و17 عاماً، والأطفال في السنوات الأولى من العمر، هم من أكثر الفئات عرضة لخطر القتل.
ويبين المركز أيضاً أن الأطفال الأصغر سنًا هم الأكثر تعرضاً للعنف الجسدي، بينما ترتفع مخاطر العنف الجنسي مع الاقتراب من سن المراهقة. كما أن بعض الفئات تحتاج إلى حماية أكبر من غيرها، مثل الأطفال ذوي الإعاقة، وأطفال الشوارع، والأطفال اللاجئين أو النازحين، بالإضافة إلى الأطفال الذين يعيشون في بيئات فقيرة أو مهمشة.
اقرأ أيضاً: أزمة العنف ضد النساء السوريات في ظل قانون لا يحميهن
آثار العنف لا تنتهي عند لحظة الاعتداء
لا تلتئم جراح العنف الجسدي للأطفال مع التئام الجروح الجسدية، فقد تمتد تأثيراته إلى الحالة النفسية والعقلية للطفل، وحتى إلى سنوات حياته التالية. فتقول دراسة المركز إن العنف لا يسبب إصابات جسدية فقط، بل قد يؤثر في نمو الدماغ والجهاز العصبي إذا تعرض له الطفل في عمر مبكر، كما ينعكس على قدرته على التعلم والتركيز والتحصيل الدراسي.
ولا تقف الآثار عند الجانب الصحي، إذ تزداد احتمالات إصابة الأطفال المعنفين بالقلق والاكتئاب ومشكلات الصحة النفسية، وقد يصبحون معرضين للتسرب من المدرسة أو اتباع سلوكيات خاطئة. كما أن الطفل المعنف قد يواجه صعوبة في بناء علاقات مستقرة عندما يكبر.
هل كان هناك طريقة للطفلة نور أو عائلة أمها للحماية؟
نعم، كان هناك طريقة لحماية نور مما تتعرض له، لكن يبدو أن عدم المعرفة بهذه الطرق، أو التكتم الكبير من قبل عائلة والدها، كانا كفيلين بالوصول إلى قتلها دون أي رادع. فعندما نتذكر قضية الطفل في حماة الذي صوره جده وهو يتعرض للتعذيب من قبل والده، نستطيع اكتشاف الطريقة التي يجب التعامل بها مع حالات العنف الجسدي للأطفال.
وفي تلك الحادثة أوضح مدير القضايا الأسرية في الهيئة السورية لشؤون الأسرة والسكان، وضاح الركاد، أن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تقود قطاع الحماية، من خلال مراكز الحماية المجتمعية ومؤسسات الرعاية الاجتماعية، التي تستقبل الأطفال المعرضين للعنف أو الاستغلال، وتعمل على توفير الدعم الذي يحتاجونه.
ولا يبدأ هذا الدعم بتوفير مكان آمن فقط، بل يشمل أيضاً جلسات علاج نفسي فردية أو جماعية تحت إشراف مختصين، لمساعدة الأطفال على تجاوز الصدمة، والتخفيف من مشاعر الخوف والقلق، وإعادة بناء ثقتهم بأنفسهم. فالطفل الذي تعرض للعنف يحتاج إلى من يستمع إليه ويشعره بأنه لم يعد وحده، وأن ما مر به لن يتكرر.
وكثير من الأطفال الذين يتعرضون للعنف يبتعدون عن المدرسة، سواء بسبب الخوف أو الظروف التي عاشوها، لذلك تعمل الجهات المعنية على إعادتهم إلى التعليم من خلال برامج تعويض الفاقد التعليمي أو التعليم المرن، قبل دمجهم مجدداً في المدارس، حتى لا يخسروا حقهم في التعلم بسبب تجربة لم يكونوا مسؤولين عنها.
وفي بعض الحالات، لا يكون من الآمن أن يعود الطفل إلى أسرته مباشرة، خاصة إذا كان مصدر الخطر لا يزال موجوداً. عندها يتم تأمين مكان إقامة مؤقتة له، سواء في مراكز متخصصة أو لدى أسر بديلة، إلى أن تتأكد الجهات المختصة من أن حياته أصبحت آمنة.
وتابع آنذاك الركاد أن برامج الحماية لا تنتهي عند العلاج، بل تتجاوزه إلى تعليم الأطفال كيف يحمون أنفسهم، وكيف يعبرون عن مشاعرهم، ومن يلجؤون إليه إذا تعرضوا للأذى، لأن كثيرًا من الأطفال يصمتون خوفاً أو لأنهم لا يعرفون أن من حقهم طلب المساعدة.
وفي الوقت نفسه، إذا كانت الأسرة قادرة على التغيير، فإن الدعم يشملها أيضاً. فبدلاً من عقاب الوالدين أو من يرعى الطفل فقط، يتم إخضاعهم لبرامج إرشاد وتأهيل تساعدهم على تغيير أساليب التعامل مع أطفالهم، مع متابعة مستمرة للتأكد من توقف العنف وعدم تكراره.
ويشير الركاد إلى أن الهيئة السورية لشؤون الأسرة والسكان تعمل أيضاً على إعداد السياسات الخاصة بحماية الطفل، ونشر الوعي بحقوقه، واقتراح تشريعات جديدة تعزز حمايته، بينما تتولى وزارة الصحة متابعة الرعاية الصحية والنفسية للأطفال، وتعمل وزارة التربية على ضمان استمرارهم في التعليم والحد من التسرب المدرسي.
ماذا يقول القانون؟
من المؤكد أن الجميع يسأل عن دور القانون في حماية الطفل من العنف الجسدي، خصوصاً بعد انتشار أقوال والدة الطفلة نور بأنها ذهبت إلى القاضي عدة مرات تشتكي له تعرض ابنتها للضرب والتعذيب على يد والدها وأهله، لكن القاضي لم يستجب لها بحجة أنهم يربونها.
لذلك يوضح الحقوقي ساطع ياسين أن قانون حقوق الطفل رقم 21 لعام 2021 يجرم جميع أشكال العنف والإهمال والاستغلال التي يتعرض لها الأطفال، ويشدد العقوبات إذا كان المعتدي أحد أفراد الأسرة أو إذا تسبب العنف بإصابات جسدية أو نفسية خطيرة.
ولا يقف الأمر عند السجن أو الغرامة، إذ يمكن للمحكمة أن تحرم المعتدي من حق الحضانة أو الوصاية إذا ثبت أنه أساء معاملة الطفل، وذلك لحمايته من التعرض للأذى مرة أخرى.
ومن النقاط المهمة التي يوضحها ياسين أن جرائم العنف ضد الأطفال لا تعتبر شأناً عائلياً خاصاً، بل هي جرائم تمس المجتمع كله. لذلك يستطيع الادعاء العام تحريك الدعوى حتى إذا لم يتقدم أحد أفراد الأسرة بشكوى، كما يمكن للجهات الحكومية المختصة والأقارب اتخاذ الإجراءات القانونية لحماية الطفل، ويحق لأي شخص يعلم بوجود حالة عنف أن يبلغ عنها.
في الختام، يبدو أن المجتمع السوري جاهل تماماً بحقوقه، ومنها حقوق الطفل الذي يمثل جيل المستقبل القادم، فتخيل، يا عزيزي القارئ، أن شباب المستقبل يُضربون ويُعذبون في صغرهم، هذا طبعاً في حال عدم وفاتهم تحت التعذيب، كيف سيصبحون عندما يكبرون؟ لذلك نحن بحاجة إلى قيام الوزارة المعنية ووسائل الإعلام بنشر فيديوهات توضيحية عن حقوق الطفل، وكيفية حمايته من العنف أو الاغتصاب، وتعريفه بطريقة الإبلاغ والإجراءات القانونية لذلك، حتى لا تُحكم مجتمعاتنا بشريعة الغاب.
اقرأ أيضاً: أطفال الصراع.. كيف يعيد العنف السياسي تشكيل الأجيال؟









